القطة أو الهرة أو البسة لم يكن لها ابدا مكان فى خريطة حياتى, فلقد كان أبى مشغولا بأمن أسرته ولذلك كان ينتقى لنا دائما كلب حراسة من أشرس الأنواع وكان يدخل الكلب الصغير حياتنا, فترتبط به شيئا فشيئا. ولا اعتقد أننى رأيت دموع ابى الا عندما مات الدوتشى, والدوتشى هنا ليس موسولينى حاكم إيطاليا العتيد بل كلبنا الذى عاش معنا اربعة عشر عاما ولقد احببت الكلاب الثلاثة التى عاشت فى بيتنا. لكننى لم احب أى كلب آخر وبالطبع لم تكن القطط مسموحا لها بالاقتراب واذكر ان كلبنا دخل الى ملحق للمنزل الريفى الذى كنا نعيش فيه ففوجئ بوجود قطة ولعلها هى التى فوجئت فلقد قفزت تريد عبور جدار يصل طوله الى طول طابق فى الزمن القديم أى ربما كان أكثر من أربعة أمتار. ودارت معركة فى ثوان بين الكلب الشرس الذى لا يسمح لقطط أو بشر او حتى كلاب بالتواجد فى دائرة ميل و بين قطة بائسة أوقعها الحظ السيئ فى هذا المكان وكل ما أرادته أن تهرب وتنجو بحياتها فتقفز قفزات هائلة لكنها تظل دون ماراثون الأربعة أمتار وكلما سقطت حاول الكلب ان يهاجمها فتعود الى القفز مرة أخرى وانتهت المعركة بسقوط القطة ميتة. وحتى الكلب دهش لما رأى فوقف مذهولا وكأنه كان يتخيل انها لعبة فلما انتهت إلى جد أحس بالحزن أو ربما أحس بفقدان اللعبة بعد ان غدرت به وماتت. أما انا فلقد كنت فى مطلع الصبا وها أنا أرى قطة تحدث بهذه الطريقة الغريبة فلم اصدق. وحملتها الى جارنا الطبيب البيطرى اليونانى. أردت ان اعرف منه ما حدث فقال لى انها سكتة قلبية. ولأول مرة وربما لزمن طويل اعرف ان الحيوان يخاف الى حد الموت وان هذا الخوف قد يقتله حتى قبل ان تصل اليه مخالب عدوه, وفى مسلسل سقوط الطائرات اتت المحطات الفضائية والارضية بكل من هب ودب ليفتى فيما حدث وقال احدهم وكان يرتدى ملابس طيار انه عند حدوث كارثة فى طائرة يحدث ركابها حتى قبل الانفجار وكانت امي رحمها الله عندما نخطئ فى كلام يضر الآخرين تقول ان (الملافظ سعادات) ولم اؤمن بكلمات كإيماني بهذه الكلمات فعلا (الملافظ سعادات) . المهم اننى عرفت ان القطة البائسة ماتت بالسكتة القلبية وتوقفت ذاكرتى عند هذه اللحظة. ورغم مرور سنين طويلة الا اننى اتذكرها احيانا كل يوم. واحيانا كل اسبوع واستعيدها بلونها الغريب بين الرمادى والازرق ونظرة الذعر فى عينيها. واعتقد ان هذه القطة القتيلة كانت الوحيدة على خارطة حياتى الى الشهر الماضي. فلقد كانت تجرى بعض الامور فى بيتنا ونحن نعيش حياة هادئة ونادرا ما تجرى امور. وفى هذا الوقت كان الباب مفتوحا على مصراعيه. وكما ترى هو تعبير أكثر مما هو حقيقة فالباب الآن له مصرع واحد! ولما انتهت الأمور راحت زوجتى (نطة) فى قلب الشقة. ووحدى اتخيل الانزعاج الذى اصابها, فهى لا تطيق أن يفسد شيء نظامها. وعندما يأتى اخواننا فى التلفزيون للتسجيل معى فى البيت, أخشى عليها من حالة الرعب التى تصيبها. لا تطيق من أحدهم أن يغير موقع مقعد أو طاولة, أو أن يدوس بقدميه بغلظة على شيء ما, أو يطفئ سيجارته فى بقايا القهوة! ولذلك فأنا اتخيل ما شعرت به زوجتى وهى ترى هذا (الدخيل) يجول فى البيت بلا رحمة. وبداهة أرادت تخويفها بالقوة, فهددتها بالضرب ان لم تخرج. ولكن القطة كانت مصممة على البقاء. وكانت زوجتى قد أخطأت عندما هددت باستخدام القوة وهى لا تنوى هذا. فمن أولى قواعد استخدام القوة الا تهدد بها الا اذا كنت تنوى استخدامها. وفى التوقيت المناسب, وبالقدر الكافى ولم تكن زوجتى تنوى أبدا استخدام القوة, ولا تستطيع هذا انسانيا ونفسيا. ولكن القطة لم تعرف هذا. رأت تهديدا. وفهمت انه تهديد. وانتقلت زوجتى من مرحلة التهديد الأجوف الى مرحلة التدليل, وكان ذلك عندما تعلقت القطة بستار, فمدت يدها برقة لتحمل القطة وتخرجها الى حيث كانت. وبالطبع لم تفهم القطة, للأسباب سالفة الذكر. انها تعاملها برقة, فلقد ثبت فى ذهنها التهديد. وعندئذ دافعت القطة عن نفسها بأن التفتت وعضت أصبع زوجتى! ومن هذه اللحظة سارت القصة فى مسار آخر تماما. ما أعرفه ان الانسان اذا عضه حيوان خاصة اذا كان غير معروف, المقصود الحيوان لا الإنسان, فعليه أن يأخذ واحدة وعشرين حقنة فى بطنه. وهو عقاب يفوق أى مرض الا السعار والجنون والموت. ولكن اكتشفنا ان الطب تقدم وأنها ليست الا خمس حقن, وانها ليست فى البطن بل فى الكتف. ولها جدول غريب. وبعد أن بدأت البرنامج لامنا بعض أصدقائنا قائلين ان هناك برنامجا من ثلاث حقن فقط. ويبدو أن الطب يتطور بسرعة لأننا عندما كنا فى الاسكندرية أتينا بطبيب وعندما قلنا له ان الحقنة تؤخذ فى الكتف أبدى دهشة كبيرة. وكان سعيدا لأنه يعطى حقنة فى الكتف لأول مرة. ولأول مرة فى حياتى الطويلة اتابع مايقال عن القطط. واكتشفت انها شريك فى حياتنا وأنا لا أعرف. ولست وحدى الذى لا أعرف, فلقد كنت ناقدا (رايق) ان نجيب محفوظ لم يكتب كلمة واحدة عن قط أو كلب. وفى الفترة نفسها التى حدثت فيها معركتنا مع القطة قرأت ان رجلا كان يعيش وحده الا مع مجموعة من القطط. ومات الرجل, ولكن القطط ظلت تحرس جثته. وحتى عندما اقتحم رجال الاسعاف البيت, قاومتهم القطط مقاومة شرسة, واضطروا إلى اللجوء لرجال المطافئ الذين أبعدوا القطط بطرق لم تعلن عنها الصحف وأظنها قاسية. وأعرف أن الحيوانات تحب من يحسن معاملتها, ولكن لم أكن أظن أن يصل الأمر بالقطط الى هذا الحد. خاصة أن رد الفعل للقطة ازاء صاحبها قد يكون عدوانيا وهو أمر يختلف عن الكلاب التى تحتمل من أصحابها الكثير, ولا ترد الهجوم بالهجوم. أرأيت الى أى حد أتحدث عن هذه الحيوانات, وكأننى خبير بها؟! ومع ذلك فأنا أعرف (الكثير) عن الحيوانات وانها قد تتشابه معنا أحيانا تشابها كبيرا. وأذكر ان ابنى عندما كان طفلا كان يعنى مثل كل الأطفال ان يكون لديه طلب وعندما كان يقترب عيد ميلاده ويسأله أحد عن هديته التى يريدها, يقول له: أريد كلبا! ولأننى لا أحب الكلاب أو القطط أو الحمير أو الخراتيت أو القرود.. فلقد اعتذرت له عن تحقيق الحلم. لكن خاله أراد أن يحقق له هذا الحلم, فأتى له بكلب كان يوم دخوله إلى بيتنا عيدا. وسألناه أى الخال عن فصيلة الكلب فلم يجد جوابا. واتضح فيما بعد انه وجده ضالا فى الصحراء فأتى به. وكان (أغرب) كلب رأيته فى حياتى فلقد كان خائفا من الجميع, وخائفا من كل شيء حتى المقاعد. ولكن عوضى الحقيقى لم يظهر الا عندما دخل غرفتي ووقف امام المرآة فرأى نفسه. تلك كانت الضربة القاضية. فلقد أصابه (انهيار عصبى) وكانت المرة الثانية التى أعرف فيها ان الحيوانات تصاب بأمراض البشر, وكانت الأولى عندما اصيبت القطة بالسكتة القلبية. وظل المسكين ينبح مذعورا, وفى عينيه رعب شديد, حتى هاج علينا الجيران الذين شاركونا الحرمان من النوم. وفى النهاية أخذوه الى حيث كان الى الصحراء. ونعود الى القطط لأرى فى الصحف ان شرطة المانيا وبريطانيا تعاونت مع الانتربول لاستعادة القط تونى واحست بالاطمئنان فاذا اهتمت الشرطة العالمية مع الشرطة فى بريطانيا والمانيا فى حالة اختطاف قط, فلابد انها ستهتز لو ان أحدا حاول اختطاف العبدلله! ولكن خاب أملى عندما عرفت ان ثمن تونى فى السوق العالمية 38 ألف دولار. ولا أعرف كم ثمنى. ولكن الانسان فى بلادنا أرخص من هذا بكثير. والدليل على ذلك التعويضات التى تدفع. وفى الحقيقة لا اعتراض لدي ان يكون ثمن الواحد بيننا رخيصا, لكننى اتساءل فى خجل: لماذا ثمن تونى يرتفع الى هذا الحد؟! المؤسف ياسادة انهم لم يجدوا تونى حتى الآن. وأنا متأكد انكم لن يغمض لكم جفن مثلى, حتى تأتى الاخبار بان تونى ذا الـ 38 ألف دولار قد عاد الى بيته وفراشه الوثير. ادعوا معنا!