وجدتني هكذا وأنا أراود القلم على الكتابة والدخول إلى عالم الورق أتذكر وجه وانفعالات وايماءات زميلنا وصديقنا مأمون عطية أطال الله في عمره وهو يتحدث بشفافيته الساحرة عن الحياة والفن والجمال, وأقتنص الكلمة الأخيرة, لانها المفتاح الذي سيوصلنا إلى ساحة هذه الاستراحة.. فزميلنا مأمون كثيرا ما يأخذنا بما يمتلكه من موهبة إلى عوالم أخرى تكون أحيانا بعيدة عنّا.. فقد حباه الله بملكة يسيرها شمالا وجنوبا, شرقا وغربا في رسم أبعاد ولأنني دخلت طارقا هذا الباب, وهو باب رومانسي هادئ أحيانا وعاصف أحيانا أخرى, وجدتني أستعير قول شاعر قديم يقول: عبث النسيم بقده فتأوّدا وسرى الحياء بخده فتوردا رشأ تفرّد فيه قلبي بالهوى لما غدا بجماله متفردا قاسوه بالغصن الرطيب جهالة تالله قد ظلم المشبه واعتدى حسن الغصون إذا اكتست أوراقها وتراه أحسن ما يكون مجرّدا والسؤال الذي بدأ يطرح نفسه بقوة في زمن العولمة والتواصل التكنولوجي, وصناعة نجوم الفن والسينما هل تحتاج بعض الدول إلى صناعة الجمال واستثماره؟ يبدو ان الكثير من الدول الفقيرة في منتجاتها وصناعاتها بدأت تفكر بلغة العولمة وبدأت تضع خططا استثمارية لمورد إنساني حيوي ربما يدر الملايين من الدولارات ولهذا وجدت نفسها تجاوب على هذا السؤال بتلقائية مطلقة. رغم ان هذه الفكرة ليست جديدة على بعض الدول مثل فنزويلا حيث تعد صناعة ملكات الجمال أشهر مصدر للدخل بعد النفط, إلا ان هذه الصناعة تتدخل فيها المهارة البشرية, بخلاف النفط الذي يمثل مصدرا من الثروة الطبيعية الموجودة في باطن الأرض. وعلى مدى العشرين عاما الماضية ربما فازت خمس فنزويليات بألقاب ملكات جمال الكون بينما فازت خمس أخريات بألقاب ملكات جمال العالم, وهو رقم يفوق أي دولة أخرى, فعلى مدى الثلاث عشرة سنة الماضية لم تتم نهائيات المسابقتين بدون وجود فنزويلية على الأقل ضمن المتنافسات وقد تساءلت مجلة (ايكونومست) في أحد أعدادها عن سر هذا التفوق الفنزويلي رغم أن عدد سكان هذه الدولة لا يزيد على 21 مليون نسمة. فقال الرجال الفنزويليون إن نساء بلادهم حباهن الله جمالا أخاذا. وقد أضفى امتزاج أعراق مختلفة المزيد من الجمال على المرأة الفنزويلية. الواقع يقول عكس ذلك إذ ان هناك صناعة بأكملها يتم من خلالها اعداد الجميلات للدخول في مسابقات الجمال المحلية والعالمية حيث يتم انتقاء الفتيات من مراكز التسوق والمدارس وحتى الشوارع على أن تتراوح أعمارهن بين 17 و24 سنة, وألا يكن أقصر من 1.70 متر, بعد ذلك يأتي دور الجراحات التجميلية وعمليات تقويم الأسنان وتجميلها إذا كان الأمر يستدعي ذلك, ثم يأتي دور الصقل حيث يقوم الأطباء بتحديد المقاييس المطلوبة واجراء التعديلات اللازمة على الأنف والذقن والصدر والحواجب بحيث لا يترك أي شيء للصدفة, وغالبا ما تجرى هذه العمليات في شهر سبتمبر من كل عام, أي قبل شهرين من بدء المسابقة فتخرج الفتاة للمسابقة مطابقة للمواصفات ولقول الشاعر ابن نباتة: بدا ورنت لواحظـه دلالا فما أبهى الغزالة والغزالا وأسفر عن سنا قمر منير ولكن قد وجدت به الضلالا صقيل الخد أبصر من رأه سواد العين فيه فخال خالا وممنوع الوصال إذا تبدّى وجدت له من الألفاظ لالا شهدت بشهد ريقته لأني رأيت على سوالفه نمالا فيا عجباً لحسن قد حواه وقد أهدى إلى قلبي الوبالا سأشكو الحسن ما بقيت حياتي وأشكو من صنائعه الجمالا وبعيداً عن هذه القصيدة الحالمة التي ترسم بأبعادها امرأة جميلة لم يتدخل مبضع الجراح في تفاصيلها يشهد عالم اليوم مشاهد مثيرة للتهافت على عيادة التجميل, فامتلاك الشعر الأشقر والقوام الممشوق لم يعد من المواصفات التي يحلم بها أي رجل ويتمنى أن يجدها في شريكة حياته فقط, ولكنها أيضا من المزايا المثالية للعديد من النساء في أمريكا الجنوبية واللاتي هن على استعداد لاخضاع أنفسهن لاجراءات مؤلمة وأحيانا خطيرة من أجل تحقيق ما يعتبرنه الجمال المثالي, ويبدو ان أمريكا الجنوبية بدأت تتفوق على نفسها, فالبرازيليات يعكسن ظاهرة أو موجة بدأت تنتشر بشكل واسع بين جميلات خشبات عروض الأزياء في أمريكا الجنوبية, بأجسامهن النحيفة التي يفضلها عارضو الأزياء. وحسب قول جراح التجميل مانيوال سارايراوز فإن تأثير العارضات وملكات الجمال على الفتيات اليوم كبير, إلى حد يفوق التصور, فقد أصبحت العارضات النموذج الذي تقتدي به الفتيات في بحثهن عن مواصفات الجمال المثالي, كما ان العارضات هن السبب الذي يدفع الفتيات للجوء إلى الجراحة التجميلية. عموما وبعيدا عن جراحات التجميل وحتى لا أجرح القارئ الكريم بلغة فجة أختم بقول شاعر قديم: أغار عليك من نظري ومني ومنك ومن مكانك والزمان ولو أني خبأتك في جفوني إلى يوم القيامة ما كفاني