عاد البترول ليحتل من جديد مركز المواجهة بين الولايات المتحدة وأوروبا من ناحية والعالم الثالث متمثلا في (بعض) الدول المصدرة للنفط وليست جميعها من ناحية أخرى, والدليل على ذلك تحرك الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لزيارة دولة نفطية ثرية بالنفط فقيرة إلى المال مثل نيجيريا, حيث ترزح تحت ثقل دين يصل إلى أربعين مليار دولار, وجاءت الزيارة في توقيت محكم ومدروس لأنها جاءت بعد جولة الرئيس الفنزويلي (هوجو شافيز) الأمريكية. من ناحية أخرى, زيارة كلينتون لنيجيريا ليست بريئة تماما, ولها أهداف أخرى اضافة الى مواجهة تحرك الرئيس الفنزويلي, منها تثبيت الأقدام في القارة السوداء بعد أن تخلت الكثير من القوى حتى الغربية منها عن مكانها, وبشكل خاص بعد رحيل (موبوتو) وتولي (كابيلا) الرئاسة في زائير التي عادت إلى مسماها القديم (الكونغو) على حصان أمريكي, وبدعم من مخابراتها وعملائها في القارة وما يحيط بها. صراع امريكي لذلك تطرح زيارة الرئيس الأمريكي لنيجيريا تساؤلات كثيرة حول الجديد في الموقف العالمي بعد سنوات من الحديث عن العولمة الاقتصادية وقدرة القوة العظمى الوحيدة على الهيمنة في غياب منافس حقيقي يقيم توازنا فعليا في العلاقات بين الأقوياء والضعفاء. أيضا موقفها من الرئيس الفنزويلي الذي يبدو انه بدأ يمثل بداية (صداع جديد) للإدارة الأمريكية في قارة أمريكا اللاتينية, وان كان الصداع يمتد هذه المرة إلى خارج الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية, لان فنزويلا جزء من منظومة النفط من إنتاج وتصدير وتسعير, وهي منظومة مؤثرة بالتالي على مناطق أخرى يمكن أن تتسبب في إحداث شرخ خطر في جدار مصالح الشركات الأمريكية التي كانت تعمل في السنوات الأخيرة في هدوء تحت مظلة العولمة الاقتصادية المستحدثة, وإذا بالرئيس الفنزويلي يقلب الموازين ويعيد إلى الأذهان زمن الخمسينيات والستينيات في مرحلة المواجهة الباردة بين العالم المتقدم والعالم المتخلف من خلال الصراع على المواد الخام كسلاح أساسي لا يملك العالم المتخلف غيره. الرئيس الفنزويلي كممثل لدولة مصدرة للنفط أو لها تأثير على جريان هذا السائل الحيوي له تقديره, ربما لا يكون له أهمية كبرى نظرا لوجود دول أخرى في منظمة الدول المصدرة للنفط لا ترى ما يراه الرئيس الفنزويلي لتحقيق مصالح شعوب تلك الدول, خاصة الجزء الذي يئن تحت وطأة الديون على الرغم من الثراء البترولي الظاهر كفنزويلا نفسها, ومحاولاته استغلال الوضع الحالي لفرض نظام لا يسمح بهبوط الأسعار إلى الحد الذي حدث خلال الفترة الماضية حتى لا تتعرض الدول المصدرة إلى أزمات اقتصادية جديدة بسبب اسعار النفط. لكن يضاف إلى هذا تاريخه السابق الذي التصق به منذ محاولته الانقلابية التي قادها عام 1992 ضد الرئيس الأسبق كارلوس اندريس بيريث, والتي كان فشلها وإيداعه السجن سببا في تغيير تكتيكه للوصول إلى السلطة وقيادة حركة تغييرية لتصحيح الأوضاع الفاسدة التي لعبت الشركات الأمريكية الدور الأكبر في إفسادها. الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز على الرغم من فشله في انقلابه العسكري, وتراجعه عن استخدام القوة لقلب النظام إلا انه حصل على شعبية حولته في بعض الأنظار, خاصة الطبقة الفقيرة المطحونة التي تمثل اكثر من 80 في المائة في فنزويلا, إلى بطل جديد على شاكلة أبطال التحرير السابقين على عصر العولمة, خاصة انه أعلن منذ البداية انه يسير على طريق (سيمون بوليفار) محرر أمريكا اللاتينية من الأسبان والإنجليز والفرنسيين. ثورية جديدة ازداد التخوف الأمريكي من وجود هوجو شافيز على كرسي الرئاسة الفنزويلي بعد إعلان تعاطفه الصريح وزياراته المتكررة لكوبا, وشعاراته العديدة التي تعيد إلى الأذهان تاريخا كان يبدو انه قد انتهى, ويطالب بإعادة الثروة إلى مستحقيها في البلاد, لأن مثل تلك الشعارات ترى فيها الولايات المتحدة عودة إلى حروب التحرير في أمريكا اللاتينية, تلك الحروب التي أرهقتها كما أرهقت العديد من الدول في تلك القارة. وان كان الرد الأمريكي على الرئيس الفنزويلي جاء حتى الآن بشكل غير مباشر, فان لهذا أسبابه التكتيكية كما يرى بعض المراقبين, فقد كانت هناك محاولات أولى عن طريق الضغط الاقتصادي على فنزويلا لتتراجع عن مخططاتها من خلال سحب الاستثمارات في ظل تراجع مستمر لأسعار البترول اثر كثيرا على الاقتصادي الفنزويلي الذي زادت أعباؤه بشكل اصبح معه تنفيذ أي برنامج اجتماعي شبه مستحيل. بالمقابل عرضت الولايات المتحدة تقديم معوناتها المعتادة والمعروفة على شكل دقيق وارز لسد الأفواه التي تدعم هوجو شافيز, أو تقف من وراء شعاراته الثورية التي لا ترى في أمريكا خيرا. وكان هذا واضحا خلال الانتخابات التي دعا إليها هوجو شافيز بعد إقرار دستور فنزويلا الجديد الذي استطاع أن يفرض من خلاله نظاما سياسيا حكم على الأحزاب التقليدية القديمة بالتواري عن الساحة السياسية في البلاد بعد اكثر من أربعين عاما من الفساد. وبدا واضحا في تلك الانتخابات التي جرت في نهايات شهر يوليو الماضي أن الولايات المتحدة قررت دخول المعركة مع هوجو شافيز من خلال زميله العسكري الانقلابي السابق أيضا, و منافسه في هذه الانتخابات (ارياس كارديناس) , فدفعت الشركات الأجنبية من جديد إلى سحب استثماراتها, وإعلانها صراحة أنها لن تعود إلا إذا فاز المنافس لهوجو شافيز, مما يعني إعلانا صريحا بدعم منافسه في مواجهة (ثورية بوليفارية) يمكن أن تجر على البلاد ويلات منافسة جديدة مع الولايات المتحدة, التي لن ترضى بأقل من تسليم البترول الفنزويلي لها واستخدام فنزويلا كأداة لتحقيق مصالحها داخل منظمة الأوبك. لكن الرياح جاءت بما لا تشتهيه سفن الولايات المتحدة, فقد فاز الرئيس هوجو شافيز بالرئاسة من جديد, وعاد إلى الحكم مدعوما بأغلبية كبيرة, إضافة إلى زيادة في أسعار النفط تجعله في موقف قوي يمكنه من تنفيذ وعوده التي وعد بها الناخبين. بل حصل هوجو شافيز على شهادة أمريكية تقوي من مو قفه السياسي دوليا من خلال مشاركة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر في رقابة تلك الانتخابات وشهادته بعدم وجود ما يشوبها, وتم بذلك قطع الطريق على أي تحركات أمريكية رسمية يمكنها أن تستخدم اسم الديمقراطية في تشويه هذا (الثوري الجديد) في أمريكا اللاتينية. معركة الاوبك من هذا المنطلق قرر هوجو شافيز أن يبدأ دوره السياسي الدولي في التحرك خارج فنزويلا والقارة الأمريكية اللاتينية مستغلا وجود بلاده في موقف جيد داخل منظمة الدول المصدرة للنفط, وبدأ خطواته نحو فتح خطوط جديدة خارج نطاق سياج الولايات المتحدة الذي كان مضروبا حول فنزويلا في عهد الرؤساء السابقين. وكانت زيارته لليبيا وقعها غير الحسن لدى الإدارة الأمريكية التي لا تزال ترى في العقيد القذافي عدوا لدودا, لتأتي بعد ذلك زيارته للعراق المسمار الذي يشرخ الجدار الأمريكي في سياستها تجاه منطقة ملغومة تماما مثل منطقة الشرق الأوسط بكل ما تمثله لدى الإدارة الأمريكية من محظورات. الرد الأمريكي على تحركات هوجو شافيز لم يتأخر كثيرا, فلا تزال الشركات الأمريكية تعلن تخوفها من الاستثمار في فنزويلا, ولولا إغراء المكاسب التي تحققها من استغلالها للثروات الطبيعية هناك ما تبقى منها من يستثمر شيئا في فنزويلا, وربما كان هذا هو وعي هوجو شافيز أيضا. ثم جاء التحرك الرسمي الأمريكي باتجاه الدول النفطية غير العربية في محاولة لإحداث شرخ في الموقف داخل الاوبك حتى لا تستجيب تلك الدول إلى إغراء القوة الحالي, المتمثل في نفط مرتفع السعر في مواجهة الدول المستهلكة التي تحاول تحويل دفة الأمور إلى ما كان عليه الوضع عندما تدنى سعر النفط إلى اقل من عشرة دولارات للبرميل الواحد. دعوة الرئيس الفنزويلي لتوحيد صفوف الدول المصدرة للنفط في مواجهة الدول المستهلكة والتوصل إلى نظام يحافظ على معادلة صعبة تحقق أسعارا شبه ثابتة في مواجهة مطالب أمريكية وغربية بإطلاق حرية الإنتاج والتصدير لا تزال مطروحة على الجميع, ويرى المراقبون أن التحركات الأمريكية لن تتوقف حتى موعد لقاء (كاراكاس) القادم. لذلك يحذرون من مخاطر عدم الاتفاق بين صفوف الدول المصدرة, ويرون أن أية استجابة للمطالب الأمريكية دون اتفاق جماعي بين المنتجين يشكل خطرا حقيقيا على دخل تلك الدول في المستقبل, ويرون أيضا أن الرئيس الفنزويلي لا يبحث عن مواجهة مع الولايات المتحدة, بل الولايات المتحدة هي التي تبحث عن أسباب للمواجهة معه, لأنه ببساطة يعيق تحقيق مصالحها ومصالح الشركات الأمريكية, و معركة النفط المقبلة لن تكون إلا إذا أرادتها الولايات المتحدة. كاتب مصري مقيم في أسبانيا