خطفت قضية القدس الابصار والاسماع, والاقلام ايضا, بحيث بدت وكأنها المشكلة الوحيدة التي يجري الصراع عليها وحولها بين العرب الفلسطينيين, والاسرائيليين, او كأن الصراع العربي الاسرائيلي قد اختصر كله في قضية القدس. بينما توارت عن دائرة الاهتمام قضايا الصراع الاخرى, وبينها من يعادل القدس, او يفوقها خطورة من حيث نشأة الصراع ومستقبله, كقضية اللاجئين. لا ينكر احد مكانة القدس التاريخية والدينية, ولا المعاني التي ترمز اليها, وهي تستحق ان تحظى بالاهتمام الذي يليق بها, لكن حين يعلن ان الخلاف حولها كان, وحده تقريبا, وراء فشل قمة كامب ديفيد, وحين نرى ان كل التحركات والوساطات العربية, والصيغ التي يجري التداول فيها والتشاور حولها تدور كلها حول القدس, او حول الدائرة الاضيق منها وهي قضية الاقصى, وحين ينحصر خطاب المبعوثين الاسرائيليين والامريكيين الذين جابوا دول العالم ليسوقوا الموقف الاسرائيلي, وليقطعوا الطريق على التحركات الفلسطينية, في انتقاد التشدد الفلسطيني في قضية القدس, ويركز الاعلام الاسرائيلي واليهودي والامريكي هجومه كله تقريبا على الموقف الفلسطيني في موضوع القدس, فإن من الطبيعي ان تثور تساؤلات حول القضايا الاخرى التي جرى بحثها في كامب ديفيد, واهمها قضية اللاجئين, خاصة عندما لا يعلن شيء عنها او ماذا تم فيها, ويحصر الخلاف, كما اعلن, في قضية القدس, فهل معنى ذلك ان القضايا الاخرى وتحديدا قضية اللاجئين, لم تكن موضع خلاف, على ما بين الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي من تباين يصل حد استحالة التوفيق بينهما او حتى التقارب؟ اننا نشك في ذلك. فلماذا اذن يبقى الغموض قائما حول الخلاف في قضية اللاجئين؟ ولماذا لم يعلن هذا الخلاف وحدوده المتباعدة؟ قد نتفهم تصدير موضوع القدس باعتبار القدس قضية استقطاب للرأي العام العربي والاسلامي وحتى العالمي. وقضية احراج للموقف العربي الرسمي الذي يزعم انها قضية العرب والمسلمين جميعا, ولكننا لا نفهم ان تصبح وحدها موضع الاهتمام وعنوان التحركات. فالخشية هنا ان يغطي بريق القدس, وما سيثار حولها من ضجيج احتفالي, اذا ما تم التوصل الى اتفاق على صيغة من الصيغ المتداولة في بورصة الوساطات, على الموضوعات الاخرى, وتحديدا حق العودة للاجئين, ويصبح قيدا على الموقف الفلسطيني وعنصرا ضاغطا عليه لتقديم التنازلات فيه. لذلك كان من الضروري, وما زال, ان تصارح القيادة شعبها بموضوعات الخلاف كلها, وان تطرح علنا للرأي العام الفلسطيني والعربي, وان تبلغ ايضا لاصحاب الوساطات حتى يدركوا ان حدود الصراع ابعد واعمق من موضوع الاقصى, وان الموقف المطلوب يتجاوز مكانة الحرم والسيادة عليه, او السيطرة على شارع هنا وحي هناك. ان طرح مواضيع الخلاف, وحدود الموقف الفلسطيني من القضايا كلها, وليس القدس وحدها, على الرأي العام الفلسطيني والعربي, وللاطراف الدولية هو اولا تحصين للذات الفلسطينية واستقطاب للموقف الشعبي حولها, وقطع للطريق على اي ضغوطات قد تمارس على الطرف الفلسطيني لتقديم التنازلات. بينما السكوت عن نشر الحقائق قد يوحي بالشكوك في المواقف, والطرف الفلسطيني في غنى عن ذلك وهو بحاجة لمن يعزز موقفه لا من يشكك فيه. وقد يغري خصومه به, ويوحي لهم باستعداده للمساومة على هذه القضية او تلك, او مقايضة قضية بأخرى. او قد يدفع بعض الطامعين في الاستفادة من اموال التعويضات لزيادة ثرواتهم او انعاش اقتصادهم, سواء كانوا من الاطراف المحلية او الاقليمية, الى الاعتقاد بأن التعويض هو سقف الحل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وان هؤلاء يمكن استرضاؤهم بفتات التعويض, وقبر احلامهم بالعودة في مقابر التوطين. ان من يذهب به الاعتقاد هذا المذهب انما يبيع الوهم لنفسه قبل ان يبيعه للآخرين من اصحاب القضية بالذات, ويؤسس لتسوية هشة, وسلام مغشوش لن يصمد امام اية هزة, بل قد ينقض قبل ان يبدأ. فشعبنا حين هلل لصمود وفده وقيادته في كامب ديفيد, لم يفعل ذلك من اجل القدس وحدها, ولا فهم الصمود على انه في الجانب المقدسي فقط, وانما رأى الصمود مسحوبا على كل القضايا واولها قضية اللاجئين. ولذلك حظيت القيادة الفلسطينية بذلك الترحاب الشعبي الواسع, الذي لم تشهد مثله في السنوات الاخيرة, فلسطينيا وعربيا. كما انعش هذا الصمود الآمال بوحدة وطنية واسعة, تجسدت بوادرها في الاستقبال والاستقطاب الشعبي الكبير الذي تمتعت به القيادة عند عودتها من كامب ديفيد. وحين نؤكد على ضرورة المصارحة والمكاشفة, وطرح الموقف الفلسطيني بوضوح, وعمق تناقضه مع الموقف الاسرائيلي في قضية اللاجئين ـ كما جرى في قضية القدس ـ لا نفعل ذلك من باب التشكيك, ولا من باب اختبار النوايا, وانما من زاوية الحرص على تعزيز مصداقية الخطاب الفلسطيني, وحشد الرأي العام الفلسطيني والعربي حوله. ومن زاوية تعزيز مصداقيته لدى الاطراف العربية الرسمية, حتى لا تبني مواقفها على اساس ان الخلاف يدور حول القدس وحدها وحتى لا تفاجأ بأن قضية اللاجئين والحفاظ على حقهم في العودة هي الاساس لأي مشروع سلامي يراد له ان يدوم. بل انها, ونظرا لتداخلها الاقليمي, من خلال تواجد 88% من اللاجئين داخل فلسطين, او على حدودها في دول الجوار العربي, هي العامل المؤثر في استقرار المنطقة بكاملها.