الأمل حياة, واليأس موت, ونحن بوصفنا بشراً نجفل من الموت, نهابه.. نحب الحياة, نعشقها!.. لكن ماذا اذا كان البعض يعيش حيث تختلط الحياة بالموت, وتتوه المعالم بين مقعد حجري وشاهد قبر.. انها القرية التي يعيش فيها الناس داخل المقابر. فأيّ حالة نفسية سيكونون بها, وهل سيبقى لديهم شيء من الامل يدفعهم لمقارعة صعاب الحياة؟. قال أحد الأحياء الموتى: أسكن المقابر مع أبنائي وزوجتي لأسباب قهرية دفعت بي الى الوقوع في أسر المفارقة الحياتية التي تتضمن الموت في باطنها. لقد تعاظمت فاقته وعجزه عن الانفاق وإعالة اسرته.. ويضيف نحن جميعاً نتوق الى اليوم الذي نغادر فيه المقابر أحياء قبل ان يدفنونا هنا الى الابد حيث اليأس والفقر, ظروفنا القاسية اباحت لنا ان نحتل مساكن الاموات, وان يسكن من لا يجد السكن في أحواش خصصت للذين رحلوا عن دنيانا واودعت اجسادهم الثرى. وهذه العجوز وظفت نفسها في المقبرة ولكن بدون راتب.. فهي تغدو مع فلق الصبح كأي موظف, اما لماذا فليس لشيء سوى طلب الصدقات والتبرعات والتي غالبا ما تأتيها على شكل دراهم معدودة. بدأت في سرد قصتها مع البؤس والشقاء بقولها أنها كانت متزوجة وليس لها الا ابن واحد متزوج بعيد عنها ولم تره منذ وقت, ولذلك فهي تعيش داخل مدفن قبر أثري لأحد الاثرياء الذي بنى مدفناً كبيراً قبل موته على مساحة واسعة من الارض تهدم بعضه ومازال بعضه قائماً. انها تعيش بمفردها تشكو لدجاجتها جور الزمن عليها وقلة حيلتها وظلم وشقاء الوحدة, مقطوعة من شجرة كما يقال وليس لها احد غير الدجاج والكلاب التي تشكل هاجساً وتسبب لها قلقاً ورعباً حقيقياً. تقوم بإعداد الطعام لنفسها, ولضيوفها, رغم أنها لا تقوى على الوقوف أكثر من دقائق بسيطة. مشاهد مؤلمة تفوق كل تصور.. أحياء ينافسون موتاهم حتى على التراب.. هذا عن موت الجسد, لكن ماذا عن موت العقل؟!, انه يعني بكل تأكيد موت الجسد وهلاكه, سواء أظل القلب ينبض ام توقف. محمد خليفة