كان يوم 20 اغسطس الحالي موعدا روسيا مع التاريخ فيه واجهت روسيا ماضيها بقوة وشجاعة في تظاهرة اعتبرها الملاحظون رمزا حضاريا من رموز قوة روسيا.. في زمن رديء يوحي بالعكس تماما. فالجيش الروسي يعاني من كارثة الغواصة (كورسك) ومن سوء تعامل الحكومة والرئيس فلاديمير بوتين مع هذه الكارثة والاقتصاد الروسي يعاني من انهيار الروبل وضياع ثقة المستشمرين الدوليين في روسيا بسبب تفشي ظاهرة المافيا وتوحش الليبرالية الروسية الوليدة والسياسة الروسية تعاني من تصلب شرايين المؤسسات الدستورية وتعملق الجثة الشيوعية الهامدة بدبيب الحياة في اوصالها مع زعيمها جينادي الاحمر والثقافة الروسية عادت لسالف ضمورها وانطفائها الذي عاشته على مدى سبعين عاما, بعد التوهج الادبي والفني الروسي على ايدي سولجينتسين وشيخوف ودستويفسكي, وتولستوي وجورجي وباسترناك واصحاب جائزة ونوبل للآداب على مدى قرن ونصف القرن. كان يوم الاحد الماضي يوم تعميد القيصر نيكولاي الثاني قسيسا وشخصية مقدسة في الدين المسيحي من قبل الكنيسة الروسية في احتفالات لم تقاطعها لا الحكومة ولا الاحزاب ما عدا الحزب الشيوعي الذي كان مسئولا عام 1918 عن اغتيال القيصر واسرته وحرسه في مأساة فظيعة لم تنكشف اسرارها الى يوم الناس هذا. ولكن ما هو مؤكد اليوم باتفاق كل المؤرخين ان لينين هو نفسه الذي اعطى الامر بقتل القيصر وعائلته تمثلا بقتل ملك فرنسا (لويس السادس عشر) وزوجته (ماري انطوانيت) فيما سمي بالثورة الفرنسية عام 1789. فبينما كانت العائلة القيصرية تنام مطمئنة ليلة 17 يوليو 1918 بعد شهرين من العذاب والملاحقة والقمع والبهتان حل القتلة بالبيت الذي يقيم فيه نيكولاي الثاني واسرته واعلموا القيصر ان لديهم اوامر بنقلهم الى مكان آمن بسبب اقتراب الثوار من المدينة, وشرع القيصر يرتدي ملابسه وكذلك فعلت الامبراطورة (الكسندرا فيدوروفنا) والاسرات (ألغا 22 سنة) و(تاتيانا 21 سنة) و(ماريا 19 سنة) و) اناستازيا 17 سنة) وكذلك ولي العهد الامير (الكس 14 عاما) وطبيب العائلة المخلص الدكتور (بوتكين) وثلاثة من الخدم الذين لم يقبلوا التخلي عن العائلة القيصرية وواصلوا خدمتها بدون مقابل. قام المجرمون بإنزال افراد الاسرة الى دهليز البيت بعد ان اوهموهم ان العربات مقبلة لتأخذهم الى مكان آمن.. ثم جاءت كتيبة من الجيش الاحمر واخذت تطلق النار على القيصر وبناته وأولاده وزوجته واجهز عليهم الجند بالسيوف وسرقوا المجوهرات في حين كانت شاحنات الجيش امام البيت تشغل محركاتها وتطلق صفاراتها لتغطي على اصوات اطلاق النار حتى لا يعلم الشعب شيئا عن الجريمة. وبعد الجريمة وعلى مدى شهور طويلة ظل السر قائما وظل رجال الحرس يحرسون البيت كما لو كان سكانه احياء يرزقون, وبعد اكتشاف المجزرة اصبح بيت (ايباتياف) الذي شهد الجريمة محجا للمواطنين الروس يزورونه افرادا وجماعات ويوقدون فيه الشموع قربانا لارواح عائلة رومانوف وحين تفاقمت ظاهرة زيارة بيت (ايباتياف) وتضايقت السلطة الشيوعية في الاورال من تصاعد الشعور القيصري ضدها, تم تدمير البيت ومسحه من وجه الارض بإذن خاص وحازم من الأمين العام للجنة المركزية الشيوعية بإقليم الاورال في السبعينيات الذي كان اسمه (بوريس) ولقبه (يلتسين) , وهو نفسه الذي اصبح رئيس روسيا بعد حوالي عشرين عاما, وهو نفسه الذي سينحني بخشوع أما رفات القيصر المظلوم وعائلته المسكينة, وهو نفسه الذي سيعلن يوم 17 مايو 1998 بأن (على الشعب الروسي ان يطلب الصفح من ضحاياه) !! ما أغرب تقلبات التاريخ وما أكثر عبره القاسية وما اقل الذين يعتبرون بها. وقديما قال الامام علي كرم الله وجهه فيما نقله الشريف الرضي: (ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار) . ها نحن نشهد اعادة الاعتبار للقيصر المغدور بعد ان انهار نظام الشيوعية على رؤوس اتباعه وتجاره ولم يبق منه أي اثر. وها نحن نرى اغلب شرائح الشعب الروسي تلتف حول أمير شاب هو حفيد القيصر واسمه (جورجي رومانوف) بأمل عودته الى عرش اجداده... وفي انتظار ذلك قام اسقف روسيا الأكبر (أليكس الثاني) في اليوم نفسه الذي دفن فيه رفاة جده بتعميد هذا الأمير الشاب في كاتدرائية (سان سارج) لتكريس الثنائية العريقة القائمة بين الكنيسة الروسية وعائلة رومانوف, مثلما كان الأمر عبر القرون. وبعد ذلك يبقى أغرب ما في هذا الحدث هو اصرار نهر التاريخ على الرجوع الى مساره الطبيعي رغم محاولات تحويله عن مجراه... ففي الحضارة كما في الطبيعة يستحيل خروج نهر واثق عن الخط الذي ولد فيه وتدفق. أستاذ بكلية الاعلام ـ جامعة قطر