لقد شهدت الأسابيع القلائل الاخيرة تدفقا اخباريا متواترا متصاعد الموجات يفيد باتساع نطاق النشاط القتالي المسلح ضد القوات الحكومية في ثلاث دول هي طاجيكستان واوزبكستان وقيرغزستان.. والدولتان الاولتان تجمعهما حدود مشتركة مع افغانستان. العمليات الهجومية القتالية في البلدان الثلاثة تقوم بها تنظيمات اسلامية يعتقد ان هدفها الاكبر اقامة حكومات اسلامية تتوحد في مرحلة لاحقة على هيئة دولة اسلامية كبرى. ولا نحتاج الى تفكر عميق لندرك مدى خطورة الوضع وتداعياته المستقبلية الا ان نستدعي الى الذهن انه بالاضافة الى افغانستان فإن هناك ثلاث دول اسلامية كبيرة تقع في الجوار الجغرافي هي باكستان وايران وتركيا. ويجب ان نأخذ في الاعتبار ايضا ان دول آسيا الوسطى غنية بالنفط والغاز مما يؤهلها لأن تكون (خليج) المستقبل. فما هو موقف كل من روسيا والولايات المتحدة تجاه هذا الوضع المتفجر؟ ان موسكو وواشنطن تلتقيان سياسيا في نظرتهما الى ما يجري على اساس انه انتشار لرقعة (الارهاب الاسلامي) . فهل يعني ذلك ان يقوم تحالف استراتيجي روسي امريكي بغرض ضرب التنظيمات الاسلامية المسلحة في بلدان آسيا الوسطى الثلاثة لإجهاض مخططها؟ إن المشهد على ارض الواقع الاقليمي ليس بهذه البساطة. ذلك ان عنصر التنافس بين القوتين الخارجيتين اعظم من اغراءات التحالف. هذا على الأقل ما ظل يجري بالفعل لمدى السنوات الاخيرة. فالولايات المتحدة ترى في تصاعد المد الاسلامي في آسيا الوسطى اضعافا للوجود الروسي هناك.. وروسيا ترى في العمل القتالي العسكري للتنظيمات الاسلامية على نحو ما هو حاصل تهديدا مرغوبا فيه لنشاط شركات النفط الامريكية العاملة في اعمال انتاج وتنقيب في المنطقة. ويقوم الآن التنافس على اشده بين موسكو وواشنطن لاستقطاب الأنظمة الحاكمة هناك. ومع ذلك, فإن كلا الدولتين الكبيرتين تراهنان على جواد خاسر. فالأنظمة الاستبدادية الحاكمة في بلدان آسيا الوسطى الثلاثة المذكورة أنظمة هشة وفاسدة ومكروهة شعبيا. وليس من الصعب التنبؤ بأنها لن تستطيع الصمود أمام الزحف القتالي للمنظمات الاسلامية المسلحة خلال السنوات القلائل المقبلة. على ان الموعظة الكبرى تتمثل في ان الولايات المتحدة تدفع الآن ثمنا اضافيا لمغامرتين تاريخيتين أقدمت عليهما بقليل من الحساب الدقيق وكثير من قصر النظر: هاتان المغامرتان هما تشجيع الجهاد في افغانستان ضد الوجود السوفييتي هناك من ناحية واستهداف وجود الاتحاد السوفييتي نفسه كدولة عظمى حتى انهار كيانه من ناحية اخرى. كلا المغامرتين افرزتا عند نهاية المطاف عنفوانا اسلاميا جارفا. واذا كان هذا العنفوان الاسلامي انتهى في الحالة الاولى الى قيام نظام (طالبان) فإن الحالة الثانية, وهي نهوض تنظيمات اسلامية مسلحة في دول آسيا الوسطى المجاورة هي نتيجة مباشرة للحالة الافغانية ونتيجة غير مباشرة لتفكك نسيج الاتحاد السوفييتي. فالوضع الاسلامي الذي تبلور في افغانستان هيأ قاعدة سياسية وعسكرية جاهزة لشباب آسيا الوسطى المتطلع الى اعادة اثبات هويته الاسلامية بعد عقود متصلة من الاستعمار الشيوعي السوفييتي. وهذا تطور جاء متزامنا تماما مع زوال سطوة موسكو على شعوب آسيا الوسطى كنتيجة لانهيار الامبراطورية السوفييتية. والآن, ومع تصاعد المد الاسلامي المسلح يبدو انه قد جاء ايضا دور الانظمة الحاكمة التي خلفها الاتحاد السوفييتي البائد في دول آسيا الوسطى.