في اعقاب فشل قمة كامب ديفيد الثانية عند اواخر يوليو زار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات 19 دولة في بحر 21 يوما ليشرح لرؤساء وقادة تلك الدول الموقف الفلسطيني في القمة فيما يتعلق باعلان قيام دولة فلسطينية مستقلة. لكن نصيب هذه الجولة الدبلوماسية المكثفة والواسعة لم يكن بأكثر من نصيب القمة. فما السبب؟ للدبلوماسية تعاريف كثيرة ومتنوعة. لكن اكثرها تداولا هو: ادارة العلاقات بين دولة ودولة عن طريق وسائل الاساسي. ففلسطين ـ او ان شئت السلطة الوطنية الفلسطينية ـ ليست دولة بالمعنى الحقيقي الواقعي بما يؤهلها لخوض غمار معارك دبلوماسية فاصلة بأي حد ادنى لاحتمالات النجاح والانتصار. فالسلطة الفلسطينية تقوم على ارض ليس بوسعها ان تمارس عليها وعلى مواردها الاقتصادية الرئيسية سيادة كاملة, بالاضافة الى انها لا تملك سيطرة امنية كاملة على الارض حيث انها ليس لها جيش نظامي. ان العمل الدبلوماسي لا ينطلق من فراغ لأنه اداة لا يمكن استخدامها بفعالية الا اذا كانت تعكس اسباب القوة بتعددها الاقتصادي والعسكري. ومشكلة القيادة الفلسطينية هي انها تريد ان تحقق اختراقات دبلوماسية في ساحة العلاقات الدولية دون ان يكون لآلتها الدبلوماسية سند من قوة اقتصادية او عسكرية. ومن هنا كان فشل الجولة الدبلوماسية المكثفة التي راهن عليها الرئيس عرفات. لقد كان هدف الجولة الرئيسي هو ان يتمكن عرفات من استقطاب تأييد دولي حاسم لخطته لاعلان قيام دولة مستقلة على الارض الفلسطينية المحتلة في موعد قطعه على نفسه سلفا. وهو 13 سبتمبر. ولكن جميع قادة الدول التي زارها قدموا له نصيحة تتكون من عنصرين: اولا, ارجاء الموعد المقترح الى موعد آخر بلا اجل محدد.. وثانيا, ألا يقدم عرفات على اعلان الدولة في كل الاحوال الا وفق تشاور مسبق مع اسرائيل ينتهي الى اتفاق ثنائي. وليس واردا في هذا السياق تقرير ما اذا كانت مواقف الدول التي زارها عرفات عادلة او جائرة. ما هو وارد وثابت هو ان هذه المواقف تنسجم مع قاعدة التعامل الدبلوماسي المتعارف عليها عالميا. فالدول عامة ترسم مواقفها الخارجية على اساس مبدأ المصالح. فأية مصلحة يمكن ان تجدها دولة اوروبية او اسيوية في تعاملها مع (حكومة) فلسطينية لا تتمتع بسيادة نافذة على مواردها الاقتصادية؟ على هذا النحو فإن كل دولة زارها عرفات, وخاصة الدول غير العربية وغير الاسلامية, وازنت على اساس المصالح الحيوية وحسابات الربح والخسارة, بين ما يمكن ان تكسب من ارضاء الفلسطينيين وما يمكن ان تخسر في المقابل من اغضاب اسرائيل, وبالتالي اغضاب الولايات المتحدة. من هذا يتبين لنا جوهر المأزق الفريد الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية.. فلكي تحصل هذه القيادة على اعتراف عالمي بالحق الفلسطيني فإنه يتعين عليها اولا ان تكون لها دولة ذات سيادة كاملة تستطيع ان تقتحم الساحة الدولية وهي لها اسنان اقتصادية وعسكرية. هنا تتجلى المأساة الحقيقية للقضية الفلسطينية في صورتها الراهنة. فهي نبذت (الثورة) قبل ان تتمكن من تحقيق (الدولة) وليس في التاريخ نموذج واحد لحركة تحرير استطاعت ان تبلغ غايتها التحريرية اعتمادا على وسائل الدبلوماسية وحدها.