تعاني المجتمعات البشرية, بما فيها المجتمعات العربية, من قدر كبير من جمود الفكر. وتختلف هذه المجتمعات بعضها عن بعض في مدى هذا الجمود. والمقصود بالجمود الفكري هو عدم الانفتاح الفكري أو الانغلاق الفكري الذي هو عادة عقلية. ومن دلائل جمود الفكر أن يكون سلوك الفكر ضمن دائرة التصور الفكري المحدود المقيد, وألا يتجاوز الفكر في علاقته بالمحيط الفكري الاجتماعي الذي حوله, البدائل الفكرية المعروفة والمعهودة والمألوفة. وحتى يتخلص الفكر من الجمود وحتى يصبح منفتحا يجب أن يكون متفاعلا مع المحيط الفكري الاجتماعي بالمعنى الأوسع للعبارة. وحتى يوصف الفكر بأنه متفاعل يجب ان يكون منفتحا, فإذا لم يكن منفحتا فهو ليس متفاعلا. وحتى يكون الفكر منفتحا يجب ألا يكون منطويا منغلقا, فإذا انطوى أو انغلق لم يعد متفاعلا. ويتضمن التفاعل ان يكون من سمات الفكر انه ينطلق من افتراض نقص المعرفة المتوفرة ومن افتراض ان ما يعقله العقل أو ما يعرفه الانسان ليس كاملا, وأن زيادة المعرفة عن طريق التفاعل عملية مرضية نفسيا ومجزية عمليا واجتماعيا. والتفاعل يتضمن ايضا ان يكون من سمات الفكر انه ينطلق من الاستعداد النفسي والفكري لعدم رفض الجديد لمجرد انه جديد ولأنه لا يقع في دائرة معارفنا. وتكتسب هذه الصفة الفكرية والنفسية عن طريق التنشئة والتربية والمثابرة على اكتسابها وممارستها وتطويرها واثرائها. ولأن من الصعب اكتساب هذه الصفة بسرعة ودفعة واحدة فلابد من ان يمضي وقت اطول لاكتسابها, ولابد لذلك أن يكون اكتسابها تدريجيا. ولاكتساب هذه الصفة الفكرية تجب ازالة انماط التفكير التي تتناقض مع هذه الصفة. ومن أنماط التفكير هذه التفكير غير المسائل وغير المتفحص, تفكير الشخص الراضي عن فكره والمكتفي والقانع به والمقتنع بصحته والمغرور به, والتفكير الذكوري الأبوي (البطرياركي) الذي يسلب من الانسان استقلاله الفكري وفرديته وشخصيته والذي يجعل الانسان تابعا فكريا, والاتباع الفكري لا يتفق مع الانفتاح الفكري لأنه لا تفاعل في حالة الاتباع. فالاتباع طريق واحد والتفاعل طريقان ذا اتجاهين أو طرق ذات اتجاهات. ومما يحول دون تحقيق الانفتاح والتفاعل الفكري اداء الانغلاق الفكري لوظيفة الدفاع النفسي الاجتماعي عن الشخص المنغلق فكريا. فعن طريق هذا الانغلاق يصد الشخص المنغلق فكريا أفكارا لعلها كانت ستبين خطأه لو لم يمكن منغلقا فكريا. وحتى يقل الانغلاق الفكري يجب ان يقل اللجوء اليه عن طريق تقليل الحاجة اليه. ومن شأن رفع المستوى الثقافي والعلمي للانسان ان يقلل الحاجة الى الانغلاق الفكري, اذ عن طريق رفع هذا المستوى تقل الافكار الخاطئة وبذلك تقل الحاجة الى استعمال الية الانغلاق. ومن شأن التنشئة على الانفتاح الفكري والتفاعل الفكري ان تؤدي الى تقليل الانغلاق الفكري. والتنشئة على الثقة بالذات وعلى ادراك تعدد مصادر الاعتبار للذات من شأنها ان تقلل ايضا الانغلاق الفكري. ومما من شأنه ان يقلل اللجوء الى الانغلاق الفكري وان يضعفه هو ان يعتبر الانسان التفاعل الفكري مكسبا فكريا ونفسيا واجتماعيا له وللشخص ان الاشخاص الآخرين المتفاعلين, وان يعتبر ان الانجاز يتحقق اذا ادى ذلك التفاعل الفكري الى نتيجة مرضية فكريا للطرفين, و ان الانغلاق الفكري لا يؤدي الى الرضا الذاتي لأنه لم يتضمن رضا الطرفين, ومن شأن ذلك الاعتبار ان ينشأ بالتنشئة والتربية. لقد نشأت ظروف كثيرة ادت الى تخلف كل المجتمعات البشرية والى ضعفها الاجتماعي والاقتصادي, وعلى وجه الخصوص مجتمعات البلدان النامية. ومن هذه الظروف بالنسبة الى هذه البلدان انعدام أو قلة النقد واستعمار دول غربية للعالم النامي وهيمنتها وسلبها لموارده وثرواته. ومن تلك الظروف ايضا في حالة عدد من البلدان العربية الحكم العثماني الطويل الذي أضعف نمو النقد الفكري أو قضى عليه والذي لم يعمل ما فيه الكفاية لنشر العلوم الحديثة في صفوف العرب. لقد أسهم الحكم العثماني إسهاما كبيرا في عزل العرب عن مفاهيم النهضة الحديثة, وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسية في بقاء كثيرين من العرب أسرى الجهل والأمية. ومما أضعف النزعة النقدية عند العرب غلبة النظام الذكوري الأبوي (البطرياركي) الذي كان سائدا في عهد الحكم العثماني وخلال السنين التي تلته, والذي لا يزال سائدا أو قائما في عدد من البلدان العربية, وشجع الحكم العثماني والدول الغربية الاستعمارية, خدمة لمصالحها, النظام البطرياركي. ونظراً الى ان تلك الدول وذلك النظم لم يبغيا تغيير الحالة العربية المتردية ولأنه كان في مصلحتهما إبقاء النظام الاجتماعي البطرياركي القائم, فقد كانا على وعي بمصالحهما المتبادلة في إبقاء ذلك النظام الاجتماعي القائم الذي كان من سماته الرئيسية الثني عن النقد. وفي حالة الضعف العربي العام على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصالدي والفكري, استطاعت البلدان الاستعمارية الغربية أن تعمل معاول الهدم في الجسد العربي والنفس العربية. وعن طريق القوة العسكرية والاحتكار في مجالات تجارية مختلفة والسيطرة الاقتصادية وإنشاء وتفعيل المؤسسات التربوية, أحدثت البلدان الاستعمارية الغربية الاختراق الثقافي التاريخي للعالم العربي. وتمثل هذا الاختراق في مظاهر كثيرة منها إحلال لغات أوروبية محل اللغة العربية بوصفها لغة التعليم في المدارس والجامعات, واعتماد نظم التربية والتعليم الغربية التي لا تتفق جوانب منها مع الرؤى والطموحات العربية. ومما يبعث على الحزن العميق ان بعض الجامعات في الوطن العربي لا تزال تستعمل اللغتين الانجليزية والفرنسية لغتي تعليم. وكان ذلك الاختراق ولا يزال السبب الأهم في انشطار الشخصية العربية بين التربية غير العلمانية والتربية العلمانية. ويشكل هذا الانشطار أحد العوامل المسهمة في نشوء الحيرة الفكرية والشلل والاستقطاب الفكريين. وفي الحقيقة انه في كثير من مجالات الحياة العربية حدثت انقطاعات مفاجئة وحادة بين النظام الفكري الاجتماعي القيمي الذي كان سائدا والنظام الذي تبنته مؤسسات عربية أو فرض على العرب ان يتبنوه. وإهمال عدد كبير من المؤسسات التربوية والثقافية في الوطن العربي للتراث العربي الاسلامي على الرغم من الثروة العلمية الضخمة المشتملة فيه مثال ناصع على ذلك. وجاء هذا الانقطاع بحلول مؤسسات ومفاهيم غربية محل المؤسسات والمفاهيم العربية, أو بطمس الأولى للأخيرة, أو بتهميش الأولى للأخيرة, أو بإيجاد اتباع أكبر للأولى وابتعاد عن الأخيرة. إن غلبة حضارة على حضارة أخرى, قد تنطوي على اخطار على حياة وكيان الشعوب صاحبة الحضارة المغلوب على أمرها. وفي سياق الغلبة الحضارية فإن حالة الشعوب غير الغربية تختلف عن حال الشعوب الغربية. ففي حالة التأثير الحضاري بين شعوب غربية مختلفة ـ مثلا تأثير الثقافة البريطانية في الشعوب النوردية ـ لا تكون هذه الشعوب خائفة من هذا التأثير ومقاومة له مثل خوف شعوب غير أوروبية, وذلك بالنظر الى التشابه الحضاري والانتماء القاري الأوروبي. فبسبب ذلك التشابه والانتماء لا يحتمل ان يصل الأمر بالسياسة الخارجية البريطانية ـ في حالة غلبة الثقافة البريطانية ـ الى تجويع الشعوب النوردية أو قهرها. وعانت شعوب غير غربية من تجربتها للاستعمار الغربي الذي أسهم في تخلفها الحضاري وقتل وذبح نسب كبيرة من هذه الشعوب, وذلك لأسباب مختلفة منها عدم الانتماء الى نفس العرق أو الى نفس الحضارة والموقع الجغرافي. وقتل السلطات الايطالية لثلث سكان ليبيا وقتل السلطات الفرنسية لمليون جزائري مثالان ساطعان على ذلك. ولا يفهم ولا ينبغي أن يفهم من كلامنا هذا أن كل جوانب المفاهيم والمؤسسات الغربية سيئة أو طيبة أو أن كل جوانب المفاهيم والمؤسسات العربية سيئة أو طيبة. ولكن ما حدث ولا يزال يحدث هو ان المفاهيم والمؤسسات الغربية بالحسن والسيىء منها طمست مفاهيم ومؤسسات عربية بالحسن والسيىء منها. إن أحد الأسئلة التي يجب ان يتناولها الذين لديهم القدرة على التناول هو: هل يمكن نظريا تبني مجتمع من المجتمعات لجوانب ايجابية من مفهوم أو مؤسسة دون تبني جوانب سلبية للمفهوم نفسه أو للمؤسسة نفسها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب نظريا, فهل يمكن ذلك عمليا في ظل الظروف الثقافية والاقتصادية والنفسية والتاريخية السائدة التي تتسم بتقليد كثيرين من العرب للغرب وبانبهارهم بحضارته حسنها وسيئها وبتلاشي شخصيتهم ازاءه وبضعف الدولة العربية والمجتمع العربي؟ ويتجلى هذا التلاشي فيما يتجلى فيه في الظاهرة البغيضة التي توجد في أجزاء من الوطن العربي, وهي ان المبدع العربي ـ سواء أكان شاعرا أو ناثرا أو ناقدا أو قاصا أو فيلسوفا أو مفكرا أو فنانا ـ لا يلتفت إليه ويقر ويعتد بنتاجه الابداعي الا اذا اعترف غربيون بذلك. في هذه الحالة التي يزيد من تعقدها وحدتها ضعف المجتمع المدني العربي, يتعين على الدولة ان تؤدي دوراً أكبر, شريطة أن يكون دوراً مخلصاً بالمعيار القومي والديني, في التوجه القومي والتعليمي والثقافي. * أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة