في 15 يناير عام 1982 كان حزب (التجمع) يحتفل كالعادة بذكرى ميلاد جمال عبدالناصر عندما فجر شيخ المحامين في ذلك الوقت (عبدالعزيز الشوربجي) مفاجأة جنائية وسياسية أصابت كل الحضور بالذهول.. وربما الشلل.. التفت الرجل الذي كان صوته قويا متماسكا رغم تجاوزه السبعين من عمره الى خالد محيي الدين رئيس الحزب ثم قال: (إن في عنق محبي جمال عبدالناصر أمانة لايمكن التفريط فيها.. أمانة الكشف عن قاتله)!. وقبل أن تتراقص علامات الاستفهام والدهشة أمام عيون الحاضرين أضاف المحامي الشهير: (لقد اعترف لي الجاسوس الاسرائيلي الذي يدعى (علي العطفي) بنفسه ونحن في السجن أنه (قتل) جمال عبدالناصر بالسم البطيء عندما كان يدلك له ساقيه أثناء مرضه بمراهم ودهانات خاصة تتسلل الى الدورة الدموية فتفسدها دون أن يشك أحد في وجود شبهة جنائية). كان (عبدالعزيز الشوربجي) قد اعتقل ضمن 1536 شخصا من مختلف القوى والمذاهب السياسية والدينية فيما عرف باعتقالات (سبتمبر) عام 1981 وكان السبب المباشر لاعتقاله هو أنه قال علنا في نقابة المحامين: (ألا يوجد في هذا البلد رجل واحد يخلصنا من هذا الفرعون؟).. وفي السجن وجد الدكتور (علي العطفي) يتقرب منه أثناء ساعة (التمشية).. ويكشف له جريمة اغتيال جمال عبدالناصر بالتدليك.. جاء ما قاله (عبدالعزيز الشوربجي) على الجرح تماما.. وعزف على وتر كان مشدودا.. هل اغتيل جمال عبدالناصر أم أن رحيله كان نتيجة طبيعية لأمراض السكر والضغط والقلب وتصلب الشرايين التي كان يعاني منها؟.. ورغم مرور 30 سنة على الوفاة فإن السؤال الصعب لايزال سؤالا بلا إجابة.. أما سبب صعوبة السؤال فهو كثرة الروايات التي نشرت في الغرب عن محاولات اغتياله.. ففي كتاب (صائد الجواسيس) الذي ألفه رجل المخابرات البريطاني الشهير (بيتر رايت): أنهم حاولوا اغتيال جمال عبدالناصر بوضع عقار الهلوسة أو (غاز الأعصاب) في جهاز التكييف بواسطة أحد العملاء المقربين.. وفي كتاب عن (الألعاب القذرة) للمخابرات المركزيةالأمريكية أنهم حاولوا التخلص منه بحقنة (أنسولين) مسمومة. وقبل ذلك نجح الاخوان المسلمون في تجنيد الحارس الخاص لجمال عبدالناصر (اسماعيل الفيومي) لاطلاق الرصاص عليه وهو خارج من مكتبه.. وقد انهار اسماعيل الفيومي قبل ساعة التنفيذ بدقائق عندما سأله جمال عبدالناصر عن صحته وأولاده (وعاملين ايه في الدراسة).. ثم اعترف بالمؤامرة كاملة.. فسلمه جمال عبدالناصر الى سلطات التحقيق.. وبعد المحاكمة صدر الحكم باعدامه.. ونفذ الحكم. كان ما نشر عن محاولات التخلص من جمال عبدالناصر في الداخل وفي الخارج قد جعل رواية الجاسوس الاسرائيلي (علي العطفي) قابلة للتصديق.. وضاعف من ذلك أن كتابا مجهول المؤلف نشر في بيروت أغلب الظن أن المخابرات الاسرائيلية كانت وراءه جاء فيه: (أن جمال عبدالناصر مات بطريقة غير طبيعية بتخطيط من دولة أجنبية.. وألقي القبض على الدكتور علي العطفي أخصائي العلاج الطبيعي بالنادي الأهلي بتهمة تنفيذ هذه الخطة البشعة). وفي الكتاب أيضا: (أن الدكتور علي العطفي كان متزوجا من سيدة ايطالية اشتهرت في الأوساط الرياضية باسم (لوليتا) كانت دائمة السفر الى روما لزيارة اسرتها.. وهناك نجحت المخابرات الاسرائيلية في تجنيدها وسلمتها مرهما خاصا ليستخدمه زوجها في تدليك ساقي جمال عبدالناصر بسبب مضاعفات مرض السكر وقد تشربت مسامه المرهم الممزوج بالسم فأدى الى اصابة الرئيس الراحل بأزمة قلبية أنهت حياته). لقد أصيب جمال عبدالناصر بمرض السكر في عام 1958على أثر مفاوضات شاقة جرت بينه وبين الاتحاد السوفيتي فور قيام ثورة (عبدالكريم قاسم) في العراق حاول خلالها اقناع رئيس الوزراء السوفيتي الأسبق (نيكيتا خروتشوف) بدعم الثورة.. وقد توحش السكر في جسده ورفع راية الخطر في عام 1964 عندما هاجمته مضاعفاته وهو يزور مع نيكيتا خروتشوف أيضا مشروع مديرية التحرير.. ثم راح السكر يعربد في جسده حتى وصل الى مرحلة الأستون.. وهي مرحلة عدم احتراق الدهون وصعوبة تخلص الجسم من سموم التمثيل الغذائي المضطرب.. ثم أدى السكر الى تصلب الشرايين.. خاصة شرايين الساقين.. وهو يؤدي الى صعوبة في المشي والاحساس بالتعب عند أقل مجهود.. وكان أن قرر الأطباء السوفيت علاجه في مصحة (تسخالطوبو).. وبدأ الحديث عن العلاج الطبيعي.. وكان أن جاءت الفرصة لرواية اغتياله بالسم عن طريق التدليك لتجد من يسمعها.. ويصدقها. وقد حاولت جاهدا أن أفك طلاسم هذا اللغز.. وأتصور أنني حققت نجاحا مقبولا في ذلك.. إن علي العطفي الذي ولد في النصف الثاني من العشرينات في أسرة متواضعة لم يحصل إلا على الشهادة الاعدادية.. وقد احترف (التدليك) و(المساج) وهي حرفة تعلمها على يد الأجانب الذين هاجروا من مصر خوفا من التأميم والمصادرة.. ومن ثم لم يتردد علي العطفي في أن يقول: إنه (الأب الشرعي للتدليك والعلاج الطبيعي في مصر).. ولأنه برع في حرفته فقد تهافتت عليه الأندية الرياضية الشهيرة.. وانتهى به المطاف في النادي (الأهلي).. ولأنه برع في إخفاء مؤهلاته فقد كان يعامل معاملة (الخبير) و(الأخصائي) في علم لم يكن معروفا لدينا هو علم العلاج الطبيعي والطب الرياضي وطب الملاعب.. ولأنه برع في إظهار نفسه بمظهر لائق فقد نجح في فرض نفسه على المجتمعات الراقية كواحد منها.. ودعم ذلك بعلاقات مع بعض أصحاب الشأن أضافت اليه الكثير من الوجود.. وجعلت منه شخصية مرموقة لها نفوذ ولها اتصالات. كل ذلك جعله ينضم الى قائمة مدربي العلاج الطبيعي الذي بدأت دراسته الأكاديمية في مصر في عام 1954 تحت اشراف منظمة الصحة العالمية.. وكانت الدفعة الأولى التي درسته من خريجي وخريجات معاهد التربية الرياضية.. ثم بدأت البعثات الخارجية الى الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والمانيا الغربية.. وفي عام 1959 عاد المبعوثون يحملون شهاداتهم العالية.. الدكتوراه.. في تخصصات العلاج الطبيعي المختلفة.. وشجع ذلك على انشاء معهد عال للعلاج الطبيعي استقل رسميا في عام 1969 وساور علي العطفي قلقا شديدا أن يبعدوه عن عمادة المعهد لتواضع مؤهلاته العلمية في مواجهة حملة الدكتوراه الشبان الذين سحبوا السجادة من تحت قدميه.. وسلمت عمادة المعهد بالفعل الى سيدة هي (فوقية عزب سليم) التي بقيت في منصبها حتى عام 1972 ثم سافرت الى الكويت.. وهو ما جعل علي العطفي يشعر بأكبر صدمة في حياته.. ولم يكن من الممكن تجاوز هذه الصدمة إلا بالحصول على الدكتوراه بأي ثمن.. وكان هذا الثمن للأسف هو خيانة الوطن. لقد ذهب بقدميه الى السفارة الاسرائيلية في العاصمة الهولندية أمستردام.. وقدم نفسه الى مسئول الأمن بالسفارة وعرض عليه التجسس لحسابهم على بلاده.. وتعرض الى اختبارات صارمة استمرت أياما.. وتعرض لجهاز كشف الكذب.. ووضع تحت المراقبة حتى وجدوه صالحا يمكن الوثوق فيه والاطمئنان اليه.. بل أنهم اعتبروه جاسوسا مثاليا.. فهو شخصية على علاقة وثيقة بكل رموز السلطة والمجتمع في مصر.. ويصعب الشك فيه.. ثم أن كل ما كان يطلبه هو الحصول على الدكتوراه بأي ثمن.. وكان الطلب سهلا بالنسبة للمخابرات الاسرائيلية.. كما أنه كان مناسبا لها أيضا.. فالحصول على الدكتوراه يحتاج لعدة سنوات يمكن خلالها أن يقدم الى اسرائيل الكثير. اختار علي العطفي سفارة اسرائيل في أمستردام.. لأن زوجته هولندية وليست ايطالية كما قيل فيما بعد.. كان قد سافر الى العاصمة الهولندية في نهاية الخمسينات هو ومدرب الكرة المعروف عبد صالح الوحش.. وفي هذه الزيارة تعرفا على فتاتين هولنديتين.. وكان أن تزوج علي العطفي (آنا ماريا جوهانس).. وكان أن تزوج عبده صالح الوحش صديقتها.. ولأن زوجته هولندية فإن السفر الى أمستردام لا يثير الشك ولا الشبهات.. وهكذا استخدم جنسية زوجته غطاء لاتصالاته بالاسرائيليين.. لكن.. للإنصاف فإن الزوجة لم تكن تعرف ما يفعله زوجها حتى قبض عليه.. وسيبدو مثيرا للدهشة أن نقول أنها كانت تعشق تراب هذا الوطن أكثر منه.. وقد عاشت معه في القاهرة.. في الزمالك.. في شارع بهجت علي في عمارة يملكها.. وكان مسكنه عبارة عن شقتين أزال الجدار بينهما.. وفي مسكنه خصص مساحة كبيرة لحجرة مكتب غطى جدرانها بمكتبة ضخمة تتسع لأكثر من 10 آلاف كتاب. والمذهل أنه علق على مدخل العمارة عبارة (الله أكبر ).. كما أنه كان يصلي الجمعة بانتظام في المسجد الذي كان يقع على بعد خطوات من منزله.. وكان يذهب الى النادي (الأهلي) مبكرا ويظل فيه حتى يصلي صلاة الظهر ثم يغادره عائدا الى بيته.. وفي حجرة مكتبه كان يضع عدة مصاحف مختلفة الأحجام لم يجد حرجا في الاحتفاظ بها.. وعندما قبض عليه أصيبت زوجته بانهيار عصبي.. وسألت أقرب من وجدته أمامها: (هل صحيح أن زوجي جاسوس؟).. ثم دخلت حجرة مكتبه وقالت وحالة الهيستيريا لم تفارقها: (لو كان جاسوسا فما الذي كان يفعله بالمصحف؟.. هل كان يضحك علينا؟.. هل كان يسخر منا؟.. لقد عشنا معه نكتة . . لكنها نكتة سخيفة.. تدمي ولا تضحك). وقد حاول زوجها أن يهدئ من روعها ويهون عليها ما فوجئت به.. فقال لها وهو يحاول ضمها وتقبيلها: (إن ما يجري سوء فهم سرعان ما يزول).. لكنها أشاحت بوجهها.. ورفضت أن يقترب منها.. وضربته بكوعها في صدره.. وفيما بعد عندما سمح له بالاتصال بها تليفونيا لم ترد عليه.. لقد احتقرته.. ولفظته.. وندمت على السنوات التي عاشتها معه.. ولأنها أحبت مصر.. وعشقت ناسها.. فقد بقيت فيها.. ولأنها سيدة موهوبة.. فقد راحت تعمل معلمة في مدرسة من مدارس اللغات في الزمالك. وقد أصرت على البقاء في مصر لتربية ولديها الذي كان أكبرهما في ذلك الوقت طالبا في كلية الهندسة.. وكان الآخر تلميذا في الشهادة الاعدادية.. وقد نشر الابن الأكبر إعلانا في صحيفة يومية تبرأ فيه من والده.. واستنكر خيانته للجميع. وقد حاول الاسرائيليون الانتقام من الزوجة فنشروا أنها ايطالية وليست هولندية.. وأن اسمها لوليتا وليس آنا.. ونشروا أنها هي التي كانت تحضر له السم.. السم الذي قيل أنه دلك به ساقي جمال عبدالناصر لقتله.. وكان المقصود مما نشر هو الاشارة الى أنها أخطر من زوجها.. والإيحاء بأنها رابعة في تضليل المصريين.. وأن دموعها كانت دموع تماسيح.. وكان ذلك جزءا من كذبة أكبر. لم يكن من السهل على الاسرائيليين الوثوق فيه بسرعة ولا بسهولة.. فالجواسيس لا يطرقون الأبواب بأنفسهم كما فعل هو.. إن فترة اختبار العميل المتطوع بنفسه تطول ربما لسنوات وقد قال علي العطفي فيما بعد في التحقيقات أن فترة إثبات (حسن النية) تجاوزت العام ونصف العام.. وكادت أن تقترب من العامين.. أما درجة الدكتوراه المزيفة التي حصل عليه فوصلت الى ثلاثة أعوام.. فقد أصبح حاملا للقب (دكتور) في عام 1972 وهو العام الذي تولى فيه أيضا عمادة المعهد العالي للعلاج الطبيعي.. واستمر في منصبه حتى عام 1977 وكان قد أزاح من طريقه عالما في تخصصه كان منصب العميد من حقه هو الدكتور يحيي أمين البطاوي الذي أصبح عميدا فيما بعد مرتين.. إن إحساسه بالبطحة التي على رأسه وفي قلبه أيضا جعله يكره الكفاءات وأصحاب الشهادات العليا.. ولم يتوقف عن محاولات التخلص منهم أولا بأول.. أو لعل ذلك كان من صميم عمله كجاسوس.. فليس هناك أمنية لجهاز مخابرات معادي أكبر من تعيين الفاشلين وأنصاف المواهب في المواقع القيادية.. وإبعاد أهل الخبرة عنها. وخلال فترة حصوله على الدكتوراه (الملعونة) كان دائم السفر بحجة البحث والدراسة.. وخلال تلك الفترة أيضا نجح في توطيد علاقاته بشخصيات مهمة يصاب المرء بالصاعقة لو عرف أسماءها.. وكان موضع ثقة هذه الشخصيات.. وعندما قبض عليه لم يصدق الرئيس أنور السادات أن الخبر صحيح.. ولم يصدق غيره ممن كان مقدرات الوطن بين أيديهم.. فقد كان الجميع يتكلمون وهم تحت التدليك.. أما هو فقد كانت تعليمات الموساد اليه أن يسمع أكثر مما يتكلم.. وأن يشارك في الحوار بالقدر الذي يسمح بإثارة الجدل.. فالجدل يعني الاختلاف.. والاختلاف يعني أن تكشف كل الأطراف ما في أعماقها. ولا يمكن أن ننكر أن علي العطفي كان يتمتع بذكاء فطري حاد.. لكنه كان بخيلا الى درجة لايمكن تصورها كذلك.. فقد لاحظ الرياضيون الذي رافقوه في رحلات إلى الخارج أنه يحتفظ بمناديل الورق.. وأكياس الملح والفلفل.. وأقلام الحبر الجاف.. وغيرها من الأشياء البسيطة.. الرخيصة.. وامتد الحرص من المال الى التجسس.. كان سر نجاحه في مهمته القذرة أنه كان شديد الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.. كان يركب سيارته ويظل يلف بها حتى يطمئن الى أن لا أحد يراقبه.. وفي كل مرة كان يلقي برسائله الى الموساد في صندوق بريد يقع في منطقة مختلفة.. ولم تكن حقائبه تفتح.. فقد كان يدخل ويخرج من قاعة كبار الزوار.. لكن.. هذا الحرص تحول لأسباب متنوعة الى لا مبالاة.. وربما تحول الى استهتار.. وكان ذلك من حسن حظنا.. فقد تمكن الاسرائيليون من السيطرة الكاملة على قواه العقلية فبات مقتنعا بأنهم أكبر وأقوى من أن يكشف أو يسقط لهم جاسوس.. وأنهم قادرون على حمايته ورعايته والتقاطه من أي مكان.. حتى في غياهب السجون.. وكان هذا الاقتناع بداية السقوط. وقد ضاعف من إحساسه بالاسترخاء ما جرى من تقارب وصل الى ذروته بزيارة الرئيس السادات الى القدس في نوفمبر 1977 بين مصر واسرائيل.. ثم مع تقدم مفاوضات الصلح بين البلدين وصل الاسترخاء الى استهتار.. وهكذا.. لم يعد يقوم بجولة السيارة المعتادة قبل أن يلقي برسائله.. أصبح يلقيها في أقرب صندوق بريد الى بيته.. وكان يضع في حقائبه أثناء السفر ما قد يكشفه ويدينه كجاسوس.. وكان لابد أن يسقط.. هذه هي النهاية المتوقعة.. لكن.. كيف سقط؟.. وهل صحيح أنه قتل جمال عبدالناصر بالتدليك؟.. الاجابة تحتاج لمساحة لم تعد متاحة إلا في السبت المقبل.