قال احد اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني: عندنا في الصين, عندما ينتهر اب ولده بالغ الرشد ويأمره بانجاز واجبه المدرسي اولا عوضا عن الذهاب لمشاهدة مباراة كرة قدم فإن المجتمع الصيني يعتبر مثل هذا الاب حازما وحكيما. لكن اذا تصرف اب في الولايات المتحدة نحو ابنه بالطريقة نفسها فإن الاب في هذه الحالة يعرض نفسه لمساءلة قانونية جنائية. كان هذا المسئول الصيني الكبير يتحدث في مقابلة مطولة من تلفزيون بي بي سي (القناة العالمية) الى ذلك الاذاعي البريطاني المخضرم (تيم سباستيان) مجيبا على اسئلته حول اوضاع حقوق الانسان في الصين. ومغزى المثال الذي ساقه المسئول الصيني هو ان الغرب يسعى لفرض القيم المعتمدة في مجتمعاته على الاخرين بتصويرها كقيم عالمية مما قد يتعارض مع قيم مجتمعات اخرى. على ان هذا ليس التناقض الرئيسي الوحيد حول مفهوم حقوق الانسان سواء كطرح نظري او ممارسة تطبيقية. هناك ايضا التوجه الانتقائي الذي تنتهجه حكومات الغرب تجاه دول العالم الثالث بجعل مسألة حقوق الانسان أداة من ادوات السياسة الخارجية لخدمة اهداف ذاتية بحتة. على صعيد تصادم القيم الثقافية في مجال حقوق الانسان تبرز المجتمعات الاسلامية بصفة خاصة عندما تكون هدفا للانتقاد من قبل الدوائر الحاكمة في الغرب او جمعيات حقوق الانسان الغربية مثل (امنستي انترناشيونال) البريطانية او (ميدل ايست ووتش) الامريكية. هنا يبدو اصحاب الانتقادات وكأنهم يستحثون المجتمعات الاسلامية سواء على صعيد الحكم او الصعيد الاجتماعي العام او على مستوى الافراد على نبذ مبادىء واحكام الشريعة الاسلامية. خذ مثلا عقوبة الاعدام فيما يتصل بجرائم معينة ترتكب في المجتمعات البشرية قاطبة لاسباب تتعلق بجوهر المجتمع الغربي كمجتمع يعتبر العقيدة الدينية عبئا ألغيت عقوبة الاعدام نهائيا بالنسبة الى جريمة القتل العمد. وانطلاقا من هذا المفهوم الخصوصي تنتقد هيئات حقوق الانسان الغربية الدول الاسلامية التي تطبق الحدود الشرعية ومن بينها اعدام القاتل في جريمة القتل العمد اذا رفض ولي دم القتيل قبول الدية. وقس على ذلك تناقضات اخرى منها ما يتعلق بأوضاع المرأة. في هذا الصدد تحفل تقارير جمعيات حقوق الانسان الغربية بما تطلق عليه (الحقوق الجنسية للمرأة) ويدخل الزنا في هذا السياق كأحد حقوق المرأة في الحرية الشخصية بينما يعتبر هذا الفعل جريمة كبرى في منظور الشريعة الاسلامية. ان من عدم الانصاف ان نعتبر ان كل انتقادات هيئات حقوق الانسان الغربية لانظمة الحكم في العالم الثالث انتقادات خاطئة. فالتعذيب الجسدي والمعنوي والظلم والاعتقال طويل الامد دون تهمة وغض الطرف عن الفساد والحجر على حرية التعبير السياسي. مما يمارس في بلدان العالم الثالث بما فيها بلدان اسلامية.. هذا كله لا يقره اي دين سماوي او نظام اخلاقي وضعي. لكن هيئات حقوق الانسان الغربية تخطىء خطأ جسيما عندما تستهدف القيم الثقافية الراسخة وخاصة تلك القيم المنبثقة في عقيدة دينية لمجتمع ما. ولا يقل عن هذا الخطأ جسامة خطأ آخر يتمثل في الانتقائية السياسية التي تمارسها حكومات الغرب عمدا تجاه العالم الثالث فيما يتعلق بمسائل حقوق الانسان فهناك دول (صديقة) تقتضي اعتبارات المصالح الحيوية الغربية السكوت على ممارساتها حتى لو كانت موغلة في الوحشية. وهناك على صعيد آخر دول مصنفة كأعداء في منظور مصالح الطرف الآخر, هذه ينصب عليها النقد الحاد المعلن حتى لو كانت اوضاع حقوق الانسان فيها افضل نسبيا من الدول (الصديقة) .. بل ويبلغ النقد المبالغ فيه احيانا حد التلفيق الفاضح. لهذا سوف تبقى مسألة حقوق الانسان جدلية الى الابد.