من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها تتواتر الدفعات الاخبارية المتجددة حول أسامة بن لادن وكأنه امبراطورية أو قوة عظمى. من استراليا إلى اسرائيل.. ومن آسيا الوسطى إلى القوقاز تتوالى من حين لآخر بيانات وتصريحات ملتهبة تتمحور جميعا حول اتهام بن لادن بأنه هو القوة التي تقف وراء كل تخطيط ارهابي. فما هي الحقيقة؟ هل استطاع فعلا رجل واحد أن يتضخم بالقوة والمال إلى درجة انه بات في موقف استثنائي يمكنه من تهديد العالم بأسره؟ لو صحت الاتهامات المتواترة من عواصم متنوعة تنتشر بمساحة العالم, فإن قائمة الأحداث الواقعة أو المخطط لها في اطار هذه الاتهامات تطول يوما بعد يوم. فالرجل, وفقا لهذه الاتهامات الخطيرة هو الذي يمتلك رأس مال مصنع (الشفاء) السوداني للأدوية الذي قصفته واشنطن بصواريخ كروز بدعوى انه مصنع لانتاج كيماويات تدخل في تصنيع أسلحة للدمار الشامل. وهو الذي يتولى أمر الحرب التي يشنها الشيشانيون ضد روسيا تمويلا وتسليحا جالبا لها كوادر قتالية من (الأفغان العرب) . وهو العقل المدبر لشبكة تخريبية تتكون عضويتها من عرب (إسرائيليين) تقول السلطات الاسرائيلية انها نجحت في كشفها قبل أن تشرع في نشاطها. وهو الذي يمثل القوة المحركة للنشاط القتالي بواسطة التنظيمات الإسلامية في بلدان آسيا الوسطى.. بل ان كوادر بن لادن تنشط داخل الولايات المتحدة انطلاقا من شبكة ارهابية قوامها إسلاميون متطرفون. وأحدث الأخبار يتعلق باستراليا. فبعد مسلسل من التسريبات الاعلامية امتدت لمدى أسابيع متصلة خرجت السلطات الاسترالية باعلان (كشفها) لمجموعة ارهابية تخطط لتخريب دورة الألعاب الأولمبية في سيدني.. عن طريق تفجير مفاعل نووي استرالي غير بعيد عن سيدني. وبالطبع فإن وراء هذا المخطط الطموح أسامة بن لادن؟ إن هذه المقالة التي أسطرها ليس المقصود منها الدفاع عن أسامة بن لادن.. وليس المقصود منها مهاجمته. إنها ببساطة محاولة لاستقراء موضوعي, ليس لشخصية ذلك الرجل الذي يقيم في أفغانستان تحت حماية نظام (طالبان) , وإنما لتلك الظاهرة الاعلامية المتنامية التي خلقت حوله لتعطي انطباعا وكأنه (سوبرمان) عالمي. في تقديري الشخصي انها ظاهرة منسوجة بنسيج المبالغة العمد لأحد غرضين أو كليهما: إما لتبرير تدبير غير مشروع, وإما لتسمية أوضاع معينة بغير أسمائها الحقيقية. فضرب مصنع (الشفاء) السوداني للأدوية عمل غير مبرر اطلاقا. فالإدارة الأمريكية عاجزة حتى اللحظة عن ابراز أي دليل قاطع لدعوى ان المصنع كان ينتج مواد للتسليح أو حتى دعوى ان صاحب رأسماله أسامة بن لادن. أما الأحداث الأخرى فإنها تندرج في عمومها تحت بند الحيل الدعائية لتسمية أشياء بغير أسمائها. فمن المفيد دعائيا لروسيا مثلا أن تنسب ثورة شعب الشيشان المسلحة إلى قوة خارجية من أجل تصوير الشعب الشيشاني وكأنه لا يزال مواليا للسلطة المركزية في موسكو. وقس على ذلك بقية الأحداث المشار إليها. فاسرائيل تريد أن تموه على حقيقة ان ثمة يقظة إسلامية تتنامى بين صفوف (عرب 48) داخل الدولة اليهودية نفسها. وأجهزة الأمن الأمريكية داخل الولايات المتحدة تريد, لاعتبارات يهودية واسرائيلية, أن تقمع النشاط السياسي المشروع للعرب والمسلمين الأمريكيين باسم ملاحقة الارهاب. وربما أرادت السلطات الأمنية الاسترالية استثمار فرصة الاستعداد الشامل لاستضافة الألعاب الأولمبية من أجل قمع مماثل للنشاط السياسي السلمي للعرب والمسلمين الاستراليين.