استمعت صباح يوم الجمعة 1 سبتمبر 2000 الى صوت الخبير المالي والاقتصادي الفرنسي الاستاذ/ لورون شميدت من خلال برنامج مطول بثته اذاعة فرنسا الاوروبية والاستاذ/ شميدت هو مؤلف كتب قيمة حول الاقتصاد العالمي صدر له آخر كتاب بعنوان: مالية اوروبا الموحدة. خصص البرنامج الاذاعي لرهان اليورو, هذه العملة الاوروبية التي ظلت الى اليوم عملة خيالية لكنها ستصبح حقيقة مادية منذ يوم 1 يناير 2002 اي بعد عام واربعة شهور مكانها لعملة واحدة يجري بها العمل من برشلونة الى لشبونة الى روما الى باريس الى لندن الى برلين... ويعني كذلك انك ستدفع اليورو نفسه لشراء خبزة من مخبز فرنسي او احتساء قهوة في مدريد او اقتناء جريدة يومية من ميونخ. يقول الخبير الاستاذ/ شميدت: الخطر الكبير الذي سيواجه اليورو ليس اقتصاديا بل اجرامي... بمعنى ان العصابات المتخصصة في تزييف العملات سوف تحاول ترويج (يوروات) مدلسة. فهذه العملة تغطي اليوم خمسة عشر دولة ومن السهل ان تحقن العصابات اسواق خمسة عشر دولة بأوراق مالية مزيفة. وبالفعل فإن هذا الخطر الذي قد يبدو مبينا للبعض هو في الحقيقة تحد قائم بالنظر الى انتشار هذا النوع من الجريمة في اوروبا وامريكا واليوم كذلك في روسيا وحتى في الصين. فالمتفننون في تدليس الدولار الاخضر قادرون على تدليس اليورو الازرق.. وبالطبع فإن تكنولوجيا المصرف المركزي الاوروبي لابد ان تتبعها وتوازيها تكنولوجيا المجرمين, خاصة وان الاجرام في هذا المجال كما في مجال المخدرات اصابته لوسة العولمة هو الآخر.. فتعولم اي ان الاتصال الالكتروني عبر الانترنت لم يعد وفقا على الحكومات ولا على الناس الطيبين, بل دخلت الجريمة المنظمة بقوة وسرعة لم تجارها ولم تحد منها كل محاولات السلطات الرسمية ومنظمة انتربول. اما التحدي الثاني فهو تحد سيكولوجي, وليس اقتصاديا كذلك وقد لمسته بنفسي هذه الايام في فرنسا, حيث رفض احد الباعة ان يأخذ مني صكا مصرفيا باليورو! لقد جربت هذه العملية وانا بين الجد والمزح, واستشرت الموظفة بالبنك الذي فيه رصيدي المتواضع او اوقع صكوكي باليور... بما يوازي بالضبط سعر البضاعة بالفرنك الفرنسي, فتحمست لهذه التجربة وقالت لي ان هذا الصك باليورو قانوني وشرعي بل فضله على غيره انه يمكن صرفه في كل مصارف الخمسة عشر دولة اوروبية. لكني حين اقتنيت بضاعة استهلاكية من احد محلات سلسلة معروفة من السوبر ماركت اعطيت الصك باليورو (حوالي 300 يورو = 270 دولار) فتمعنت فيه البائعة الشابة ثم ضحكت وقالت: ما هذا يا سيد؟.. بلغة فرنسية رقيقة مؤدبة فقلت لها اني افضل دفع مشترياتي باليورو.. فهي العملة الرسمية ـ مصرفيا ـ منذ 1 يناير 1999 تماما كالفرنك الفرنسي.. ولكن البائعة اللطيفة نادت مدير المحل وبعد جدال مهذب قصدت ان احلل من ورائه الخوف النفسي لدى المواطن الاوروبي من عملته المقبلة, تم التفاهم على استشارة المصرف بالهاتف. وبالفعل قال الموظف بالمصرف لمدير المحل: لا مانع من قبول الصك باليورو... بل بالاحرى القانون يفرض علينا قبوله وتمت الصفقة بهذا الشكل. هذه صورة من صور التردد النفسي الشعبي لدى شرائح_عريضة من مواطني اوروبا الموحدة فالعملة في كل زمان ومكان تمثل جزءا لا يتجزأ من السيادة الوطنية بل وحتى من الهوية, فنحن حين نذكر الالمان نقول هو شعب المارك وحين نذكر اليابان نقول بلد الين, وحين نتحدث عن الطليان نقول اهل الليرة وعن الاسبان نقول شعب البيزيتا ومنها انحدرت عبارة (البيزات) في دول الخليج العربي وقد روجها التجار الاسبان والبرتغاليون في القرن التاسع عشر, ولهذا السبب السيكولوجي فنحن حين نطلب من الدول الاوروبية التخلي عن عملاتها الوطنية فإننا نصطدم بحاجز نفسي قوي يرفض التغيير ولذلك فإن المصرف المركزي الاوروبي يأخذ بعين الاعتبار هذا العامل ويعطيه املا يمتد على جيل كامل لا قرار اليورو دون رواسب سيكولوجية. اما التحدي السياسي فهو يتعلق اساسا بضرورة تنسيق السياسات النقدية قبل تاريخ 1 يناير 2002, والسياسات النقدية كما نعلم ليست معزولة عن خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية لابد من تبنيها بشجاعة في مواقع القرار الوطنية ثم في المؤسسات الاوروبية المشتركة. وفي هذا المجال تبدو سياسة لندن اكثر انعزالية وحمائية من الدول الاوروبية الاخرى بالنظر الى تقاليد بريطانيا الاطلسية اي الى عادات تنسيق وتشاور مع الحليف الامريكي لاسباب تاريخية واستراتيجية لا تخفى, ولكنها اصبحت تضايق الشركاء الاوروبيين للمملكة البريطانية. وقد كتب رئيس تحرير (لومند) يوم الجمعة 1 سبتمبر 2000 يقول: (ان مصلحة الجنيه الاسترليني بعيدة المدى مرتبطة بقوة اليورو... لا بسواه) وبالطبع فالصحفي القدير يقصد بعبارة (بسواه) الدولار... الذي هو اليوم سيد الموقف احب الاوروبيون ام كرهوا.