فقدنا في الكويت في الاسبوع الماضي شخصية سياسية واجتماعية تهيأت لها مواصفات مختلفة على السائد والمعروف, في الوقت الذي يندر ان تجتمع فيه مثل هذه الصفات في رجل واحد, خاصة في زماننا الذي يغص برجال الاقوال بينما يعز فيه رجال المواقف. ومن الصفات التي تحلى بها المرحوم سامي المنيس المعروف لدى الجميع بـ ( ابو احمد) والذي فارقنا في الاسبوع الماضي, انه كان يملك اجندة محددة, ولم تكن هذه الاجندة تنشغل بهموم خاصة يسعى من خلالها لتحقيق مجد شخصي, كما لم تكن انانية, يتطلع بواسطتها لجاه او مال او سلطة, وهي كذلك لم تكن اجندة طائفية او قبلية او عائلية تحمل نظرة ضيقة تبتعد عن جوهر الهموم الحقيقية للوطن وتخاصم طموحاته. لقد كانت اجندة المرحوم سامي المنيس ـ في كلمة واحدة ـ اجندة وطنية تتطلع الى كويت متعافية تمارس دورا يليق بها خليجيا وعربيا واقليميا. على هذه الاجندة الوطنية احب المنيس واختلف, اجتهد فأصاب واخطأ, وتعرض للكثير من الضغوط, والكثير من الاغراءات, فما انكسر عوده في الاولى وما لانت عزيمته في الثانية, فكان في كل الاحوال موضع احترام مخالفيه في الرأي, مثلما كان دائما محط احترام وحب ممن عرفوه عن قرب. عزيمة راسخة في زمن اختلطت او اختلفت فيه الكثير من الرؤى كما تنافرت حول قضاياه الكثير من الاجتهادات, بقي الراحل سامي المنيس سواء في مكتبه في (الطليعة) او في ديوانيته المتواضعة في بيته في منطقة العديلية, بقي هو ذلك الرجل البشوش الذي يحمل فوق كاهله هما سياسيا محليا وعربيا, وهو هم على رغم ثقله, لم يستطع ان يلين عريكته او يضعف من عزمه. كان لدى (ابو احمد) دائما اخبار جديدة او تحليلات تفسر ما يدور, يقدمها كلها بعيدا عن تشنجات عرفها البعض او ادعاءات نسب اخرون لانفسهم ظلما انهم يقفون خلفها. شخصية سامي المنيس هي التي حببت الجميع اليه وجعلته محل احترام وتقدير بين مخالفيه السياسيين قبل اصدقائه ومحبيه. لقد كان من بين صفاته انه عف اللسان ناصع السريرة, صبور في المتابعة وقت الشدائد, لا يخلط بين الشخصي والموضوعي, ولكن فوق ذلك فإن سامي المنيس سوف يتذكره جيل كامل من الكويتيين والعرب بوصفه شخصا آمن بالديمقراطية في افضل اشكالها, وكان اكثر ممارسيها شفافية بحيث طبقها فعلا وسلوكا لا مجرد قود يردده او شعار يرفعه. ففي الوقت الذي ولج البعض فيه باب الديمقراطية الكبير في الكويت منذ سنوات طويلة لتحقيق مصالح ذاتية او فئوية, كان منطلق سامي المنيس وهدفه ان يحقق حكم القانون للجميع. وكان اذا اقتنع بقضية ما لشخص او لمجموعة اشخاص يسعى الى البحث في هذه القضية عن المشترك والعام, مبتعدا عن الذاتي والخاص. كثيرا ما يصلك صوت (ابو احمد) الودود والعطوف ليناقش موضوعا عاما من خلال التلفون ويعرض هذا الموضوع بطريقة محببة ودودة يترك فيها مساحة واسعة للمناقشة وتبادل الرأي متجنبا اسلوب القطع او البتر, جاعلا النصيب الاكبر في الحوار اقرب الى الفرضيات منه الى الحقائق اليقينية. متاعب الديمقراطية وعلى الرغم من ان متاعب الديمقراطية التي عمل من اجلها كثيرة ومتشعبة في مجتمع يخطو اليها الخطوات الاولى, فإن عزاءه الاكبر انه كان يعمل من اجل مجتمع حلم به, مجتمع تسوده العدالة وسلطة القانون, ويؤخذ فيه الرأي الآخر رديفا للعمل الوطني لا مناقضا له, او معاكسا لمسيرته, مجتمع يحرص على الحسن من الثوابت ولا يتردد في الاخذ بالفضل الجديد, مجتمع عصري حديث عربي ومسلم ومعاصر. في الوقت الذي انهك آخرون الديمقراطية الوليدة بتحالفات تكتيكية وبشعارات رنانة وبالحصول على بعض المكاسب الخاصة والشخصية الضيقة, عرف سامي المنيس اسباب القصور في التطبيق وسعى جاهدا مع كوكبة اخرى من رجال يحملون الاجندة نفسها التي يحملها سامي المنيس الى ان يقوموا هذا الاعوجاج الذي كاد يخرج قطاعا مستنيرا من المجتمع عن الجادة, ولم يكن سعيهم الى التقويم بالصراخ او المزايدة ولكن بالقول الحسن, واكثر منه بالقدوة الحسنة. مواقف سامي المنيس كثيرة وتاريخية ايضا, وهي ممتدة على طول حياته العملية, منذ ان عرف وهو شاب يافع ان العمل السياسي طريقه طويل وشائك, ويمكن تفسيره بتفاسير متباينة وقد يقلب الخصوم السياسيون مقاصدها بكل بساطة فيشوهون الحسن ويقلبون الصحيح الى باطل, ولكنه مع ذلك سار في هذا الدرب, مؤمنا بتراكم الممارسة وكان عضده الاساسي شخصيته المتعففة وسلاحه نظافة لسانه ويده وحبه للناس جميعا, حتى من اختلف معه في الرأي. في نادي الاستقلال (والتسمية لها معنى) كان سامي المنيس الرئيس والزميل محط احترام الشبيبة الذين انضووا تحت علم العمل الوطني وتدفقوا اليه وكان القدوة (ابو احمد) يبذل في هذا العمل التطوعي الكثير من الوقت والجهد. وفي مجلة (الطليعة) كان ابو احمد هو الشخصية الصحافية التي مثلت الكويت في العديد من اللقاءات العربية والدولية, واصبح سامي المنيس رفيقا لجيل كامل من الصحفيين العرب وبقي نائبا لرئيس اتحاد الصحفيين العرب الكبار لفترة طويلة, فلم تكن مجلة (الطليعة) لسان حال شريحة بعينها في الكويت, بل امتدت كي تقدم خدمتها الصحافية والوطنية الى الاقليم والبلاد العربية عند احتدام ازمات العمل الوطني والسياسي المختلفة التي فاض بها تاريخنا المعاصر. جيل الكرامة في مارس الماضي استقبلت الكويت مجموعة من المهتمين بحقوق الانسان, (امنستي), وجمعتني المصادفة بواحد من اعضاء اللجنة فكان حديثه عن شخصية كويتية بهرته في تقديمها لمفهوم حقوق الانسان في الكويت, شخصية متوازنة, لديها التزام حقيقي وموضوعي بقضية حقوق الانسان, ولم تكن تلك الشخصية غائبة عني, فقد كانت هي بذاتها سامي المنيس عضو مجلس الامة, ورئيس لجنة حقوق الانسان فيه. كانت قضية المرأة وحقوق الانسان والحريات العامة وحرية الصحافة (ليس حرية الكتابة فقط, ولكن حرية الملكية) والقضايا الثقافية والاعلامية محط اهتمام سامي المنيس ومتابعته, كان يطمح في الفترة الاخيرة الى ان يكون لنا اعلام منفتح وبعيد عن البيروقراطية, لهذا فقد قدم فكرة (هيئة عامة للاعلام) بعيدا عن روتين يثقل الجهاز الاعلامي ويعطل مبادراته, كما اهتم بالشأن الثقافي ومتابعته عن قرب. ومن سيفحص في المستقبل تاريخ سامي المنيس ويدرس اثاره, وينقب فيما قدم من مشروعات في مجلس الامة الحالي او السابق او المجالس التي شارك فيها, لا شك في انه سيكتشف كم كان الرجل مهموما بالشأن العام, ويتقدم بلاده عن طريق تحرير قدرات الفرد الكويتي, رجلا كان او امرأة كي يساهم بفعالية وكفاءة في مسيرة البشر الاحرار المستنيرين. لقد فقدنا برحيل سامي المنيس علما من اعلام العمل العام في الكويت, رجلا من ذلك الرعيل الاول الذي مزج الكرامة الحقيقية بالتواضع الجميل, ومزج التعفف بالدأب في دفاعه عن القضايا الاساسية, لم يكن مهموما بالحصول على امتيازات لاشخاص او لكتل او لفئات, رجلا في الوقت الذي اغنى الوطن فيه الكثيرين اغنى هو الوطن بسيرته الشخصية الصلبة في الحق كما يراه, والمرونة في المواقف السياسية التي تقدم مصلحة المجموع على كل ما عداها. لعل اقل ما يمكن تقديمه لسيرة سامي المنيس ان نطلق اسمه على شارع من شوارعنا او مدرسة, كي يعرف الجيل القادم كيف يكرم الوطن ابناءه الاوفياء ورجاله المخلصين. الى رحمة الله يا أبا احمد, وانا لله وانا اليه راجعون أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت