ما كان متوقعا أصبح واقعا, وما كان محتملا أصبح ممكنا, وما كان مجرد اشاعة أصبح الآن شائعا, فالعالم لم يعد قرية صغيرة, بل أصبح واحدة من أصغر غرف الدار, والدنيا قاطبة في الانتظار على المدار من أجل حفنة أخبار تتناقلها الأفواه في نيويورك فتسمعها الآذان في نيودلهي. على مدى أيام الاسبوع الماضي كان معظم الناس في أصقاع الدنيا المختلفة يتابعون فاجعة طائرة طيران الخليج التي تحطمت في مياه الخليج, فأودت بحياة جميع ركاب وطاقم الطائرة.. وكانت المفارقات العجيبة للحادث والمفاجآت الغريبة لضحايا الطائرة والمواقف الإنسانية المؤلمة لأسرهم. وبعيدا عن الحادث وما خلفه من مآسٍ وعن سقوط الطائرة والأسباب التي أدت إلى ذلك وهل هي بسبب خلل فني أم خطأ بشري وددت أن أبحر في شيء لفت نظري إبان محنة الطائرة وهو المتابعة الاعلامية الدقيقة التي قامت بها شبكة (سي. ان. ان) منذ لحظة سقوط الطائرة وما تلا ذلك من محاولات انتشال الجثث وحالات الذعر التي أصابت أهالي الضحايا, والمؤتمرات الصحفية للمسئولين في البحرين وشركة طيران الخليج وكافة الأمور المتعلقة بالحادث.. وبالطبع الأمر الآن لا يخضع لوضع مقارنة بين الذي قدمته شبكة (سي. ان. ان) ومحطاتنا العربية والتي كان معظمها مستمرا في بث برامجه العادية وتقديم فواصل من الموسيقى والغناء والرقص وبرامج المسابقات و(ما الك إلا هيفا) ولا أريد الدخول في مسألة الامكانات المالية والكوادر البشرية والتسهيلات الفنية وغير ذلك فلدينا بعض المحطات التي تتمتع بالامكانات المادية الهائلة لكنها في الوقت نفسه تعج بالكوادر البشرية الهايفة! إنها ليست المرة الأولى التي تتفوق فيها شبكة تلفزيونية أجنبية في تغطية حدث عربي دماً ولحماً على محطاتنا العربية. فحرب الخليج الثانية كانت البداية وكانت الاختبار الصعب, وجاءت كارثة طيران الخليج لتصبح الضربة القاضية لمحطاتنا. وخلاصة القول إذا كانت كارثة الطائرة التي تحطمت في مياه الخليج قد حررت شهادة وفاة لجميع ركابها وأفراد طاقمها.. فإن شبكة (سي. ان. ان) حررت شهادة وفاة لمحطات تلفزيوناتنا العربية التي لم تفق من غيبوبتها المستمرة بعد. ويبدو ان التحضير لفوازير رمضان قد شغلها عن الاهتمام بتغطية أحداث كارثة طيران الخليج.. في وقت بات فيه أمر التحرك سهلا والمشاركة في تغطية الأحداث المهمة واجبا, ومسألة المنافسة الاعلامية هدفا يسعى له الجميع إلا من رحم ربي! تاج السر أبو سوار