يبهجني ويثير عندي التوقع والرغبة الحميمة في القربى مرأى المقاهي لحظة الشروق, ما قبلها أو بعدها, بداية النهار, إنها البداية, حتى في تلك المقاهي التي لا تغلق أبوابها على مدار الأربع العشرين ساعة, مقاه عديدة الآن في القاهرة تعمل بلا توقف, وقبل ربع قرن من بدء الألفية الثالثة, كان مقهى الفيشاوي العتيق الوحيد المصرح له بالسهر حتى الصباح, لذلك كان يقصده أهل الليل من الممثلين, والصحفيين, والشعراء, المتقاعدين الذين ينتظرون أن يفتح مسجد سيدنا الحسين أبوابه لصلاة الفجر, كان البشر من مختلف النوعيات والجنسيات, العقلاء والمجاذيب, يمرون به, أو يمر بهم, فالمكان هم وهم المكان. في بدايات النهار يتم كنس المقهى, ورشه بالماء, ونثر نشارة الخشب فوق أرضه حتى يسهل كنسه وإزالة الفضلات, للمقهى والعاملين به أصول وقواعد, فكل شيء يجب أن يكون نظيفا, والمكان داع لا منفر أو طارد. قبل تمام الشروق لابد أن تكون (العدة) جاهزة, و(العدة) تشمل الأكواب الزجاجية, والفناجين, والملاعق, والماء الساخن, وجمر الفحم المتقد في الراكية لزوم النرجيلات, كذلك مواد المشروبات من شاي, وقهوة, وقرفة, وحلبة , وزنجبيل وكاكاو ولبن. يتهيأ المقهى لاستقبال الزبائن منذ الصباح الباكر, ما قبل الشروق, تسري الحركة بهدوء, النهار في أوله, وكل شيء يجب ان يكون بعيدا عن الحدة, نائيا عما يجلب الكدورات, أو نوازع الشؤم. تتشابه المقاهي في الظاهر أو تختلف, لكن مضمونها متقارب, إنها مكان اللقاء بين الأصدقاء الذين لا تتسع بيوتهم لضجيجهم وصخبهم, أو لقضاء الصفقات وإدارة الأعمال, كثير من المقاولين وأصحاب الأعمال الصغار لا مكاتب لديهم أو مقار, يجيئون في الصباح لتوزيع الأعمال, وعند المساء لمراجعة ما تم وترتيب الأحوال للغد الآتي, في المقاهي القريبة من دور المحاكم أو أقسام الشرطة, نلمح الكاتب العمومي, صورة متبقية من الكاتب المصري القديم, إنه متخصص في كتابة العرائض, والشكاوى التي يجب أن تقدم في صياغات معينة الى مستويات الادارة المختلفة, الكاتب العمومي يمكن أن يكتب رسائل شخصية أيضا يمليها عليه أولئك الذين لا يتقنون القراءة والكتابة مقابل أجر معلوم. يتخذ هؤلاء أماكنهم عند مقدمة المقهى. زبائن الصباح الباكر معظمهم عابرون, من الحرفيين أو صغار الموظفين أو التجار, هنا يكون المقهى بمثابة نقلة, محطة تتوسط المرحلة بين البيت ومقر العمل, كل منهم جاء ليعمل (اصطباحة) مشتقة من كلمة الصبح, أي يشرب كوبا من الشاي, أو يرشف فنجان قهوة, وربما يتناول افطاره. غير أن هنا في المدينة القديمة مقاهي ليست للعبور. إنها محطة انطلاق للعمل, اعداد كبيرة من العمال والحرفيين, ليس لديهم عمل منتظم, انهم بالتعبير الدارج اعداد (أرزقية). يخرجون مع شروق كل يوم, وهم يجهلون إذا كانوا سيعملون هذا اليوم أم لا. المقهى مكان مناسب للانتظار, ومع مضي السنين أصبح هناك تقسيم نوعي, ومما يشبه التخصص. جنوب المدينة, أشهر مقهى للطباخين, يقع ناحية زينهم, في الصباح الباكر نرى الطباخين, معظمهم من النوبة, يجيء الزبائن, بعضهم راجل والآخر راكب, تبدأ المفاوضة حول الأصناف المطلوبة, وزمن اعدادها, والأجرة. في أول شارع محمد علي الذي صممه علي باشا مبارك في القرن التاسع عشر على نمط شارع ريفولي الشهير في باريس, هنا يقع مقهى التجارة, انه واحد من أقدم مقاهي القاهرة, رواده من الفنانين المتخصصين في احياء الأفراح, بعضهم يعزف على الآلات الموسيقية, وبعضهم يؤلف كلمات الأغاني, وآخرون مطربون, منهم من عرف طريقه الى الاذاعة والسينما والتلفزيون وحقق شهرة, مثل عبدالعزيز محمود في الأربعينيات والخمسينيات, وقد رأيته مرارا في المقهى, في ذروة مجده, وبعد أن بدأ غروبه الفني, المطرب الآخر الذي خرج من شارع محمد علي هو محرم فؤاد. في مقهى التجارة يعيش بعض الفنانين على حافة الحلم والواقع, حدثني أحدهم بثقة انه لا يقل موهبة ولا علما عن أشهر المطربين والموسيقيين, لكن محمد عبدالوهاب يقف في طريقه, يستخدم نفوذه القوي ليعطل انطلاقته الكبرى. الشروق في مقهى التجارة يعني الغروب, معظم رواده يبدأ توافدهم آخر النهار, إذ يسهرون طوال الليل في الحفلات والأفراح, وينامون مع ساعات النهار الأولى, في هذا المقهى عرفت أمهر من قابلت من لاعبي الشطرنج, كان متخصصا في اصلاح الآلات الموسيقية الوترية, أما لعب الشطرنج فهوايته, وكان له شهرة ويجيء لاعبون مهرة لمنازلته من مسافات بعيدة, وكان يتطلع إلى اللعب أمام كاسباروف الروسي مؤكدا قدرته على هزيمته, إنه يعرف كل خططه. قرب ميدان باب الشعرية مقهى فسيح من مقاهي القرن التاسع عشر, ما زال على مراياه ملصقات اعلانية لأنواع من السجائر لم تعد متداولة, هذا المقهى يقصده عمال الأفران المتخصصون في خبز العيش والشطائر. على مقربة منه مقهى المنجدين, وهذه المقاهي الخاصة بالحرفيين مراكز تجمع, ومنها يمكن العثور على العمال المهرة والاتفاق معهم على اداء مهمة محددة, ومجرد انتماء العمال منهم الى المقهى, يعني هذا درجة من الثقة والضمان. للمخدرات مقاه شهيرة في منطقة الباطنية التي تعد مركزا من مراكز تجارة المخدرات, إنها منطقة وعرة, دروبها ضيقة, أزقتها كثيرة, نواصيها بلا حصر, مداخلها محدودة لذلك يسهل مراقبتها أمنيا. سواء من جانب صبية تجار المخدرات. أو قوات الأمن التي تدس عملاءها, كانت الباطنية مركزا لتجارة الحشيش, المخدر الشعبي التقليدي منذ العصور الوسطى, لكن مع التغيرات الاقتصادية في المجتمع المصري خلال العقود الثلاثة الأخيرة وظهور فئات ثرية جدا استتبع ذلك ظهور أنواع جديدة من المخدرات, بعضها أرخص واردأ من الحشيش, أي البانجو الذي يزرع في سيناء, وأنواع أخرى أغلى مثل الكوكايين, والذي يعرف بالبودرة. وكما أن مقاهي المخدرات معروفة, فكذلك مقاهي المثقفين في وسط المدينة, والتي كانت مركزا لنشاط التنظيمات اليسارية, خاصة في الستينيات, وأشهرها مقهى ريش الذي شهد ميلاد حركات فنية وثقافية مهمة, وكان مركزا لجلوس نجيب محفوظ, ولهذا المقهى تاريخ ممتد, كان يجتمع به أعضاء الجهاز السري لثورة 1919 ضد الاحتلال الانجليزي, ومنه جرت محاولة اغتيال رئيس وزراء مصر في العشرينيات يوسف وهبي القبطي والذي اختار الثوار شابا قبطيا ليحاول اغتياله, هو طالب الطب عريان سعد, وقد عرفته بمقهى الفيشاوي في الستينيات, وكان من أمهر لاعبي اليوجا في مصر, عندما قابلته كان قد اعتزل العمل السياسي منذ زمن طويل, خلال الستينيات اعتدت تدخين النارجيلة في مقهى أنيق, نظيف, بميدان باب اللوق, لا يقدم الا النرجيلة وأنواع التمباك الجيدة, الى جانب المشروبات العادية, لم يكن يسمح بلعب النرد, أو الطاولة, أو الشطرنج, مثل معظم المقاهي التي تسمح لروادها بهذه الألعاب, بل إنها القاعدة, كان ذلك المقهى استثناء, وكان يجلس به عدد من اللاجئين السياسيين, أعضاء حركات التحرر في أفريقيا والبلاد العربية, بعضهم أصبح من كبار المسئولين في بلادهم, وأحدهم أصبح رئيسا للجمهورية (قحطان الشعبي رئيس جمهورية اليمن الجنوبية), وزعماء جبهات تحرير اريتريا, كان أعضاء الجبهتين المتنافستين يجلسون بعيدا عن بعضهم, على نفس المقهى, وكان المعلم حريصا على الفصل بينهما حتى لا يقع احتكاك أو صدام مزعج. في ميدان التحرير, كان مقهى ايزائيفتش. أحد المراكز المهمة لتجمعات المثقفين اليساريين في الستينات, كان صاحبه خواجة من يوغسلافيا, هرب الى مصر بعد انتصار تيتو وقيام النظام الشيوعي. الطريف أن المباحث العامة كانت تغلق المقهى وتضع صاحبه تحت الرقابة كلما وفد جوزيف تيتو في زيارة الى مصر, وكانت تربطه علاقة قوية بالرئيس جمال عبدالناصر. ترحل المقاهي بالبشر, ويرحل البشر عبرها, إنها مدافئ المدينة وزوايا أسرارها, يعتبر القاهري المقهى ركيزة مكانية لانتمائه, فيقول (أنا رايح قهوتى), ويتحدث باعتزاز عن شلة المقهى وصحبه. والمقهى بالنسبة له عصبة وملاذ أيضا, من أغرب المقاهي التي عرفتها, مقهى الخرس, يقع في وسط المدينة, مقهى فسيح جيد الاضاءة, لا يقصده الا الخرس, كنت أدخل إليه فأخجل من النطق, ذلك أن معظم رواده يتحدثون بالاشارة, يجيء كل منهم عبر مسافة بعيدة ليلتقي بالآخرين, وكان أحدهم بدينا, يجلس دائما بمفرده, غير ان الابتسامة لا تفارق ملامحه, يتطلع الى هذا, ويرفع يده تحية لذاك, انه في حالة تواصل وانقطاع مع الوجود المحيط به. ومن أقدم الشخصيات المرتبطة عندي بالمقاهي, المارشال علي. يعتبر ضريح ومسجد سيدنا الحسين المركز الروحي ليس للقاهرة فقط, انما لمصر كلها, تحيطه المقاهي والفنادق الشعبية, من المقاهي القديمة, مقهى المجاذيب الذي يقع شرق المسجد, ومعظم رواده من الدراويش الذين هجروا أعمالهم ومقار اقاماتهم واستقروا بجوار الضريح القاهري للحسين الشهيد, ابن بنت الرسول عليه الصلاة والسلام. عندما كنت طفلا في السابعة أو الثامنة, أصحب والدي لزيارة سيدنا الحسين, أمر بمقهى المجاذيب, عند الاقتراب منه تنتابني رهبة, فسوف أرى المارشال علي. كان رجلا أبيض الوجه, أحمر شعر اللحية, مكحول العينين, يرتدي حلة ضابط كبير لا يمكن تحديد هويته, على كتفيه رمانتان من الخيوط الحريرية وكأنه جنرال في جيش نابليون بونابرت, أما غطاء الرأس فيشبه الأغطية القوقازية. كان صدره مسرحا لنياشين قديمة, بعضها مصري أو عثماني أو أوروبي, والى جانب النياشين علامات تجارية لسجائر بطل انتاجها, ومشروبات من أول القرن, وعلامات غامضة, وكان يرتدي قفازات جلدية صيفا وشتاء. يجلس فوق مقعد مرتفع وكأنه كرسي العرش. كنت أهابه, لكنني بعد دخولي المدرسة, وتجرؤي على التجوال بصحبة زملائي بعد انتهاء اليوم الدراسي, صرت اقترب منه معهم, نقف على مسافة قريبة ونرفع ايدينا بالتحية العسكرية, عندئذ يقوم واقفا, يرد تحيتنا بأخرى أحسن منها, مارشالية, وكأنه يستعرض قواته. غير أن الموقف لا يستمر هكذا, إذ ما يصيح أحد الصبية بكلمة بذيئة جدا, موجهة إليه, عندئذ يشهر سيفه, ويزأر مهددا, وبالطبع ننطلق نجري بأسرع ما في وسعنا لكن المارشال علي نيابة لم يغادر مكانه قط, حتى عثروا عليه يوما مغمض العينين مفارقا الحياة في جلسته التي لم أره في غيرها, حتى أنني لأعجب الآن, أين كان يرقد؟ أين كان يغفو؟ ما زال البعض يذكرون المارشال علي نيابة كطرفة, كاحدى الشخصيات الغريبة التي تعبر ميدان سيدنا الحسين, أو تقيم به, لكن.. من هو؟ من أين جاء؟ لا يتوقف أحد للاجابة, فما أكثر الذين عبروا القاهرة القديمة, وكل عبور يعني انقضاء, أي موتا, أي عدما, حتى وان كان يعني الوصول الى مكان بعينه, كتب عديدة وصلتنا عبر القرون الخمسة عشر, تذكر سير شخصيات مدن بالقاهرة, بدءا من السلاطين والأمراء حتى الصناع والتجار والحرفيين والفنانين المجهولين الذين حفروا الحجر, أو نقشوا الرخام, أو كتبوا على الجدران, لم يبق منهم الا حضورهم الخفي الماثل في تلك المباني العتيقة, طوابير لا تنتهي تعبر المدينة, تأخذ منها وتضيف اليها, طوابير تجيء من العدم وتمضي الى العدم. ماذا تبقى من الحاج فهمي الفيشاوى؟ مقهى يحمل اسمه, معظم رواده لا يعرفون صاحبه الأصلي, يطالعون لوحة زيتية رسمت له عام أربعين, أي قبل مجيئي الى الدنيا بخمس سنوات, غير أن مابقي منه عندي (قعدته) عندما بدأت أتردد على المقهى بصحبة والدي في مطلع الخمسينيات, كان الحاج فهمي الفيشاوي صاحب المقهى قد لزم مكانه عند المدخل, فوق دكة خشبية عريضة تمكنه من النوم متمددا إذا غفا. وفي يقظته يتكئ الى مجموعة من الوسائد, يحدق الى المارة والى زمنه القديم, بينما النرجيلة لا تفارق يده, نرجيلة رشيقة, جميلة, يفوح منها دخان التنباك الفاخر, الى يمينه يقف جواده العربي الأصيل, كان يبذل عناية خاصة به, يداعبه, ويتبادل معه النجوى, ويغسله بيده, لكنني لم أره يمتطيه, لم أشهده يركبه الا في الصور أو اللوحات المعلقة فوق جدران المقهى. الى الجدار عُلق قفص كبير به أنواع نادرة من الحمام, كان يمضي أوقاتا طويلة في التطلع إليها, وكأن حوارا صامتا يجرى. في شتاء عام تسعة وستين من القرن الماضي, أصدر محافظ القاهرة قرارا غبيا لازالة المقهى الشهير, ولم تنجح الحملة التي نظمها عدد كبير من المثقفين لوقف القرار, وتحدد يوم معين لبدء الهدم. قبل يومين من الموعد المقرر أغمض الحاج فهمي الفيشاوي عينيه, أغمضهما إلى الأبد, لم يحتمل رؤية المعول يرتفع ليهدم المقهى, مقهاه, مكانه, أيامه, عمره وحضوره, غير أن الغريب ما جرى للحصان وللحمام, مازال أهالي المنطقة وأبناء خان الخليلي الذين عاصروا تلك الأيام يذكرون ماجرى. الحصان مات بعد رحيل صاحبه بساعات, أما الحمام فامتنع عن الطعام والشراب, حتى قضى. ولم يتبق من المقهى الا ركن صغير مازال يحمل الاسم القديم, الفيشاوي, مجرد اسم, اسم مجرد, مازال قادرا على جذب الرواد, ومعظمهم الآن من الشباب الذين لا يعرفون الا اسم المكان, ويجهلون ما كان عليه من مجد قديم. من الذين عبروا بالمقهى وتتردد سيرتهم أحيانا, ابراهيم الضرير, بائع الكتب, كان قزما, قصيرا جدا, ممتلئا, يحمل عددا كبيرا من الكتب القديمة, يمشي متمايلا, يقف ليصيح: (معنا الكتب الممنوعة..) كان يقصد بالنداء, الكتب الجنسية الممنوعة من التداول, مثل الطبعات القديمة من ألف ليلة وليلة, و(رجوع الشيخ الى صباه) و(المفاكهة والائتناس في ذكر مغامرات أبي نواس) و(الروض العاطر). كانت هذه الكتب ممنوعة, وضبط نسخة واحدة منها يسبب مشاكل قد تؤدي الى السجن, لكن ابراهيم الضرير كان يعد استثناء, فلا أحد يقربه, أو يؤذيه, لأنه (بركة) والرجل الذي تحل به (البركة) لا يمكن الحاق الضرر به, أو ايذاؤه, كان عم ابراهيم صديقا لنجيب محفوظ, وكان كلاهما خفيفا, خبيرا يتولد النكتة, ولم يكن يتفوق على محفوظ الا شخص واحد فقط, هو عم ابراهيم الأعمى.