وما زالت تشغلنا وهذا اعتراف مجانى حكاية الاسماء ودلالتها.. ومعاني الاسماء وسياقها فى الواقع أو فى التاريخ.. وليس لنا أن ننسى ان مولانا (ابن مالك) صاحب الألفية الشهيرة يحتفل بالأسماء حين يطالعنا بقوله: كلامنا لفظ مفيد فاستقم اسم.. وفعل ثم حرف الكلم وغير خاف ان العلوم الشغوفة بالإنسان الانتربولوجيا والاثنولوجيا تحكى لنا كيف ان الشعوب القديمة, وبعضا من شعوب السكان الأصليين التى ما زالت تحتفظ حتى اليوم بأعرافها الموروثة تنظر إلى أسماء الأفراد والأعيان والأغراض والاشياء وكأن فى طياتها سحرا أو رصدا يحفه الرمز وتحوطه هالات من الأسرار الغامضة التى تدخل فى باب الماوراء ان اجزت التعبير. بعض هذه الشعوب ترمز الى الاسم ولا تتلفظ به خشية أن يمسه طائف الشر.. وربما ورث الناس فى زماننا حكاية الكناية عن الاسم دون نطقه مباشرة فإذا بأهل أجيال سبقت تخشى على عيالها من الحسد تخلع عليهم اسماء عجيبة من شحتة أو خيشة وقد تخفف قليلا كى تستخدم أسماء من قبيل المنسى أو الغريب وقد تتفاكه الى حد ان كان من رفاق صبانا الأغر فى الحى الشعبى من القاهرة فتى اسمه (ماأسألشى) وكأنما يصرفون النظر فى عامية المصريين عن السؤال عن المذكور ولا أدرى كيف كانوا يخشون على فتاهم ذاك من الحسد ان كانوا يبالغون فى الأمر كثيرا.. فقد كان صاحبنا مرشحا كى يكون مستقبلا من معتادى الاجرام ولم يكن أمره يستدعى عين الحسود الزرقاء مفتوحة كانت أو مسبلة الجفون: فى نوبة تأمل فلسفى بعد إذنك أعملنا الفكر الثاقب فى أسماء فئة شهيرة فى الحياة المصرية المعاصرة هى جماعة الضباط الاحرار, عبدالناصر وصحبه, فى ثورة يوليو فى مصر. يخيل للمرء ان هذه الفئة وهى مجرد قائمة اسماء التقت فى مصادفة تاريخية بمعنى انهم لم يتخيروا اسماءهم ولكن كانوا يأتلفون الى بعضهم البعض بحكم انتمائهم الوطنى. قادة الضباط الأحرار هم مجموعة عشوائية كما يقول الاخصائيون وتعكس اسماؤهم دلالات تاريخية لا أدرى ان كان قد سبقنا الى تأملها احد من قبل. وأيا كان الامر.. فقد ولد عبدالناصر والسادات فى أواخر العقد الثانى من القرن العشرين. فى تلك الفترة كانت دولة الترك العثمانية تلفظ أنفاسها (لفظت آخر الأنفاس بعد مولد عبدالناصر بخمس سنوات لا تزيد) ويومها كانت الأسماء الشهيرة الذائعة تخص الضباط الاتراك من أعضاء جمعية الاتحاد والترقى تلاميذ المصلح العثمانى مدحت باشا وجمعية تركيا الفتاة.. وكان الناس يأملون واهمين فى الفئة من ضباط الترك خيرا كثيرا أو قليلا خاصة بعد اعلان الدستور العثمانى سنة 1908 ومن ثم تحجيم السلطنة وقص أجنحة هيلمانها فى عهد البار شاه الشهير عبدالحميد. فى تلك الأيام ذاعت اسماء الضباط مثل جمال باشا وأنور باشا وطارت اسماؤهم عبر العالم الاسلامى وكل منهم يسبقه لقب الغازى العثمانى فكان ان اطلق الناس اسماءهم مع مواليدهم.. وربما ازداد أعجاب العم محمد السادات بعصبة الضباط الاتراك فإذا به يتوسع فى اطلاق اسمائهم على سائر اخوة (أنور) وهكذا كانت أسماء أشقاء السادات مستقاة من أسماء قادة الانقلاب العثمانى كما وصفه يوما جورجى زيدان وهم طلعت وعصمت, وعلى المستوى المحلى فى مصر اطلق الناس على مواليدهم اسم (كمال الدين حسين) وكانوا بهذا يعبرون كما نظن عن اعجاب ولو من بعيد لبعيد بصاحب الاسم الاصلى وهو الأمير كمال الدين نجل السلطان حسين كامل الذى حكم مصر فترة ثلاث سنوات حتى رحل عن الدنيا عام ,1917 ويومها حار الانجليز فى أمرهم من يتولى عرش مصر. ويومها ايضا ترددت شائعات وأقاويل منها ماذكر ان الانجليز عرضوا العرش المصرى على زعيم طائفة الاسماعيلية (اغاخان) وان الرجل رفض أو اعتذر (وهو المدفون كما نعلم فوق ربوة فى البر الغربى عند نيل أسوان) ويومها ردد اخواننا الصعايدة ان العرش عرض على محمود باشا سليمان وكان من أساطين الحركة الوطنية وكم كان أهل الصعيد يتيهون علينا نحن سكان دلتا النيل حين يشيرون الى نجله محمد باشا محمود وقد أصبح بعد ذلك رئيسا للوزراء قائلين ان النجل كان رجلا معتدا بكرامته وكان هذا صحيحا وانه كان يؤكد للناس انه ابن من عرضوا عليه الملك فأبى.. ولم يكن ذلك أمرا مقطوعا به ولا صادفناه فيما اطلعنا عليه من حوليات التاريخ الحديث وان كنا نحب القصة لظرافتها فى كل حال. والسؤال هو: لماذا احتار الانجليز فى عام 1917 فى حكاية عرش مصر؟.. لأن الأمير كمال الدين حسين ابن السلطان رفض ان يتولى العرش وآثر ان يتباعد عن الوقوع تحت نفوذ المحتلين وربما حفظ له المصريون هذا الموقف فاطلقوا اسمه على مواليد تلك الفترة وكان منهم كمال الدين حسين وهو من أركان حركة الضباط الاحرار. وفى نفس الفترة تقريبا فاتح عشرينيات القرن ذاع صيت مصطفى اتاتورك الزعيم التركى ونال فى أول الأمر اعجاب المصريين حين صد الجيوش الأجنبية عن حدود بلاده هنالك استدعى الشاعر الكبير أحمد شوقي أمجاد الاسلام العسكرية, التى سجلها خالد بن الوليد رضوان الله عليه, وأنشد شوقي قصيدته التى يمدح فيها اتاتورك مشبها اياه للأسف بخالد بن الوليد فقال فى مطلعها: الله أكبر, كم فى الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب وإذ تجددت ذكريات ابن الوليد.. كان طبيعيا ان يستخدمه المصريون اسما لمواليدهم وربما لهذا حمل الاسم مولود أسرة (كفر شكر) فى مثلث دلتا النيل واسمه خالد محيى الدين متعه الله بالصحة وطول العمر. ويمكن ان يصدق الشيء نفسه على اسم صلاح سالم حيث لا يزال اسم الناصر صلاح الدين الايوبى, البطل الكردى المسلم محرر القدس رمزا باقيا لدحر البغى وتطهير الأرض المقدسة من دنس الاحتلال. وفى غمار الأعجاب بالزعيم مصطفى كمال اتاتورك, وقبل ان تتضح خطورة ما دعا اليه من فصل تركيا عن تراثها الاسلامى وعن استخدامها الحرف العربى فى كتابتها لصالح الحروف اللاتينية قبل هذا كله كان الناس معجبين بشجاعة اتاتورك فى مواجهة مؤامرات الدول الغربية التى ربما ارادت وراثة تركة السلطنة, الخلافة العثمانية, وهنا ايضا شاع على طول عقد العشرينيات الماضى اطلاق اسم (مصطفى كمال) اعجابا باتاتورك على مواليد تلك الفترة وكان من بينهم زميلنا الراحل الجليل الكاتب مصطفى كمال ثم كان منهم ضابط ذاع اسمه فى الأربعينيات مرتبطا بالحركة السياسية والعمل العام الى حد ان حسبه الناس عضوا فى تنظيم الضباط الاحرار. وكان اسمه مصطفى كمال.