(هكذا تكلم زرادشت) هو عمل شعري فلسفي للفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه, وهو لحن فائق الروعة لريتشارد شتراوس, وفي كلا العملين, نجد بزوغا للأمل وشروقا للشمس, فمع عمالقة الفن الموسيقي امثال باخ وموتسارت وبتهوفن وفاجنر وتشايكوفسكي وشوبان وفيردي وروسيني, ظهر السوبرمان القوي كشمشون والشاعر كداوود والحكيم كسليمان. فلسفة القوة هذه مهدت الى ظهور هتلر وستالين وموسيليني, وغيرهم ممن يؤمنوا بأن العدالة تكمن في القوة والانظمة الشمولية. كل فنان قدم سمة في موسيقاه, كانت بمثابة اللغة الشعرية عند الشعراء. فمثلا موسيقى (ماهلر) اوحت بالافكار الروحية والاخلاقية, بينما (ديبوسي) في مقطوعته (انعكاسات على الماء) قدم موسيقى اشبه ما تكون بأحلام اليقظة والسحب العابرة. فالنوتة عند الموسيقى تقابلها الكلمة عند الشاعر والريشة عند الرسام للايحاء باللون والمشاعر. وفي ايطاليا اثبت (بوتشيني) ان اللحن العذب والغناء الجميل يطغيان على الاختراعات الجديدة كالسينما والراديو والسلالم الموسيقية التي ابتدعها (شونبرج) واتباعه في اوبراته الشهيرة (البوهيميون في الحي اللاتيني) و(حصن القديس انجلو) و(المدينة المحرمة) في الصين. وكان بوتشيني يقول في اواخر ايامه: (لقد منحني الله الموهبة الموسيقية وطلب مني ان اكتب للمسرح الغنائي فقط, وقد اطعت أوامره دائما) . وأثارت اعمال شتراوس مثل اوبرا (سالومي) والقصيدة السمفونية (هكذا تكلم زرادشت) احاديث الصحف واعجاب الجمهور. وعندما زار مصر قام بتلحين اوبرا (هيلين المصرية) . وكان يرنو على الدوام الى الفلاسفة الالمان امثال شوبنهور ونيتشه. ونلحظ اليوم تفاسير جديدة لافكار نيتشه, اذ لم يعد زرادشت يمثل فكرة البطل, بل قوة المعرفة والعلم. ومع الموسيقيين الذين دمجوا اللحن الغربي مع الايقاع الشرقي, هناك رافيل حيث تتألف القطعة الموسيقية عنده من جملة موسيقية بسيطة تتكرر بألوان اوركسترالية مختلفة لمدة ثلث ساعة, وايضا بيلا باتورك الذي اتصفت بعض مؤلفاته بالحزن والانقباض وتشبع البعض الاخر بالروح القومية والموسيقية الشعبية حيث صهرهما بشكل حديث تفوح منه رائحة التحدي للسلطة والدفاع عن الحرية. ومع موسيقى رخمانينوف نجد الغبطة والسعادة, لأن موسيقاه تخاطب القلب دون ان تمر على العقل, وايضا سترافنسكي في (تتويج الربيع) نجده يحطم الاشكال التقليدية مرة واحدة. ثم نلحظ ظهور شوستاكوفيتش الذي غضب عليه ستالين فجأة عند سماعه لاحدى اوبراته ذات الاسلوب المبتكر. الان السؤال هو, كيف ستكون نبوءة زرادشت: هل سيخرج عبقري جديد بعد صدام الضوء والظلمة؟ محمد خليفة