يكتبها اليوم: سالم الزمر إلى كم ذا التخلف والتّواني وكم هذا التمادي في التمادي وشغل النفس عن طلب المعالي نبيع الشعر في سوق الكسادِ هذا شاعرنا الذي سميناه المتنبي منذ ما يزيد على الألف سنة ولكم انبرى خصومه يلصقون به تهمة النبوة فأوجعوه بذلك طعنا وشتماً وأوسعوه خصومة بريئة وغير بريئة حتى ألفوا فيه كتابا سموه سرقات المتنبي. وكم انبرى محبوه ينفون عنه ادعاءه النبوة ويدفعون عنه كل تهمه حتى ألفوا فيه الكتب السّمان الثقال فكان أولهم أبو العلاء المعري الذي ألف لخاطر المتنبي وحبا فيه كتابه الشهير (معجز أحمد) يعني المتنبي الذي اسمه للذي لا يعرفه (أحمد بن الحسين) وكان من أواخر تلك الكتب وليس آخرها كتاب شيخ الأدب والأدباء العلامة المصري الراحل (محمود محمد شاكر) خصم طه حسين الذي ألف كتابه الشهير (المتنبي) كما ألف طه حسين (مع المتنبي) . وما حال المتنبي قبل تلك الخصومات وبعدها إلا كقوله: أنام مِلْء جفوني عن شواردها ويسهر القوم جَرّاها ويختصم ولست بعد هذا أريد أن أكتب عن المتنبي شيئا أدفع به دعاوى نبوءته فقد دفعها قبلي ونافح عنه من هو أجلّ مني وأعلم وأقدر ومن أنا عنده كالعود القصير, في سفح الطود الشامخ. ولكنني وان كنت أميل إلى من يدفعون عن أبي الطيب دعوى النبوة وأقول بقولهم وان أبا الطيب ما ادعى النبوة ولا أرادها ولكنها ألصقت به لقوله: شيب رأسي وذلتي ونحولي ودموعي على هواك شهودي أي يوم سررتني بوصالٍ لم ترعني ثلاثة بصدودٍ ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود ولكنني برغم ذلك أؤكد له تنبؤات عظيمة القدر تحققت بعده قالها قبل ما يزيد على عشرة قرون من الزمان فكانت تلك سمة من سماته وليست تهمة من تهمه, وان من بعض تنبؤاته قوله البيتين اللذين ذكرت في بداية هذه السطور. فإنني وحتى قبل أمد قصير كنت أظن ان الشعر لا سوق له يباع فيها فهو في زمن كهذا سلعة ما لها من رواج. ولكنني لم أكن أعلم ان للشعر سوقا هي تلك السوق التي بشر بها المتنبي في عصره فقال متشائما: (نبيع الشعر في سوق الكساد) وكنت أظن ان سوق الكساد التي يباع فيها الشعر لا وجود لها إلا في دنيا أبي الطيب حتى أعلنت تلك السوق عن نفسها في ثوبها الحديث الذي يلبس رداء الحضارة الغربية ويتسمى باسمها (امارات كول) . وما امارات كول هذه إلا سوق الشعر الكاسدة مع تحفظي على كلمة شعر والشعر الذي تبيعه تلك السوق الكاسدة, إنه لا شك شعر كاسد كسوقه. ولكن ما هي امارات كول إنها لا تعدو أن تكون أرقاما يتصل عليها المراهقون غير المشغولين إلا بأنفسهم ليهدوا أغنية لتلك أو لذلك وفي مقابل كل اتصال يدفع المتصل ويسجل عليه ما يزيد على الدرهمين عن كل دقيقة وتصوروا كم فارغ شاب مملوء الجيوب من هذه الأمة ممن لا يلقي للدراهم بالا سيتصل بالامارات كول لمجرد أن يرسل أغنية إلى تلك التي تدري عنه أو ربما لا تدري, وتصوروا كم من فتى يافع صغير وضع أبواه في يديه هاتفا نقالا إمعانا في التدليل والرفاهية سيتصل بالامارات كول ليستنزف من رصيد أبويه الأموال الطائلة, والمصيبة الكبرى ذلك المراهق أو المراهقة التي لا جهاز نقالا لديها تستخدمه فلا تجد إلا تليفون منزل أبيها الموظف البسيط الذي ربما أتى آخر المطاف ووجد نفسه مطالبا بدفع فاتورة لا قبل له بها ألا يذكرنا هذا بذلك الشاب السعودي الذي أخذ يتصل عن طريق الهاتف في المنزل بذلك الخط الساخن الذي وضع خصيصا لاثارة المراهقين والتغرير بهم حتى فوجئ والده بأن عليه أن يدفع مبلغا أظنه كان يقارب الثلاثمئة ألف ريال سعودي, وهب أن المبلغ كان خمسين ألفا أليس ذلك صدمة كبيرة على الأب الغافل عما يدور في خطوط الاتصالات العالمية. وهذا حتماً قياس مع الفارق فإن الشركة التي تقدم أغنية مقابل درهمين أكثر براءة من شركة تقدم اثارة للغرائز في مقابل نصف درهم ولكن الأمر في النهاية أموال تهدر وأوقات تضيع وشباب يشغل عن طلب المعالي ببيع الأغاني والأدهى من ذلك بيع الشعر في الامارات كول أو في سوق الكساد, وهذا ما بشر به أو حذر منه المتنبي فإمعانا في الدعوة إلى الاتصال تتيح لك الشركة أن تتصل وتستمع إلى أبيات نبطية تلقيها فتاة لبنانية بلهجة متعثرة حائرة بين لهجة أهل الامارات وبين غنج اللهجة اللبنانية ثم تطلب منك أن تشارك باختيار إحدى الاجابات الثلاث لربما كنت أحد الفائزين بعشرة آلاف درهم فتصور بعد هذا الاغراء كم من متصل سيتصل حتى تنتهي المسابقة الهزيلة تلك التي لا تفيد أحدا إلا الشركة المروجة. وانني هنا أقف معاتبا بشدة أخونا الشاعر النبطي العزيز على قلوبنا الذي كتب الأبيات ووضعت صورته على الاعلان في الجرائد ترويجا لتلك المسابقة وأقول أنا أدعوك يا أبا أحمد أن تنسحب من هذه المهزلة حرصا على اسمك الجميل وشعرك الذي نحترمه فلا تسمح لأحد أن يستغل اسمك وشهرتك انك شاعرنا الذي نفخر به, ولا تكونن يا شاعري أحد المزايدين على الشعر في هذه السوق الكاسدة. ونحن يا شاعرنا العزيز لا نقبل منك إلا الدرر الكبار كما قال أبي الطيب: ومن كنت بحراً له يا عليّ لم يقبل الدرّ إلا كبارا