الاعلام والاتصال مفهومان متقاربان ومتداخلان ويصعب الفصل بينهما ولكن الثاني اشمل وأوسع مدى من الاول, لأنه يتضمن عناصر مثل الانترنت والحواسيب والاقمار الصناعية واجهزة الهاتف والبريد وغيرها, بالاضافة الى العناصر التي تتبع الاعلام مثل الصحافة والاذاعة والتلفاز. ويمكن تعريف الاتصال, كما ورد في كتاب (اصوات عديدة وعالم واحد) , بأنه: (يمثل النشاط الفردي او الجماعي اللفظية والحركية بما في ذلك الموسيقى والرقص والطبل والنار والرسوم المختلفة الهادفة الى نقل المعاني) . وعندما ظهرت اللغات المنطوقة, سجل الاتصال قفزة نوعية وكمية عظيمة, فاتسع مداه واكتسب دقة لم يسبق لها مثيل. اما الاعلام, فيعرفه الباحث الدكتور عباس مبروك في كتابه (الاعلام العلمي والجمهور) , بأنه (اداة نقل وتوصيل المعلومات للآخرين ومحاولة التأثير في آرائهم وافكارهم, وبالاضافة الى دوره في الترفيه والتسلية والمساعدة على تمضية اوقات الفراغ. وهو يعتمد في جوهره على الاتصال والتواصل والتوصيل) . ويكتسب الاعلام اهمية بالغة في عصرنا الحديث, نظرا لتأثيره البالغ في الرأي العام ولدوره الفعال في التثقيف والتوجيه وتزويد المتلقين بأحدث التطورات والمستجدات. ولكل من وسائل الاعلام المتمثلة في الصحافة والاذاعة والتلفاز, خصائصها وعوائقها ومزاياها. وتكمن مزية الصحافة في انها تسمح للقارىء باختيار المادة التي يستسيغها وتتناغم مع اهتماماته, كما تتيح له فرص الرجوع اليها متى شاء. ولكنها من جهة اخرى, لا تفيد الا القادرين على القراءة. اما الاميون الذين يشكلون اكثر من 50% من نسبة السكان في العالم الثالث, فإنهم عاجزون عن الافادة منها. كما ان الصحف والمجلات لا تصل الا لماما الى المناطق البعيدة المنعزلة التي تعاني من وعورة المسالك وصعوبة المواصلات. اما الاذاعة والتلفاز فإنهما يفيدان الاميين والمتعلمين على حد سواء, فضلا عن قدرتهما على الوصول الى ابعد المناطق. الا ان الكلمتين, المسموعة والمرئية, خلافا للكلمة المقروءة, سرعان ما تحتفيان وتوليان الأدبار, دون ان يتمكن السامع او المشاهد من الرجوع اليهما, عندما يشعر بالحاجة الى ذلك, اللهم الا اذا استعان بجهازي تسجيل وفيديو, لهذا الغرض. وهذا امر نادر, وصعب جدا من الوجهة العملية. ومن الناحية التكنولوجية اذا كانت الصحافة تعاني من مشكلات طباعية عديدة, فإن الاذاعة والتلفاز يواجهان مشكلة الانتقال غير الملائم للثقافة والتقانة ونماذج البرامج الاذاعية والتلفازية من الدول المتطورة الى دول العالم الثالث. فهذا الانتقال كثيرا ما يتم بطريقة اعتباطية دون الاهتمام بمستلزمات البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في كل بلد نام على حدة, مما يجعل هذا البلد عاجزا عن ربط النشاط الاذاعي بعمليات التنمية. ومن الامثلة على ذلك ما يتعلق بالبرامج التعليمية في الراديو والتلفاز. فقد جرى نقل نماذج هذه البرامج من العالم الغربي الى العالم النامي دون اي تعديل, مع ان الظروف تختلف في كل منهما عن الآخر. وكانت النتيجة ما آلت اليه البرامج التعليمية من عدم القدرة على تحقيق كامل اهدافها. وهذا يعني ضرورة مراعاة الاوضاع السائدة في العالم الثالث وتعديل الثقافة الاذاعية والتلفازية المستوردة, بشكل يناسب هذه الاوضاع ويلبي حاجاتها. ويعالج جورج ودل في كتابه: (broad casting in the third worls) اي (البث الاذاعي والتلفازي في العالم الثالث) , هذه المسائل بكل دقة وتفصيل, مبينا ان هناك ثلاثة انواع من التكنولوجيا الاذاعية, وهي تكنولوجيات الانتاج والتوزيع والاستقبال. ويشير هذا الخبير الدولي الى ان جميع الدول النامية تقريبا تواجه مشكلات تتعلق بالبث الاذاعي. وتعد تدخلات الطبقة السفلى للغلاف الجوي, من المعوقات التي تجعل تغطية جميع المناطق الجغرافية اذاعيا وتلفازيا في هذه الدول في غاية الصعوبة. ومن جهة ثانية, فإن معظم معدات الارسال والاستقبال وباقي الاجهزة التقنية, تنم صناعتها في الدول المتطورة وتستوردها الدول النامية بأثمان غالية. كما ان الثانية تبقى في حالة اعتماد دائم على الاولى, لحاجتها الى قطع الغيار والى تدريب المختصين, وكذلك الى استيراد بعض محتويات البرامج الاذاعية. ولحسن الحظ, ان هناك اليوم في الدول النامية المستوردة للتكنولوجيا الاذاعية والتلفازية, اتجاها للتشاور فيما بينها بشأن المشكلات الفنية بدلا من الرجوع دائما الى الدول المتطورة التي لا تسدي النصيحة, إلا في ضوء مصالحها التجارية. أما فيما يخص المضمونات الاذاعية, فإن ودل يشير الى خمسة منها, وهي: أ) المضمون التكنولوجي اي الجانب الهندسي والعلمي والاشعاعي في العمل الاذاعي. ب) المضمون الاقتصادي, ويتجلى بالحاجة الى استيراد معدات الانتاج والارسال والاستقبال وكذلك استيراد اليد العاملة. ج) المضمون التجاري ويتمثل في الاعلان عن السلع والبضائع المختلفة. د) المضمون السياسي وهو اهم المضمونات الاذاعية بالنسبة لحكومات العالم الثالث, لأنها تستخدم الراديو والتلفزيون وسيلة اساسية للتوجيه السياسي. وقد تكون هذه الوسيلة اهم من الصحافة, لأن الصحافة لا يتأثر بها الا المثقفون والقادرون على القراءة. اما الاذاعة والتلفاز, فيصل تأثيرهما الى جميع الناس من مثقفين واميين. هـ) المضمون التربوي, ويتجلى في برامج متعددة اهمها البرامج التعليمية بالراديو والتلفزيون. وقد استوردت الدول النامية هذا النوع من التعليم من الدول المتطورة. وتكمن فائدته في انه من الممكن اجراؤه دون الحاجة الى توظيف قدر كبير من اليد العاملة. ولكنه من جهة ثانية يفتقر الى المرونة التي يتيحها التعليم في الصف. ومن الامور المهمة التي يسلط (ودل) عليها الاضواء, حاجة دول العالم الثالث الى اشخاص مبدعين على جميع المستويات في النظم الاذاعية, بدءا من المدير العام وحتى مصور الكاميرا. فعندما تبعث احدى الدول النامية افرادا للتدريب في دولة متقدمة, فإن هذه تفعل ما في وسعها حتى يكرر المتدرب في قطره, بعد عودته آلية انموذج نظامها الاذاعي نفسه الذي تدرب عليه, مع ان هذا النظام خاص بالدولة المتقدمة وهو عاجز عن تلبية الحاجات التطويرية للدولة النامية. ان المتدرب الاذاعي بعد عودته الى مسقط رأسه, تهوله وتثبط عزيمته الهوة السحيقة في مجال توافر الموارد, والتي تفصل بين وطنه والخارج, فيجد نفسه عاجزا عن تطبيق خبراته التي اكتسبها اثناء التدرب. ومن الظواهر التي يلفت (ودل) النظر اليها ايضا ان بعض المسئولين في الدول النامية يتحمسون عادة لارسال الشبان الى الخارج من اجل التدريب, ولكنهم في قرارات انفسهم لا يميلون الى السماح لهؤلاء بعد عودتهم بتطبيق ما تعلموه! وقد اظهرت دراسات الحالات التي اجريت على الدول النامية ان التقدم الاذاعي فيها لا يمكن تحقيقه الا اذا كان التدريب الاذاعي مترابطا مع توفير الفرص لتطبيق هذا التدريب. ولابد من التشديد على حاجة الدول النامية الى متدربين يتدربون على الابداع الحقيقي واخذ زمام المبادرة, لا الى متدربين يتدربون على تقليد مبادرات سابقة. ويزعم انه ما زالت هناك طموحات غير واقعية في العالم الثالث مما يؤدي الى احباط الآمال والى استثمار اموال كبيرة في الاذاعة دون ان ينتج عنها المردود المتوقع. ويبدو لنا ان هذه النظرة المتشائمة تؤدي الى اشاعة اليأس واثباط الهمم وفتور الحماس للسعي الى تحقيق التطوير الاذاعي. ومن الافضل لنا ان نأخذ بوجهة النظر القائلة بأن الاسباب التي تحول دون الاستفادة الكاملة من النشاطات الاذاعية عندنا هي اسباب مؤقتة ترتبط بظروف مصطنعة لن تلبث ان تزول في المستقبل. وبعد ان استعرضنا بعض الافكار المهمة التي اوردها (ودل) في كتابه, نبين فيما يلي الخطوات التي ينصح باتخاذها من اجل تحقيق التقدم الاذاعي والتلفازي في الدول النامية, ومن بينها الدول العربية, بالطبع. وهي: 1ـ ضرورة تعديل النماذج الاذاعية المستوردة من الدول المتطورة, حتى تتماشى مع الظروف المحلية وتتفق مع الحاجات الحقيقية لكل بلد. 2ـ ربط البرامج الاذاعية والتلفازية بخطط التنمية, بالطريقة نفسها التي يتم فيها الآن ربط التربية بالعمل والحياة والتطوير. 3ـ اقامة جسور عريضة تصل بين الاذاعة والتلفاز من جهة, والتربية من جهة ثانية, لأن وظائفها وادوارها متشابهة ومتقاربة. 4ـ العمل على تشجيع المبادرات الاذاعية والتلفازية الوطنية وانماء روح الابداع المحلي, بدلا من الركون دائما الى استيراد النماذج الاجنبية الجاهزة. 5ـ تحقيق تنسيق كامل بين تدريب الاطر الاختصاصية البشرية الاذاعية في الخارج, وبين توافر الفرص المحلية لتطبيق نتائج هذا التدريب. وننتقل الآن من عوائق الاذاعة والتلفاز الى عوائق الاتصال بشكل عام. وفي هذا المجال, يبين كتاب (اصوات عديدة وعالم واحد) والذي ألفه (16) مختصا دوليا في شئون الاتصال, انه على الرغم من الدور الهائل الذي ادته اللغات في تسهيل الاتصال وفتح الكثير من المنافذ التي كانت مغلقة, فإن تعدد هذه اللغات وغناها, اسفرا في نهاية المطاف عن تعقيد الاتصال وجعله اكثر صعوبة. ومن جهة ثانية, فمع ان اختراع الكتابة واستخدام الطباعة اديا الى تنشيط الاتصال ودعمه بصورة جذرية, فإنهما افضيا, ايضا الى بروز الاخطار الناجمة عن تباين الافكار السياسية والاجتماعية والدينية, وما رافق ذلك من معارك لانتزاع حرية الصحافة والتي بدأت في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. ويمكن تلخيص ادوار الاتصال التي وردت في الكتاب المشار اليه اعلاه, بما يلي: أ) جمع الاخبار والآراء والحقائق, وتخزينها, ومعالجتها, ونشرها. ب) تكوين ثروة من المعلومات والافكار التي تساعد افراد المجتمع على التفاهم والتماسك والاندماج. جـ) تشجيع النشاطات الاجتماعية لخدمة الاهداف المشتركة لأبناء الامة. د) نقل المعرفة في سبيل تحقيق التطوير الفكري وحيازة المهارات. هـ) اثارة المناقشة والجدل من أجل توضيح القضايا العامة, وتسهيل توافق الرأي, وتشجيع الجمهور على الاهتمام بالمشكلات المحلية والدولية. و) القيام بدور ثقافي وترفيهي من خلال نشر الادب والدراما والاعمال الثقافية. ز) مساعدة الناس على معرفة آراء ووجهات نظر بعضهم بعضا وفهمها, تحقيقا للتكامل بينهم. وبالاضافة الى كل ما سبق, يبين الكتاب اهمية المعلومات التي تشكل المادة الخام للاتصال. فالمعلومات هي اساس التخطيط للمستقبل وعماد البحث العلمي. وهناك قطاعات عديدة كالقوات المسلحة والاحزاب السياسية وشركات الطيران والجماعات, لا تستطيع ان تعمل دون تبادل المعلومات يوميا. وبصورة عامة, فإن للاتصال تأثيرا كبيرا في مختلف مناحي الحياة ومناشط المجتمع, فهو قوة اقتصادية تؤثر على الانتاج والتوظيف وغيرهما, وقوة سياسية تظهر اكثر ما تظهر في دور وسائل الاعلام, وهو ايضا قوة تربوية. وهنا يقف معنا المؤلفون وقفة قصيرة لاستجلاء العلاقة بين التربية والاتصال. ففي الماضي كان المعلم والمدرسة يشكلان اساس التربية, ثم جاءت وسائل الاتصال الحديثة لتكمل دور التربية. واهم الفروق التي يبرزها الكتاب بين النظام التربوي ونظام الاتصال, ان الاول يعتمد على قيم الجهد والسعادة والترفيه, ويتضمن موضوعات سهلة الفهم سريعة الاستيعاب. ويحذر المؤلفون من اخطار التناقض والتنافس بين النظامين ويدعون الى العمل على تحقيق التوازن واعادة توزيع الادوار والوظائف بينهما. ومن الامور المهمة, ان مؤلفي الكتاب يبدون تعاطفا واضحا مع الدول النامية وحرصا على مصالحها, فهم ينتقدون الدول المتقدمة, بسبب احتكارها المعلومات وهيمنتها على الاخبار, كما يدينون استغلالها تقنية الاستشعار عن بعد, للتجسس على الدول المتخلفة, ويطالبون بناء على ذلك بإنشاء نظام دولي جديد للاتصال يتم بموجبه انصاف دول العالم الثالث وتحريرها من تحكم الدول المتطورة. وهم يرون ان افضل حل لمعظم مشكلات الاتصال يكمن في الديمقراطية, ولكن اذا كان هذا ممكنا في الدول الحرة, فكيف يمكن تحقيقه في دول العالم الثالث التي تتعرض الديمقراطية في معظمها لاقسى المحن واشد الضربات, مثل مصادرة الكلمة الشريفة ومطاردة اصحابها واشتداد الرقابة, ليس على الصحافة فحسب وانما على مختلف الاتصالات الهاتفية والبريدية والتلغرافية؟ وبتعبير آخر, فإن الاتصال في كثير من الدول النامية مكرس لخدمة اهداف السلطة, اكثر من اهداف الثقافة والعلم. فكيف يمكن للاتصال ان ينمو وللاعلام ان يزدهر في مثل هذه التربة الفاسدة والاجواء المسمومة؟ ومما يدعو للسخرية, ان الاوضاع المتدهورة للحريات في العالم الثالث, قد وفرت الحجج لبعض المراقبين المغرضين الذين يروجون بأن غياب الحرية في العالم الثالث هو المسئول الوحيد عن تدهور الاتصال فيها, اما النظام العالمي الحالي للاتصال فلا علاقة له بهذا التدهور, حسب زعمهم الذي يبرئون به الدول المتطورة من كل مسئولية. ولذلك فإن شعوب العالم النامي تقع اليوم بين المطرقة والسندان, وتعاني الامرين ـ بتشديد الراء ـ فهي تواجه تعسفا خارجيا, وتعسفا داخليا في آن واحد, ولا يمكن لأحد هذين التعسفين ان يبرر التعسف الآخر. فتحكم الدول الصناعية الكبرى بقنوات الاتصال, على النطاق الدولي, واغتيال الحريات داخل العالم الثالث, كلاهما مسئولان عن تدهور الاتصال في هذه الدول. وهناك نقطة مهمة لابد ان نشير اليها وهي ان غياب حرية الاتصال في العالم المتخلف لا يعني مطلقا حتمية فشل الجهود التي يمكن ان تبذل لتطوير وسائل الاتصال فيها, كما انه لا يبرز بأية حال تباطؤ هذه الجهود. فهناك مجالات اخرى كثيرة, علمية وتقنية وكتابية وادارية, يمكن العمل من خلالها للوصول الى وضع افضل, والى اتصال اكثر فعالية. كاتب سوري