كنت في صيف هذا العام بزيارة الى ايطاليا, وقررت مع احد الاصدقاء السفر بالسيارة من ايطاليا باتجاه الشمال الاوروبي. وعندما وصلنا الى زيوريخ السويسرية فتحت النافذة قليلا لاستنشاق بعض الهواء النقي, وخلال هذه الاثناء والسيارة متوقفة دخلت ذبابة من هذه المدينة الى السيارة وهبطت فوق المقود. لقد حاولت مطاردتها وفتحت جميع النوافذ, ثم اغلقت هذه النوافذ ظنا مني انها رحلت عنا. لكنها في الواقع ظلت بداخل السيارة وتأكدت من للواجهة الزجاجية اليسرى, وكأنها تريد رؤية فرنسا من كافة الجهات والزوايا. حاولت مرة اخرى فتح النافذة عندما حطت برحالها بالقرب من كتفي الايسر, بيد انها لم تفعل وتعمدت التحليق عاليا باتجاه الخلف. بعد ذلك وصلنا الى لوكسمبورج وبدأت فعلا بمضايقتي والطيران حول اذني وبالقرب منها وفي ذلك اشارة واضحة لاعلانها الحرب علينا. فأوقفت السيارة وفتحت كافة النوافذ املا مني بأن يجرفها معه تيار الهواء, هذه المحاولة باءت بالفشل, لأنه اتضح لي وبعد نصف ساعة من السفر ان هذه الذبابة مازالت داخل السيارة وتجلس في المقدمة وتفرك قدميها تحت الجناحين فرحا بالبقاء. لوكسمبورج ليست كبيرة وقد شارفناعلى الوصول الى بلجيكا حيث اختفت تلك الذبابة قليلا ثم ظهرت عند الحدود مع هولندا وجلست مرة اخرى بالقرب من كتفي الايسر. فنظرت اليها بامعان فوجدت ان جناحها الايمن ليس مستقيما كما هو مألوف فظننت انها قد تكون اصيبت بمرض الروماتيزم. بعد ذلك اهملتها تماما ونزلنا في هولندا وبقينا فيها عدة ايام. وعندما اردنا العودة باتجاه الجنوب الاوروبي عبر المانيا, سمعت صوت طيرانها من جديد يوزوز قرب اذني داخل السيارة بطريقة لا تعكس النشاط والحيوية وانما بطريقة بطيئة الوزوزة وكأن الشيخوخة دبت في عروقها. فتحت النافذة اليسرى من جديد انطلاقا من الرأفة بالحيوان واملا بابتعادها عنا. غير انها رفضت هذه المبادرة الطيبة وقررت على عجل التحليق فوق رأسي والهبوط فوق اذني اليمنى وكأنها ارادت الهمس في اذني: لا اريد ان ادفن في الغربة. وصلنا الى سويسرا وعبرنا مدينة زيوريخ (مكان الاقامة الدائم للذبابة), فتوقفت قليلا عند نهاية المدينة لاطردها من السيارة مهما بلغ الثمن. والمفاجأة انني ما ان فتحت باب السيارة قليلا جدا حتى اندفعت الذبابة بكل ما لديها من قوة طيران وغادرتنا الى ما لا نهاية. عندها ايقنت مالم اعرفه في السابق وهو ان الذباب وطني ولديه شعور وطني. اذ ان هذه الذبابة رأت خمس دول ورفضت البقاء في احداها واصرت على العودة الى زيوريخ مسقط رأسها ومكان دفنها. محمد خليفة