بعد بضعة اسابيع من انفضاض قمة كامب ديفيد الثانية تكونت لدينا فكرة لا بأس بها حول ما جرى فيها من طروحات وحلول بديلة بشأن ما تسمى بقضايا الوضع النهائي الفلسطيني. لم تتأت هذه الفكرة نتيجة تخلي شركاء القمة عن منهج سرية التفاوض, وانما عن اجتهاد بجمع عدد كبير من التصريحات والتلميحات والتسريبات المحدودة, إلى بعضها البعض ثم محاولة تصور المشهد العام ازاء القضايا عبر هذا المدخل الالتفافي عرفنا انه فيما يتعلق بقضية القدس رفض الجانب الاسرائيلي تماما مبدأ انطباق القرار 242 على المدينة وراح يطرح صيغا كثيرة ليس فيها جميعا ماينال من توجهه لبسط السيادة عليها في الحال والاستقبال. تحدث الاسرائيليون عن تأجيل النظر في القضية ثم عن وصاية فلسطينية على بعض الاحياء العربية تشمل مكتبا للرئاسة الفلسطينية ثم عن تقسيم المدينة الى احياء وأزقة وحارات ودوائر لكل منها اشراف اداري ذاتي مع احتفاظ اسرائيل بالسيادة العليا, وذهبوا الى تقسيم الاشراف على الحرم القدسي وفقا لمعادلة غير مسبوقة بأن يتولى الفلسطينيون العرب والمسلمون ان ارادوا الحرم من الارض الى السماء, فيما يكون للاسرائيليين واليهود ما دون ذلك الى باطن الارض, وعرضوا ايضا ان يقيم الاسرائيليون كنيسا صغيرا في رحاب الحرم يصلي اليهود فيه تحت شعار التسامح الديني. واضح من هذه العروض اللاعقلانية فى جوهرها, التعلق الاسرائيلى بالقدس كقضية عبادة وسيادة عند اليهود وقضية عبادة وادارة فقط بالنسبة للآخرين, وكان الأمريكيون يصدقون على هذه العروض الخيالية, ويقدمون بعضها باسمهم. ولم يكن بالطبع امام الطرف الفلسطينى الا ابداء الدهشة والرفض. عرفنا كذلك ان الشركاء تداولوا حول مبدأ تبادلية الاراضى وان الجانب الفلسطينى وافق على هذا المبدأ فى نطاق ضيق, فمقابل ضم مالا يزيد عن 5.1 5 من أراضى الضفة وغزة لاسرائيل, يتم توسيع قطاع غزة الى الشرق بنحو 50 ألف دونم. وقد طالب الفلسطينيون بأراضيهم المحتلة عام 1967 نظيفة من المستوطنين الصهاينة, ولم يعد الاسرائيليون سوى بازالة نحو 60 مستوطنة, معظمها هيكلية صغيرة لا قيمة لها, فاذا مر هذا الاقتراح, ظل مايقرب من 150 ألف مستوطن فى الرحاب الفلسطينية تحت سيادة اسرائيل, بخلاف مستوطني القدس (نحو 180 ألفا آخرين). فى قضية الحدود, طالب الاسرائيليون باشراف على المعابر مع مصر والأردن, فرفض الجانب الفلسطينى ذلك تماما. وبدلا من المطلب الاسرائيلى بالتواجد المسلح فى أغوار الأردن, لفترة لا تقل عن 12 سنة, قبل الفلسطينيون بتواجد لقوات دولية فقط, ولم يتجاوبوا مع فكرة الوجود الاسرائيلى الاستطلاعى المتقدم فى بعض المناطق الجبلية بالضفة. وفيما يخص مستقبل اللاجئين, تقيد الاسرائيليون بسياستهم التقليدية فى عدم الاعتراف بالمسئولية عن اللجوء الفلسطينى منذ 1948ورفض مبدأ العودة. وأقصى ما أبدوه هو الموافقة على لم شمل العائلات بشكل محدود جدا وتحت شروط صارمة, تجعل الأمر قاصرا على امكانية استقبال (لا عودة) مالا يزيد عن 70 ألف لاجئ من منطلقات انسانية (أية انسانية هذه؟) داخل اسرائيل, على ان تكون الأولوية للاجئي لبنان. جماع هذه الصورة يقول بأن المفاوض الاسرائيلى تمرس خلف لاءاته الشهيرة. لكنه جملها برتوش لا تخفي المعالم. وبات من المؤكد ان الشريك الأمريكى تبنى بدوره هذه اللاءات وعززها بتهديدات صريحة تارة, واغراءات للجانب الفلسطينى تارة أخرى, ولم يستثن بعض العرب من هذه وتلك. وفى معرض الاغراءات تطايرت الوعود الأمريكية بمليارات الدولارات لاسيما من أجل تسكين قضية اللاجئين بعيدا عن (خطر) العودة الفلسطينية. هذا بعض ماجرى فى كامب ديفيد الثانية, وأصبح من شبه المؤكد الآن وجود استعدادات لعقد قمة رديفة أخرى للغرض ذاته, ولكن ما الذى تغير واستجد خلال الأسابيع القليلة الماضية, حتى نفترض امكانية نجاح القمة المزمعة؟. هل تغيرت مواقف المتفاوضين؟ وهل طرأت عوارض على بيئة التفاوض, فلسطينيا وعربيا واسرائيليا ودوليا؟ وهل تحسن الوضع التفاوضى الفلسطينى عموما؟ المرجح ان تحولات فارقة على الصعد المذكورة لم تحدث.. وماحدث منها وبخاصة فى المحيط العربى لا يكفى للإستبشار باستمرار الصلابة الفلسطينية النسبية التى أبرزها المفاوض الفلسطينى فى القمة الأخيرة. لم تعقد قمة عربية موسعة ولا مصغرة, وقد استعاض الجانب الفلسطينى عنها بالقمم الثنائية. وليس ثمة مؤشرات على تلقائية التجاوب الدولى مع المطلب الفلسطينى المشروع بتجسيد اعلان الدولة ومناشدة المجتمع الدولى للاعتراف الفاعل بهذه الخطوة, الاعتراف الذى ينشأ عنه دعم معنوى ومادى يساعد على تحرير الدولة الفلسطينية المزمعة. وما زالت الأمم المتحدة مستبعدة من اطار التفاوض.. وهناك ضغوط أمريكية ظاهرة وباطنة تتربص بأية قوة تبدي تعاطفا صريحا مع المطلب الفلسطينى. وليس بعيدا عن الحقيقة مايقال حول الدور الأمريكى بشأن اعاقة أية محاولة للتعبير عن موقف جماعى عربى أو اسلامى يظاهر الموقف الفلسطينى فى قضية القدس. مؤدى هذا المناخ العام من الناحية النظرية ان تكون القمة المفترضة مجالا لممارسة ضغوط أقوى, أمريكية اسرائيلية, ضد الطرف الفلسطينى. واذا أخذنا بعين الاعتبار عامل الوقت الذى يطالب المفاوضين بسرعة التحرك, بسبب الانتخابات الأمريكية الوشيكة وموعد الثالث عشر من سبتمبر فلسطينيا,فضلا عن تقلصات الداخل الاسرائيلى غير المضمون لاستقرار عهد باراك, فان المخاوف تزداد بخصوص الموقف الفلسطينى. ولا ندرى حقا, ما اذا كانت الفترة الشحيحة المتبقية على كامب ديفيد الثالثة, كافية لحدوث تحولات ايجابية لصالح هذا الموقف. كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة