لم يعرف اجدادنا من كبار المفكرين وفطاحل الشعراء واعلام الفقه مهنة نشر الكتب او توزيعها, وكان يكفي الواحد منهم, تأليف كتابه, واحالته الى (نسّاخ) يخط منه نسخا, يتداولها المهتمون من تلاميذه او الزملاء, الذين ينسخون بدورهم نسخا اخرى مخطوطة, اما الشعراء فكانوا يكتفون بالقاء قصائدهم كوسيلة وحيدة لذيوعها. وفي فترة اخرى, ظهرت دور للنسخ مهمتها توفير المخطوطات الفقهية والفلسفية والعلمية, والتي طورتها الحضارة العربية الاسلامية في أوج ازدهارها, لتكون اساسا لدور الطباعة والنشر, التي قدمتها اوروبا بعد ظهور آلات الطباعة, لتزدهر صناعة ومهنة نشر الكتب والصحف, وتزدهر معها انماط من القرصنة والتزييف التي تضيع حق المؤلف والناشر معا. وبسبب ألوان مذهلة من تزوير الكتب من وراء ظهر مؤلفيها وناشريها, فضلا عن الغبن والظلم اللذين يعانيهما المؤلفون فيما تتكدس الاموال في خزائن الموزعين والناشرين, راجت مقولة (ان الناشرين يشربون بجماجم المؤلفين) . ويبدو ان عصرا جديدا يبشر بخلاص المؤلفين وتحررهم من اغلال الناشر والموزع, والفضل يرجع الى (الانترنت) او الشبكة الدولية او الجسر الدولي السريع للمعلومات, ودخولنا عصر النشر الالكتروني, لنقول وداعا للكتاب المطبوع بشكله التقليدي, وان كان ذلك سيحدث كحقيقة بحلول العام 2020. وما حدث ان مؤلفا امريكيا متخصصا في كتابة الروايات البوليسية, تحقق كتبه ذات الحكايات المثيرة ارقاما خيالية في المبيعات وتدر على ناشرها ملايين الدولارات من الارباح, لجأ الى توظيف (الانترنت) في توزيع احدث رواياته, مخاطبا القراء عبر موقعه مباشرة وبدون اللجوء الى ناشر او وسيط. وحدد المؤلف العبقري مبلغا رمزيا ثمنا لكل فصل من فصول رواياته, بعد ان اغرى القراء بوضع الفصل الاول (مجانا) على شبكة الانترنت, ونجحت الحيلة وحصد نصف مليون دولار, وتحققت اول تجربة في النشر الالكتروني. وللمصادرة على ما يخبئه المستقبل من تطورات مذهلة في عالم النشر الالكتروني, لجأ الناشرون الامريكيون الى التقليل من تجربة مؤلف القصص البوليسية معتبرين ان نجاحها راجع لشهرته الذائعة, وإن الامر محفوف بالمخاطر بالنسبة لمعظم الكتاب. الا ان التفكير في مخبوء الايام المقبلة, يصيبنا بدهشة شديدة, وفي الوقت نفسه سيجلب معه اشكالا جديدة من القرصنة والاحتيال الالكتروني. فمن الممكن عن طريق التسلل الى المواقع على شبكة المعلومات (الانترنت) السطو على اعمال المؤلفين قبل تداولها, أو ربما تدميرها وتخريبها بفيروس من فصيلة الفيروس الفلبيني المدمر (احبك) . تخيل المفارقة بين فداحة الجريمة ورومانسية الاسم... تمشيا مع عصر المفارقات وتدنيس قداسة الكلمات... ولا عزاء للمؤلفين. سيد زهران