تؤكد حادثة الغواصة النووية التي غرقت منذ ايام ابان تدريبات ضد الناتو بأن الحرب الباردة لم تنته, ولكنها تؤكد بالوقت نفسه ان الحرب الباردة يصعب ادامتها الا بالشكل, بينما في الجوهر تدفع روسيا ثمنا، كبيرا في ظل هذا النمط من المواجهة الباردة. فروسيا اليوم لديها دخل وطني لا يزيد عن الدخل السويسري لكنها تمتلك ميزانية عسكرية تصل الى خمسة مليارات دولار. لهذا فإن اعادة النظر بهذه الميزانية سوف تكون من اولويات الرئيس الروسي في المرحلة المقبلة, كما ان روسيا بحاجة الى تركيز اكبر على التنمية الاقتصادية ونهضة تتجاوز التنافس العسكري. في هذا المجال تعود رؤية ميخائيل جورباتشوف الزعيم الروسي الذي انهى تجربة الاتجاه السوفييتي لتفرض نفسها, فجورباتشوف ركز على الحد من التسلح وعلى التنمية كوسيلة من وسائل نهضة روسيا. وهو لم يكن يحلم بعيدا فأمامه النهضة الالمانية بعد الحرب الثانية وامامه النهضة اليابانية فهذه نماذج غيرت طريقها من خلال تغير نظرتها للقوة والتنافس لصالح قوة العلم والاقتصاد. وبينما تواجه روسيا مأزقا في اختيارها لاحد الطريقين نحو المستقبل: العسكري ام التنموي, نجد ان الولايات المتحدة وهي الدولة الكبرى المتبقية اليوم لا تواجه هذا المأزق الآن. ففي هذه السنوات حققت الولايات المتحدة اكبر تقدم ودخل لها في تاريخها, ونجحت في التحول نحو صناعة المعرفة والتكنولوجيا الجديدة المرتبطة بها. وقد عملت كل ذلك في ظل المحافظة على تفوقها العسكري, اذ يصل تعداد القوات الامريكية الى مليون واربعمئة الف عسكري (وهذا اقل بحوالي ثمانمئة الف من رقم الحرب الباردة), كما تقلص الجيش الامريكي من ثماني عشرة فرقة الى عشر فرق, وتقلص سلاح الطيران بنسبة النصف اي من حوالي الف وخمسمئة طائرة الى تسعمئة طائرة وتقلص ايضا من 512 سفينة مسلحة الى 315 سفينة مسلحة. كما ان حاملات الطائرات الامريكية تقلصت هي الاخرى من ثلاثة عشر الى اثنى عشرة. لكن مع ذلك فإن مصروفات التسلح الامريكية هي اقل بنسبة لا تزيد عن الربع نسبة لمصاريف الحرب الباردة في زمن الرئيس ريجان. وقد تحولت الرؤية الامريكية الآن نحو خوض حربين في الوقت نفسه في اقليمين في العالم وتتطور النظرة الامريكية للحرب لتحقيق ذلك بسرعة وبكثافة. وهذا يعني تطوير القدرة على انتقال القوات وتجهيز الجيش ليلعب دوره في هذا المجال. وبينما تواجه روحية التنافس البارد بين الدول المسيطرة والمتنفذة ومنها روسيا والصين واوروبا, مأزقا حقيقيا وذلك في ظل المقدرة الامريكية على ادامة التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي, نجد ان روحية هذه الحرب مستمرة في عالمنا النامي وذلك من خلال سباق تسلح تغذية حالة فقدان الامن السائدة في منطقة الشرق الاوسط وفي دول العالم النامي. وبينما تصدرت الولايات المتحدة قائمة المصدرين اذ سيطرت على ثلث الاسواق من حيث المبيعات التي وصلت الى احد عشر مليار دولار لعام 1999, نجد ان روسيا هي الاخرى ضاعفت مبيعاتها الخاصة بالتسلح لتصل الى خمسة مليارات دولار. ويتم كل هذا على حساب التنمية والتقدم والتعليم والاصلاح الذي يحتاجه العالم النامي. ومن مظاهر استمرار الحرب الباردة في عالمنا بقاء حالة التوتر على اصعدة عديدة. فمنذ ان غزت القوات العراقية الكويت واقليمنا يشعر بنوع من فقدان الامان بين اجزاءه واطرافه العربية. ومنذ نهاية الحرب العراقية الايرانية ما زال قطاع من منطقتنا يشعر بفقدان الامان الذي سببته تلك الحرب, ويشكل استمرار المخاوف على جبهة المواجهة العربية الاسرائيلية حالة اخرى من حالات التنافس البارد. فبعد لبنان وجنوبه تحول كل شيء في العلاقات الاسرائيلية العربية الى حرب باردة. في هذه الحرب يجري الخلاف على مستقبل القدس, وفي ظله يشتد الموقف المصري, وفي ظله تتراجع قدرات رئيس الوزراء الاسرائيلي على المواجهة لصالح الليكود والمحافظين وفي ظله يخسر بيريس المعتدل التنافس على الرئاسة لصالح رئيس لاسرائيل من الليكود. ان خياراتنا في الدول والاقطار العربية لا تختلف عن الخيارات الروسية التي كانت الدولة الكبرى الثانية منذ عشرة سنوات: فمستقبل التنمية والتوظيف والتعليم والاستثمار غير مضمون في ظل سباق التسلح الراهن وفي ظل النزاعات القائمة واثارها البعيدة الامد. ان الخيار التسلحي في منطقتنا هو الاخر بحاجة الى اعادة النظر على ضوء احتياجات التنمية وضروراتها. ان الغواصة الروسية الجاثمة في قاع البحر المتقلب والتي فقدت جميع بحارتها هي رمز لمشكلة اعمق لروسيا, ولكنها بالوقت نفسه رمز لمشكلة قائمة في دول وعوالم اخرى تقف محتارة اليوم بين متطلبات القوة العسكرية وبين متطلبات الامن العلمي والاستثماري والاقتصادي. استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت