مهما كان الخلاف على ياسر عرفات أو الاختلاف حول نهجه وأسلوبه وممارساته فى معالجة القضية الفلسطينية, يظل أول زعيم فلسطينى يستقطب حوله جماهير النكبة حول أمل العودة والخلاص, فهو الذى أسس تنظيم فتح حين كان يعمل مهندسا بالكويت فى الستينيات, ونهض جناحها العسكرى (العاصفة) بإطلاق الرصاصة الأولى ضد اسرائيل ايذانا بإندلاع الثورة الفلسطينية, ولم يتراجع وهو يواجه الأهوال وأعتى التحديات, حتى تحرر الأرض السليبة ويسترد الشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة, وعلى مدى 35 عاما ظل النضال السياسى والعسكرى والاعلامى الفلسطينى متصلا ومتأججا خلف قيادته رغم كم الشهداء وفداحة التضحيات, ومن الأردن الى لبنان الى تونس ظل أبوعمار يواجه أشكال وألوان المؤامرات, ثم عاد فى نهاية المطاف الى غزة وقد نجح فى تغيير وضعية القضية الفلسطينية من مجرد مشكلة انسانية للاجئين مشردين يسكنون المخيمات, الى قضية تحرر وطنى تفرض على العدو والعالم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والتعامل معها كممثل شرعى وحيد للشعب الفلسطينى. واذا كان الشعب الفلسطينى قد استقبل ياسر عرفات بعد عودته من مفاوضات (كامب ديفيد 2) بحماس شديد, فلأنه صمد للضغوط والتهديدات الأمريكية, التى تراوحت بين الترغيب والترهيب, ولم يفرط فى الثوابت الفلسطينية وفى مقدمتها القدس, وهو الموقف الذى كسب الى جانبه معظم خصومه من الفلسطينيين والعرب الذين سبق ووجهوا له أقسى الاتهامات, بدعوى التفريط وتقديم التنازلات وتأجيل حسم قضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات فى مفاوضات أوسلو السرية, ولكونه خاض غمارها منفردا من وراء ظهر غيره من القيادات والفصائل الفلسطينية, وسوريا ومصر ايضا! وليس من حق أحد أن يلوم ياسر عرفات عندما راهن على دعم مصر والسعودية لموقفه المبدئي الشجاع فى كامب ديفيد, حين دار بخلده أن هذا الدعم مدخل مأمون لتداعى دعم بقيةالدول العربية, توطئة لعقد قمة عربية بشأن القدس, ولعله لم يعد سرا الآن أن الفيتو الأمريكى كان وراء التراجع عن القمة العربية الى مستوى القمة الثلاثية بين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية, وربما اقتصر الأمر على المشاورات الثنائية حفاظا على ماتبقى من ماء الوجه, لكن الأدهى والأمر أن تتواتر التصريحات الرسمية العربية والأمريكية, حول جهود تبذل من وراء الستار للتوصل الى صيغة توفيقية تلبى مطالب السلطة الفلسطينية والاسرائيلية فى السيادة على القدس, ولا ندرى كيف يتأتى النجاح لهذه الجهود مع التصريحات الاسرائيلية التى تؤكد رفض تل أبيب العودة الى مفاوضات (كامب ديفيد 3) مالم يتراجع عرفات عن موقفه المتشدد فى (كامب ديفيد 2) وتقديم التنازلات المطلوبة قربانا للتسوية النهائية على مسار السلام الفلسطينى, حتى تظل القدس العاصمة الأبدية الموحدة للكيان الصهيونى! والمعنى أذن ان تنهض الدول العربية المحورية المعنية اكثر من غيرها بالقضية الفلسطينية, بممارسة الضغوط على ياسر عرفات بديلا عن أمريكا, ومن ثم انهالت نصائحها لياسر عرفات بتأجيل اعلان الدولة الفلسطينية فى موعدها المؤجل من قبل الى شهر سبتمبر القادم, وهكذا عندما توجه الى جنوب افريقيا وطلب من نيلسون مانديلا الدعم والمساندة لهذا الخيار, وعده ببذل مساعيه لدى الدول العربية المحورية أولا, بمعنى آخر.. أن ملاحقة أمريكا واسرائيل لجولة ياسر عرفات فى العديد من دول العالم, ماكان لها ان تثنى هذه الدول عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية عند اعلانها, لو لم تستشعر تقاعس الدول العربية عن القيام قبل غيرها بهذه الخطوة, الأمر الذى يقطع بتأجيل اعلان الدولة الفلسطينية للمرة الثانية فى موعد لاحق, تجنبا لتهديد اسرائيل باجتياح أرض السلطة الفلسطينية وقطع المعونة الأمريكية التى تتكفل بمرتبات الموظفين وقوات الأمن الفلسطينية, فضلا عن اتهام ياسر عرفات بمسئوليته عن اجهاض عملية السلام! واذن فقد سقطت الدولة الفلسطينية من بين حزمة الأوراق التفاوضية التى كان ياسر عرفات يعول على زخمها وشرعيتها, ولم يعد بوسعه اعلانها من جانب واحد قبل موافقة اسرائيل سلفا, لكن لأن المصائب لا تأتى فرادى, فمن غير المستبعد أن تتمادى أمريكا فى ضغوطها وتهديداتها لمصر والسعودية لتمرير عملية التسوية وفق الشروط الاسرائيلية, عبر فتح الملفات الجاهزة للابتزاز, ولا نعتقد ان الدولتين عاجزتين عن رد الصاع صاعين, انما مايفوق هذه الالاعيب المشبوهة خطورة على المدى القريب والبعيد, يكمن فى مهددات الأمن القومى وارتهان مصير الصراع برمته لارادة اسرائيل, حيث بات من المتعين على النخب العربية على الصعيد الرسمى والشعبى الشروع في الرصد والتحليل وأهبة الاستعداد من الآن فصاعدا, لمواجهة تبعات تمدد النفوذ الصهيونى فى دوائر ومؤسسات صنع القرار الأمريكى. وعلينا ان نعترف بالنجاحات التى تحققت على هذا الصعيد, بداية بالهيمنة على المناصب القيادية فى وزارات الخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية فى عهد كلينتون, وكسب ولاء الكونجرس لاسرائيل على طول الخط, والتعهد بضمان أمنها وتفوقها العسكرى على مجموع الجيوش العربية فى الأسلحة التقليدية, وغض الطرف عن ترسانتها النووية, مرورا بقصر المسئولية عن ملف النزاع فى الشرق الأوسط على مادلين أولبرايت وطاقم الخارجية الامريكية من اليهود فحسب وبينهم نيس روس, ثم ان ترشيح السيناتور اليهودى المتعصب جوزيف ليبرمان نائبا للمرشح الأمريكى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية آل جور, حدث سياسى غير مسبوق له مابعده من تداعيات وخيمة على مستقبل الصراع العربى الاسرائيلى, وسوف يكون العرب مثل النعام الذى يدفن رأسه فى الرمال حتى لا يرى الخطر المحدق به, فمن اذن يستطيع استبعاد ان يصل ليبرمان أو غيره من اليهود الى سدة الحكم الرئاسى فى أمريكا مستقبلا و.. من هنا أحسب أن ياسر عرفات لم يعد أمامه سوى أن يحزم أمره, فإما ان يحنى رأسه بالموافقة على الاستسلام لاسرائيل والاذعان لمشيئة أمريكا, واما ان يسلم الراية لجيل جديد من القيادة الفلسطينية, ويكفيه فخرا مكانه المرموق فى سجلات التاريخ قائدا للثورة ورائدا للنضال الفلسطينى وصامدا على الحق رغم الزمن العربى الرديء, أو يقلب الطاولة على رأس أمريكا واسرائيل وينزل الى الشارع قائدا للانتفاضة الفلسطينية الثانية! كاتب مصري