لان اسرائيل هي بحكم التعريف, وفي ضوء تجارب التاريخ الحية والمعاشة كيان عدواني ومجتمع معسكر أو كما عبر يوما العلامة جمال حمدان هي (قاعدة عسكرية برية) وضعها الغرب لتكون بمثابة قلعة متقدمة عند شرقي المتوسط ، ومن ثم فقد دأب العرب أصحاب القضية المضارون تحديدا من جراء هذا المشروع الاستيطاني العدواني في أرضهم دأبوا على ان يرصدوا تصورات الكيان الاسرائيلي من زاوية واحدة أو تكاد تكون واحدة هي الزاوية العسكرية السياسية, بمعنى التركيز على ترسانات الأسلحة الوافدة الى اسرائيل من ألمانيا ومن فرنسا أولا وبعدها, على البحري كما يقولون من مستودعات السلاح بالولايات المتحدة, فضلا عن التركيز على البعد السياسي ومن ثم على الشعارات السياسية التي يرفعها قادة اسرائيل ما بين حزب العمل أو كتلة الليكود على وجه الخصوص. كان العرب, ومعهم الحق يحاولون قراءة المتغيرات التي تطرأ على بنية الكيان العنصري العدواني المزروع في خاصرة وطنهم مثل خنجر مسموم. ومع ذلك, فنحن نظن انه قد آن الأوان لقراءة جديدة ورصد جديد لأحوال ومتغيرات الكيان الاسرائيلي نتناوله من زاوية العقيدة الصهيونية التي أقاموه عليها بل وجعلوا منها في مراحل المشروع الأولى منذ أوائل القرن العشرين هي (سبب وجود) رويزون ديتر كما يقول الفرنسيون لهذا الكيان المشروع في الأساس. تطور الدعوة الصهيونية وربما يعرف الكثيرون ان تيودور هرتزل (1860 ـ 1904) مؤسس الحركة الصهيونية الأول كان يهمه بالدرجة الأولى تجميع اليهود من الشتات دياسبورا في كيان ما لا يهمه في ذلك هو وأتباعه موقع ولا نوعية الأرض التي يقام عليها هذا الكيان.. ومن ثم تداول مؤسسو الحركة الصهيونية مواقع بين افريقيا وآسيا (سيناء) وفي وسط افريقيا (أوغندا) بل وفي أمريكا اللاتينية (الأرجنتين). بيد ان فلسطين كانت بمثابة الحل السعيد (بالنسبة للمشروع الاستيطاني العدواني طبعا) بحكم ارتباطها موقعا وتاريخا بالرموز المقدسة عند اليهود وبحكم استدعائها ذكريات وأساطير ومسميات في تاريخهم وفي التوراة التي يقرأونها بين أيديهم. ومن هنا تم تكريس الأيديولوجية الصهيونية والنفخ في أوصالها سواء بمنطق الاستدعاء التاريخي وأحيانا التلفيق التاريخي أو منطق الدعاية السياسية, ناهيك عن منطق التكرار والتواتر والدق المستمر على الأوتار العاطفية والدينية وخاصة لدى ساسة وزعماء بريطانيا العظمى اذ كانت القوة الامبريالية المتحكمة في مصائر شرقي المتوسط سوريا الكبرى ومن ضمنها فلسطين الأرض المرشحة للمشروع الجديد.. واذا كان اليهود قد نجحوا في اقامة شراكة ما مع بريطانيا من خلال فيلق يهودي اسندت اليه أدوار في الحرب العالمية الأولى جنبا الى جنب مع بريطانيا وحلفائها, واذا كان زعيمهم السياسي حاييم وايزمان قد حاز اعجاب هؤلاء الحلفاء حين شارك في تطوير مادة (النيتروجلسرين التي تدخل في تصنيع متفجرات الديناميت) فقد واصل قادة الحركة الصهيونية من طوال العقد الثاني من القرن الماضي استثمار هذا كله لدرجة ان جاء اليوم الذي أشار فيه لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا الى وايزمان قائلا: هذا الرجل هو الذي جعلني صهيونيا وكان طبيعيا ان يأتي من بعد يوم آخر أصدر فيه وزير خارجية بريطانيا لورد آرثر بلفور وعده الشهير الذي يقضي باقامة ما وصف بانه (وطن قومي لليهود في فلسطين) في نوفمبر عام 1917. مشاريع سيسل رودس هكذا كانت الصهيونية بمعنى العودة الى صهيون وبمعنى استدعاء ومن ثم احياء ذكريات التوراة.. دع عنك ما قالوه من اعادة بناء هيكل سليمان.. كان هذا كله نوعا من الاكسسوار الايديولوجي الفكري الذي أقاموا على أساسه مشروعهم و كأنهم كانوا بهذا يميزون بينه وبين سائر المشاريع المماثلة من الاستيطان العدواني الاستعماري التي شهدتها بالذات افريقيا وخاصة منذ أيام سيسل رودس (1853 ـ 1902) في زامبيا وفي زيمبابوي بالذات وكان اسمها على التوالي هو روديسيا الشمالية وروديسيا الجنوبية حيث استأثر المستوطنون الامبرياليون البيض بأجود أراضي الهضاب من حيث المناخ والخصوبة والانتاج (الأرض العالية كما تسمى في قواميس حركات التحرير الافريقية) فيما تركوا للأفارقة أصحاب البلاد الأصليين والشرعيين الأراضي الواطئة والتي يتخللها الاخدود الافريقي الكبير حيث الرطوبة والأمراض وشحة الموارد وضآلة الانتاج (ويمكن ان تقرأ في ضوء هذه البديهيات التاريخية دلالة الصراعات الراهنة الدموية أحيانا حول ملكية الأرض والمزارع في زيمبابوي بين بقايا المستوطنين البيض وبين أبناء الشعب الافريقي). وفي جنوب افريقيا, قامت دولة الاستيطان العنصري الأبيض على أسس شتى منها التمدين والتبشير بتعاليم الانجيل وعندما انكشف الأمر حيث لم يكن التمدين هو مبرر الاستعمار الاستيطاني على حساب الافريقي صاحب الأرض وحيث خولفت تعاليم المسيحية السمحة من خلال ما كابدته افريقيا من قهر واستغلال الانسان للانسان حينئذ سقطت مبررات المشروع الأبيض واستطاعت قيادات وطنية تاريخية بحق (نيلسون مانديلا) ان تقود شعوبها الى حيث اسقاط المشروع الاستيطاني واقرار سيادة الاغلبية السوداء, رغم ما يكتنف هذه المسيرة حتى الآن من تحديات. تآكل الصهيونية على المستوى الاسرائيلي, تثور الخشية من ان يفقد المشروع الصهيوني هناك طابعه.. الصهيوني في ظل بوادر باتت تجد طريقها حاليا الى الأدبيات السياسية والايديولوجية المنشودة وتكاد تجمع كلها على ان الايديولوجية الصهيونية يعتريها الآن تحولات وعوامل تعرية تحكم عليها بنوع من التآكل أو التفتت والاستضعاف. هناك مثلا 20 في المئة من سكان اسرائيل اليوم أعلنوا انهم لا يدينون بالايديولوجية الصهيونية على الاطلاق حسب احصاء أجرته في الصيف الحالي جريدة (يديعوت أحرونوت) وقد نقلته الكاتبة الأمريكية ديبورا سونتاج وعلقت قائلة ان معظم هذه النسبة كانت من الشباب. وهناك الدراسة الموجزة التي نشرها مؤخرا الكاتب الأمريكي (اليهودي ايتان برونز) غداة انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان تحت ضغوط مقاتلي حزب الله في اطار المقاومة الوطنية اللبنانية. ولم يكن مصادفة ان اتخذ برونز لدراسته عنوان (اسرائيل تعيد التأمل في تاريخها) وأشار بدوره الى ان جيل الشباب في المشروع الصهيوني تساوره مشاعر القلق المتزايد وخاصة (بعد ان سادت مجتمعه نزعة الاستهلاك وأصبح مجتمع الخدمات التلفزيونية الممعن في المادية المخصوصة عن طريق الكابل (علامة على موجة الاستهلاك الترفي) وجفت منه نزعة القناعة اللامادية التي طالما عاشت اسرائيل على أساسها). بعدها يقول الكاتب الأمريكي اليهودي بالحرف: وفيما تأمل الغالبية (في اسرائيل) في انهم اذا ما تخلوا عن الأرض وانهوا الاحتلال فهم بهذا ينشرون بذور السلام والرخاء, إلا ان هناك من يخشون من ان تكون هذه البذور وليس غيرها هي بذور الدمار الذاتي (لمجتمع اسرائيل الأقواس مضافة من عندنا) بمعنى ان الشباب سوف يفقدون بهذا التزامهم بالدفاع عنها. بعدها ينتقل (برونز) الى ما يشبه التحذير من ان معاودة النظر في تاريخ الصهيونية والمشروع الاسرائيلي أمر ينطوي على خطورة بالنسبة لما يسميه روح اسرائيل مشيرا في هذا الى الحوار الدائر داخل الدوائر الأكاديمية وخارجها حول تاريخ الصهيونية أو بالأدق حول ما أصبح يسمى علميا (صورة الذات الصهيونية) وهو حوار يشارك فيه تيار (المؤرخون الجدد) من ناحية ثم فلول غلاة الصهيونية والقائمين على أمر البروباغاندا في اطارها من ناحية أخرى. تحذير من المؤرخين الجدد وليس لنا كعرب ان نأخذ كل ما يكتبه المؤرخون الجدد على علاته, فهم يهود ومنهم اسرائيليون تهمهم اسرائيل ومشروعها بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق يصل مفكرون عرب حتى الى التحذير أو فلنقل التنبيه من أبعاد ظاهرة (المؤرخون الجدد) في اسرائيل. وفي هذا السياق أيضا يكتب الباحثان العراقيان ابراهيم خليل العلاف وحمزة مصطفى قائلين: إن ما يجري بين المؤرخين الصهاينة (يقصد الحوار الفكري الدائر حاليا في اسرائيل) يشبه الى حد كبير اختلاف اللصوص فيما بينهم بشأن المادة المسروقة.. وما محاولات المؤرخين الصهاينة هذه إلا محاولة لخداع اللاهثين وراء التسوية مع اسرائيل والمنادين بدمجها في المنطقة العربية..). لكن المتابعة مطلوبة والتحذير مطلوب بداهة.. لا بالنسبة لما يصدر عن مؤرخين قدامى أو جدد في اسرائيل, بل ربما بالنسبة لكل ما يصدر عن الغرب من أفكار وطروحات وبديهي أيضا ان اليقظة الفكرية, شيء ورفض الظاهرة من أساسها شيء آخر. وبديهي كذلك ان المطلوب هو اعتماد منطق الاطلاع والمتابعة ومنطق التحليل النقدي, وهو منطق لايملك ترف العزوف أو الرفض أو الاستبعاد وهو أيضا لا يصدر اطلاقا عن موقف اللاهثين وراء سراب تسوية أو المندلقين) وراء مقولات (بيريز الشهيرة عن الشرق الأوسط الجديد). ولا يملك الباحث أو المفكر الجاد ان يصرف النظر مثلا عن سطور الكاتب (برونز الذي ألمحنا اليه حين يقول عن تيار المراجعة التاريخية التي باتت تستنقي الوثائق والأرشيفات المفرج عنها مؤخرا: إنها مراجعة تعيد النظر في الصورة المعيارية (التي روجتها الدعاية) للصهيوني بوصفه رائدا يتسلح بالحق وروح الايثار.. وبدلا من ذلك يرسمون له صورة مغايرة أقل تعقيدا وأدنى بطولة.. صورة تقول بأن الصهاينة الأوائل كانوا بشرا خاضوا غمار حرب لا إنسانية وانهم كانوا مستعمرين أوروبيين. على ان السؤال المطروح الآن ينقسم الى شقين كما نتصوره: شق يتساءل عما اذا كان الحوار الفكري الدائر حاليا في الأوساط الاسرائيلية جزء من خديعة جديدة يحاولون فيها كما يشير الباحث العراقي الأستاذ حمزة مصطفى تقديم اسرائيل الواقعية بعد نجاح الأسطورة في تقديم اسرائيل الصهيونية. وشق مقابل يقول ان ثمة أزمة حقيقية داخل البنية النفسية والايديولوجية في مجتمع اسرائيل.. وان ثمة تيارا حقيقيا أصبح يحمل اسم (ما بعد الصهيونية) والمطلوب متابعة موجاته لمزيد من فهم العدو وأساليب تفكيره والتطورات التي اعترت المفاهيم التي ظل يعتمدها سنوات طويلة وقد نضيف في هذا السياق ما أشارت اليه صحيفة (معاريف) (15/8) من ان ثمة جماعات بدأت في التبلور داخل اسرائيل وشرعت تفكر فيما يمكن ان نسميه (مشروع صهيوني معكوس) بمعنى الهجرة لإقامة مجتمعات يهودية خارج اسرائيل بعيدا عن سيطرة المتعصبين دينيا مثل حزب شاس وزعمائه طويلة اللسان لدرجة السفه والإقذاع. والتساؤلات كثيرة, والرصد الواعي والدرس الموضوعي لايزال أمرا مطلوبا, وبالحاح شديد. * كاتب سياسي من مصر