قليلون جدا هم الذين يعرفون اسم (الجنرال تيفنج) ولكن عندما يكتب التاريخ الكامل للتمرد في جنوب السودان فإن المؤرخين قد يطلقون عليه لقب (قرنق الاول) . فقد كان تيفنج اول قائد لأول تنظيم عسكري متمرد يتصدى لجيش الحكومة السودانية. اول حركة تمرد في جنوب السودان انطلقت في عام 1955 قبيل بضعة شهور من اعلان استقلال البلاد حيث اشعلتها مجموعة من الضباط وصف الضباط والجنود الجنوبيين في اقليم (الاستوائية) وتطورت بسرعة مذهلة الى مذبحة راح ضحيتها مئات من المدنيين الشماليين. ورغم ان الحركة اخمدت بسرعة في غضون بضعة اسابيع الا ان مجموعة العسكريين الجنوبيين المتمردين تمكنوا من الافلات وعبور الحدود الى يوغندا المجاورة. ومع هروب عدد من السياسيين المدنيين الجنوبيين لاحقا عبر الحدود تبلور خلال السنوات الثماني التالية تنظيمان في الخارج (يوغندا وكينيا): تنظيم سياسي مدني باسم (الاتحاد الافريقي الوطني السوداني) ,واطلق عليه مختصر (سانو) تبعه في مرحلة تالية انشاء تنظيم قتالي من العسكريين اطلق عليه (انيانيا) (اسم حشرة سامة في الجنوب السوداني). ومن هنا يدخل اسم (الجنرال) تيفنج صفحات التاريخ كقائد لهذا التنظيم القتالي الرائد. كان ذلك في عام 1963. وبعد عشرين عاما بالضبط يظهر العقيد جون قرنق ليبدأ حركة تمرد جديدة مستوحيا سلفه (الجنرال) تيفنج في اعتماد القتال المسلح منهجا ونبذ الاسلوب السياسي. والسؤال: ما الذي اغرى قرنق بأن يتخذ مثلا اعلى من (انيانيا) العسكرية وليس من (سانو) السياسي) ؟ الاجابة عن هذا السؤال تعود الى عام 1965. في تلك السنة عقد للمرة الاولى مؤتمر جامع في الخرطوم تحت اسم (المائدة المستديرة) جمع القادة السياسيين الجنوبيين مع رصفائهم الشماليين من اجل وضع حل نهائي لمشكلة جنوب السودان عن طريق التفاوضي السلمي. واذا كان ذلك المؤتمر الذي عقد في الخرطوم قد وصل الى طريق مسدود فإن الدرس الذي لابد ان جون قرنق استخلصه من تلك التجربة التاريخية الفريدة (وكان في ذلك الحين طالبا) هو ان اليد العليا في الوسط الجنوبي كانت للعسكريين لا للسياسيين المدنيين. ان سبب فشل المؤتمر في الحقيقة هو تصلب (الجنرال) تيفنج وتنظيم (الانيانيا) القتالي رغم ان هذا التنظيم رفض المشاركة في المؤتمر. فمن وراء ستار وعبر المسافات الطويلة من ميدان القتال كان الجنرال تيفنج يرسل أوامره الى السياسيين الجنوبيين المشاركين في المؤتمر على اختلاف رؤاهم واحزابهم. كان مطلب تيفنج ليس اقل من الاستقلال الكامل لجنوب السودان. ولما لم يكن زعماء الشمال مستعدين انذاك لمثل هذه النقلة الجريئة فإن فشل المؤتمر كان حتميا. والخلاصة من منظور قرنق حينئذ كما هي الآن, ان (لوردات الحرب) وليس السياسيين هم الذين يستأثرون بمجد القوة والتسلط. غير ان استخلاص قرنق اوسع مدى. فالجنرال تيفنج كان مليونيرا بالاستفادة من الدعم الخارجي المالي. وكان الداعم الرئيس للتمرد في الستينيات هو اسرائيل. ومن هنا كان الدافع الحقيقي غير المعلن تصرف الجنرال تيفنج تجاه مؤتمر السلام في الخرطوم في ذلك الحين هو مواصلة الحرب حيث ان انهاء الحرب سوف يسلبه السطوة والمجد الشخصي والتسلط.. لأن الدعم الخارجي سيتوقف حتما. وعندما وصف الصادق المهدي قرنق قبل ايام بأنه يتعمد اعاقة الوفاق الوطني السوداني فإنه كان يردد اصداء التاريخ القريب.