ركب البحر مثل غيره ورحل إلى هناك, ما أكثر هؤلاء الذين رحلوا, وشملت ـ هناك ـ بقاعاً شتى, قريبة وبعيدة, فهكذا كانت الحياة هنا طاردة, قاسية فيها الجوع والفقر. من يريد أن يعيش فيها عليه أن يصاحب المجهول عندها أو أن يهرب منها, يبحث عن مفاتيح الأمان بعيداً عنها, لتسمح له بالعودة والاستقرار بها. قد تطول رحلة ذلك الغائب, قد لا يعود, يعلم ان معادلة الحياة صعبة في بلده, عليه أن يحمل معه الصبر, لا شيء لم يقوَ أن يبتعد كثيراً عن وطنه, اختار أن تكون غربته في بقعة قريبة. إن قلبه, قلب الشاعر, مفرط في الوله, إذا زاد خفقانه فإنه يملك أن يرميه, سيصل إلى أرضه سريعا, كذلك رائحة الوطن تكاد تقترب منه عندما يكون في أرض تجاور حدود بلاده. توقف المركب في محطته الجديدة, نزل سالم مع أصدقائه, وأصبح كل الذين على ظهر المحمل أسرة واحدة من لحظة المغادرة. تفرقوا في البلد الجديد, بعضهم رحل إلى الدمام, وبعضهم آثر جدة, وآخرون اختاروا الظهران. إن (سالم الجمري) يتميز عن بقية ربعه بموهبة الشعر, لكن هذه لا قيمة لها في عالم الأعمال والبحث عن وظيفة, ولا أحد يترك وطنه ليشتغل شاعرا في الغربة في ذلك الزمان. إنه يجيد معها حرفية الكتابة, وهذه الصنعة هي التي ميزته, أصبح كاتبا لرسائل العامة من الناس. وتعلم مهنة أخرى هي التصوير الفوتوغرافي. استطاع أن يعيش في البلد الذي هاجر إليه, وبدأت أعماله تكبر وتتوسع. عندما طالت الأيام, أخذ قلب الشاعر يمارس الاشتياق بشدة, مهموما بوجع الفراق وطول الانتظار. إنه ملول هذا القلب, يحمل صاحبه مزيدا من التعب, ويثير فيه خلجات العشق نحو أرضه وأهله. الآخرون يمارسون الصبر والتسلي, أما سالم فلا, معذور انه يحمل قلب شاعر. فكر أن يداوي هذا القلب. المرأة هي الترياق الذي يمكنه أن يوقف نزيف آهاته وحنينه, لكن المرأة التي تسكن قلبه تركها هناك في وطنه. فحتى هذه مربوطة بالوطن. إنها قريبته, ابنة عمه أو بنت خاله, لكنها, وهذه مفارقة, لا تعلم بهذا الحب, إنه حب من طرف واحد. قرر أن يعود, ويطلبها زوجة, لكنها قد ترفضه. ستكون مصيبة كبرى, ستحدث ثورة, قلب الشاعر فيه, لن يسكت. قد يزعل, قد يغضب, ستتعدى صورة الهزيمة التي حلت به حدود المرأة التي رفضته, قد يضيق به المكان, سيشعره قلبه أن أهله, ووطنه هم الذين رفضوه. لكنها لو اعتذرت عن قبوله وهو بعيد عنها, فإن خسارته سيداويها أو يخفف منها البعد والغربة. جاء موعد رحيل حامل الخطوط, لف على الجماعة كلهم, وأخذ ما أرادوا أن يبعثوه لأهاليهم: هدايا, فلوس, رسائل. مر على الجمري, أبلغه انه عائد. أعطاه الشاعر مظروفا مغلقا, ووصف له عنوان المرسل إليها: اذهب إلى الفريج, اسأل عن بيت فلان, إذا وصلت, اطلب فلانة, سلمها المظروف باليد, لا تنس باليد. وصل الرسول, وزع الأمانات على أهلها, وتذكر وصية الجمري: سلمه باليد لفلانة. ونفذ الطلب. سألته المرأة: من صاحب المخطوط؟ قال لها انه الجمري. فتحت الرسالة, تذكرت انها لا تعرف القراءة, طلبت من الرسول أن يقرأ المكتوب. أجابها: انها مكتوبة بخط الشاعر, وانها قصيدة, وقرأ أبيات الشعر, دون أن يعلم ما تحمله الكلمات من معنى ومطلب وأوصاف. أما هي ففهمت. عندما انتهى من القراءة, أخذت الرسالة وضمتها. سألته عن موعد عودته, طلبت منه أن يمر عليها قبل رحيله. رجع الرسول من رحلته محملا بالرسائل والتذكارات. وكان الجمري على جمر الانتظار والترقب. عندما أقبل عليه حامل الخطوط, ألح عليه بالأسئلة, يبحث عن التفاصيل: متى وصلت إلى هناك, في أي وقت, هل سلمت الخط, هل سلمته باليد, هل قرأت فلانة ما فيه, هل وافقت أو انها قالت لا..؟! لم يجد الشاعر اجابة شافية لفضوله, فالرسول لم يحمله الطرف الآخر أية اجابة شفهية أو حتى مكتوبة. قال للجمري: تهديك السلام, وهذه (البقشة) , لا شيء آخر. وأمسك سالم يفتح اللفة بسرعة, يبحث عن الرد. لم يكن في البقشة سوى (كندورة) و(غترة) وهدايا بسيطة من خيرات البلاد. فهم الرد من رمزية الهدية, لم ينم ليلتها من الفرح, وطار في الصباح مع أول مركب نشر أشرعته مغادرا نحو الوطن. آن لقلب الشاعر أن يهدأ ويسعد, ها هو يعود لوطنه وأهله, ويحقق أغلى حلم راوده, أن يشاهد المرأة التي تعلق بها, وأن تكون زوجته. كانت الدنيا ضيقة عند مساحة السعادة التي سكنت دواخله في ليالي العرس الأولى. أكمل شهرا أو يزيد, إلا انه شعر بثقل المسئولية مع دخول امرأة شريكة في حياته, انه مطالب أن يوفر لها الاستقرار والحياة الكريمة. تذكر أعماله ومصالحه التي توقفت هناك, حمل نفسه وهي كارهة للفراق, ودع زوجته, أعطاها وأعطى قلبه الأمل في انه سيعود سريعا للزيارة. كان الشاعر كلما وجد فسحة, حزم أمتعته وعاد إلى أهله وبيته, يشعر مع مرور الأيام وهو في الغربة أو عند حالات الوداع انه قلق تسيطر عليه الكآبة, يمني نفسه أن تنتهي رحلة التعب هذه قريبا ويعود للوطن. هكذا وعد زوجته أن يحقق الأمنية ويعود لها, يستقر عندها, لا يسافر بعدها. عاد إلى غربته, وعاد يبحث عن حامل الخطوط, حمله كعادته بالهدايا وانتظر عودته. حاول الرسول أن يبطىء سيره في المرة الأخيرة, كان يفكر ماذا سيقول للجمري, ان مهمته هي حمل الرسائل, وفي هذه الرحلة فان يديه خاليتان لا تحملان أي تذكار أو كلمات للشاعر. مجرد خبر في جملة قصيرة, حملوه إياه, وتركوا له حرية التصرف في كيفية ابلاغه, لكنهم نصحوه أن يكون حذرا, وأن يحاول اختيار الوقت والفرصة المناسبة, أمروه أن يعجل في التوصيل. وجد ان الظروف كلها متشابهة, فالجمري يبحث, يترقب ويلح في السؤال عنه. التقى حامل الخطوط بالشاعر, خاف من سيل أسئلته, قرر أن يبادر في الاجابة, ناداه: يا الجمري.. أحسن الله عزاك! لم يترك له فرصة ليستفهم عن الشخص المنعي, اكمل: زوجتك انتقلت إلى ربها. وقع الخبر المختصر, صدمة أصابت قلب الجمري, تذكر أجمل الليالي, تذكر وعود العودة, تذكر لوعة الغربة, تذكر وحشة الفراق, الفراق الأبدي: لم يتكلم. قلب الشاعر هو الذي نطق: لعى الجمري على فرقا ضنينه كما تلعي زليخة عالغلام ثلاث سنين ما وقف ونينه ولا زاد البكا غير الهيام حبيب الروح يلا خلان وينه سقاه البين كاسات الحمام وفرق يا ملا بيني وبينه وخلاني كما طفل هيام يلوموني ونفسي مستهينه حزين القلب زايد بي غرامِ رائعة حزينة خلد فيها المرأة التي أحبها: على من وسدوا راسه يمينه وانا ما عاد ودعته سلامِ حبيبي مثل عين الريم عينه وحبيبي فوق خدينه وشام وحبيبي من حسن لونه وزينه شعاع الخد برق في ظلام وانا لجله فوادي حان حينه وعلى قلبي هوى غيره حرام أراد أن يسمع العالم قدر الوجع الذي أصابه في أغلى وأقرب الناس إليه, أن يصل حزنه إلى وطنه وناسه, فريجه وأصدقائه اختار وسيلة أكبر من صدى القصيدة المرسوم على الورق. انه العود, فاللحن يعبر بسرعة إلى القلوب. تذكر انه تعرف على فنان له شهرته في المنطقة, هو المطرب حارب حسن, أرسل له القصيدة, كان الفنان وقتها مقيما في البحرين, تفاعل معها, لحنها وسجلها سريعا. شاعت وانتشرت الأغنية على امتداد بلدان الخليج, وكانت أول قصيدة يغنيها الفنان من كلمات الجمري. واستطاع فيها الشاعر أن يعبر وقتها عن بعض مشاعر الحب والحزن والوفاء للإنسانة التي سكنت قلبه وفارقته وهو بعيد عنها.