كيف نواجه الاوضاع الحالية للثقافة العربية؟ وكيف نسعى الى تطويرها والانتقال بها الى آفاق اوسع؟ وكيف تسهم ثقافتنا العربية في التنمية الشاملة للمجتمع؟ اسئلة لا تزال تلح على ذهني, ولا تزال تدفعني الى (التفكير فيها) والبحث عن اجوبة لها, ادراكا لأهميتها, ووعيا بدور الثقافة الاساسي في نهضة الامة والارتقاء بها الى المستوى المأمول من أحلامها والحق انه تعمق تفكيري في البحث عن اجابات لهذه الاسئلة, ومحاولة الوصل بين هذه الاجابات وبين المشكلات الثقافية التي نعانيها, يتزايد ادراكي بأنه لا جدوى من اي تفكير قطري منعزل من مشكلات الثقافة العربية, وان الاجابات الصحيحة يجب ان تصل بين الآفاق القطرية والقومية والانسانية على السواء, خصوصا بعد ان اصبحنا نعيش في عصر تداعت فيه الحدود, وتحطمت فيه الحواجز, واصبح الكوكب الارضي كله اشبه بقرية كونية صغيرة تتواصل علاقاتها وتتكاثف اتصالاتها بسبب الثورة الهائلة في تكنولوجيا المعرفة والاتصال. لكن هذا كله لا يمنع من تأكيد خصوصية الثقافة العربية, خصوصا من منظور مشكلاتها الخاصة في علاقتها بمتغيراتها, فهي ثقافة يسعى حاضرها الى ان يتحرر من قيود ماضيه الجامد بواسطة العناصر الموجبة في ماضيه الحي. وهي ثقافة تريد ان تعيش افاق العصر مع الحفاظ على هويتها الخاصة, وهي ثقافة لا تزال تعاني علاقات الاتباع والتبعية وتتمزق ما بين اقصى امكانات التقدم واقسى وقائع التخلف, الامر الذي يفرض على المثقف العربي المحدث بوجه خاص ما ليس مفروضا على نظيره في العالم المتقدم, فهو مثقف مقدور عليه ان ينظر بعشرات الاعين ويسمع بمئات الآذان, ومحكوم عليه ان يعاني التفكير على مستويات متعددة وفي مجالات متباعدة في وقت واحد, ومكتوب عليه بحكم تاريخه الخاص التوتر بين اقصى شروط التقدم التي يراها ويسمع عنهاواقسى شروط التخلف التي يعيشها. ويحاول الخلاص منها باحثا عن افق جديد للابداع الذاتي الذي يحقق له اكتمال هويته في عالم متعسر, يذوب فيه كل ما هو صلب, ويتبخر في الهواء. تلك هي الخصوصية الثقافية التي نعايشها, والتي ينبغي الانطلاق منها . ومواجهة مشكلاتنا الثقافية من منظورها, مواجهة جديدة اكثر جذرية, حتى نقتحم الآفاق الواعدة للقرن الحادي والعشرين. ولكي تتحقق هذه المواجهة الجديدة افكر في الاقتراحات التالية بوصفها نوعا من التفكير بصوت مرتفع, والتأمل الذي يطلب مشاركة الاخرين في النظر الى مجموعة من الحلول المتضافرة المتفاعلة في كل مستوياتها التي لا ينفصل واحد منها عن غيره: اولا: المستوى المحلي الوطني: 1ـ لابد من تآزر الاجهزة والمؤسسات والهيئات العامة والخاصة الحكومية وغير الحكومية وذلك لاشاعة ثقافة التنوير التي تواجه التعصب والتطرف والنزعات الاصولية وتستبدل بها نقائضها التي تفتح ابواب المستقبل الواعد. ومن الضروري ان تعمل عمليات اشاعة هذه الثقافة من مشروعات جديدة للاصلاح الاقتصادي والتحديث المادي على السواء, فتضافر الحداثة والتحديث هو الشرط الاولى للتقديم ولا معنى لتحديث دون حداثة ولا وجود لحداثة فكرية او ابداعية في غيبة علاقات التحديث المادية. 2ـ ويعني ذلك الايمان بدور ثقافة المستقبل في التنمية الشاملة للمجتمع, ويترتب عليه ان نستبدل بتقليد الماضي الجامد ابتداع المستقبل المتحرك, وتحرير القدرات الابتكارية للمواطن على النحو الذي يفرض اعادة النظر في الاستراتيجيات التثقيفية والاعلامية والتعليمية. ولا يعني ذلك ـ بالقطع ـ الغاء التراث او التفكير الماضي, وانما الانطلاق من عناصره الايجابية بوصفها دافعا الى التقدم الذي لا يتوقف عند حد. 3ـ وتترتب على ذلك ضرورة الايمان بالعلم بوصفه مكونا جذريا من مكونات الثقافة والايمان بالتقدم العلمي بوصفه الوجه الآخر من ثقافة المستقبل التي تستلزم حرية الابداع وحق التجريب, وتشجيع المغامرة الخلاقة للافراد في البحث والاكتشاف, تلك الثقافة التي تستلزم الافادة القصوى من تكنولوجيا الاتصالات الحديثة, بما يؤدي الى تحقيق عدالة توزيع المنتج الثقافي. 4ـ اتاحة الحرية للمواطن في الاختيار, في ظل تنشئة ثقافية عقلانية وتنشئة اجتماعية سمحة تساعد على الاختيار الموجب الذي يدفع بذلك المواطن الى الاسهام الابداعي في الحياة المتطلعة الى الامام, مؤمنا بانسانيته التي لا يتناقض فيها المحلي مع العالمي او يتنافر فيها الاقليمي مع القومي ممارسا حريته الابداعية التي هي الوجه الآخر من حريته السياسية والاجتماعية في سباق ثقافي يشجع المبادرة الفردية. 5ـ ويفرض ذلك تأكيد الرؤية الحضارية الشاملة بالمعنى الذي لا يعزل مشكلات الثقافة عن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وذلك من منظور يضع مشكلات الثقافة في القلب من شبكة المشكلات الحضارية المتفاعلة, في عالم متحول يحاول ان يتوجه الى تجسيد قيم التنوع الخلاق. ثانيا: المستوى القومي: 1ـ الاعتماد المتبادل تخطيطا ودعما لمواجهة المخاطر التي تهدد قيم التنوير في الثقافة القومية وتهدد كل الاقطار دون تمييز قطر عن قطر. 2ـ البحث عن صياغات جديدة للتعاون الاقتصادي الذي يستثمر فائض الثروة العربية في العمل الثقافي, سعيا الى اشاعة ثقافة الاستنارة التي تحقق المستقبل الامثل للجميع, وبحثا عن تكامل يقوم بتوظيف الثروة والقدرة, فيحقق التناغم بين ثراء العقول وثراء الارصدة. 3ـ الحوار المتكافىء الاطراف, وذلك من المنظور الذي يؤمن بتعدد المراكز الثقافية وضرورة تنوعها واختلافها, ما ظل الهدف النهائي هو الانتقال بالانسان العربي من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية, ومن التخلف الى التقدم. 4ـ التسامح السياسي والفكري والاعتقادي الذي ينبني على حق الاختلاف وحرية الاجتهاد ما ظل هذا الحق, وما ظلت هذه الحرية, بعيدين عن المدار المغلق للتعصب والتطرف. ثالثا: المستوى العالمي: 1ـ الاعتماد المتبادل بين الشعوب والامم, والانتقال مع صيغ الهيمنة الثقافية الى صيع الحوار والانجاز المشترك والتفاعل المستمر. 2ـ احترام الخصوصيات الثقافية تأكيدا لوحدة الانسانية التي تقوم على التنوع, واعترافا بحق الاختلاف, وتقديرا للخبرات الابداعية التي تختلف باختلاف التجارب الانسانية وتستلزم ذلك البحث عن آليات جديدة للحوار الذي يفيد من الاختلاف في تعميق الابعاد الانسانية للتقدم. 3ـ الانتقال من عقلية الاستهلاك الى عقلية الانتاج التي يتحول بها ابناء الانسانية الى مسهمين فاعلين في الابداع الثقافي للانسانية كلها, ادراكا منهم انهم ابناء عائلة كبيرة متكاملة, متكافئة الاطراف, لا تمييز فيها بين شرق وغرب, او شمال وجنوب, او عوالم اولى وثانية وثالثة, فقيرة او غنية, بل مجموعة انسانية متجاوبة متعاونة يفيد بعضها من بعض, بما يؤكد قدرة الجميع على التصدي المشترك للمشكلات الكبرى التي لم يعد بوسع اية دولة بمفردها مواجهتها او التغلب عليها.