بداية لابد من القول ان كارثة الغواصة الروسية كورسك التي غرقت في بحر الشمال (بارنتس) تعتبر من اكبر الكوارث النووية, خاصة على المحيط الجغرافي الروسي اولا والمتمثل بمدينة ميرمينسك والدول المتشاطئة معها على بحر الشمال وبالمقدمة منها النرويج, هذا اذا ما تجاهلنا طاقمها المؤلف من 118 بحارا روسيا كانوا يعملون على متنها ويعتبرون من خيرة خبراء البحرية الروسية ومتخصصيها. وسوف يحمل لنا هذا الحادث في الايام القليلة المقبلة الكثير من المفاجآت الغير سارة, خاصة ونحن نعيش حالة من التلوث البيئي الخطير بسبب الاشعاعات النووية التي تهدد مستقبل البشرية جمعاء ودون استثناء احد على الاطلاق. لكن وبعيدا عن هذه القضية البيئية الشائكة والمعقدة ما يهمنا في الحقيقة في هذا المقام القول ان انفجار الغواصة النووية والشكوك بل والغموض الذي لا يزال يدور حولها, يعيدنا الى جملة من الحقائق الاستراتيجية التي اسقطناها نحن العرب من رؤيتنا الاستراتيجية والتي تقول: اولا: ان الحرب الباردة وان تلاشت او غيبت من الاعلام, الا ان ذيولها لا تزال, لكن هذه المرة في التسابق بين القوى العظمى في تطوير وانتاج الاسلحة الجبارة التي تمتاز بالدقة والسرعة اي باختزال عامل الزمن والمفاجأة وقوة التدمير. ثانيا: ان حرب الجاسوسية بين اكثر الاطراف قوة في هذا العالم ستبقى قائمة وان هذه الانواع من الحروب لا يمكن ان تنتهي الا بانتهاء البشرية وهي التي غالبا ما تحدد نوعية الصداقات والعداوات على المستوى الكوني, بل وتحدد التحالفات التي تنتج كتلا سياسية وعسكرية وامنية, انطلاقا من رؤية كل طرف وبما يؤمن له هذا التحالف او ذاك من مصالح. ثالثا: لا يمكن لأي دولة تريد لنفسها العظمة وديمومة السيطرة في هذا العالم المحموم الباحث عن استحضار الوسائل والخطط ان تتراجع عن بحثها الدؤوب لانتاج شتى الادوات ووسائل القوة والقدرة التي تؤمن لها المصالح والمنافع, او تستكين او حتى تتلكأ بانتظار دولة اخرى تبرز على الساحة لكي تأخذ مكانها وتعزلها عن دائرة الفعل والسيطرة وجني المنافع والمكاسب. ولعلنا انطلقنا منذ البداية من هذه النقاط وغيرها لنقول بأن ما تزفه لنا بعض وسائل الاعلام على ان العالم يرزح تحت وطأة الرأس الواحد مجرد مقولة وهمية خاصة بعد هذه العمليات العسكرية ذات الطابع الامني التي لم تسلم منها البحار والمحيطات والتي لا تزال مسرحا للصراعات الخفية بين من يسمون بأعداء الامس واصدقاء اليوم. ولعل الاتهامات الروسية التي صدرت عن العديد من القادة العسكريين من مختلف الاسلحة, ضد الاساطيل البريطانية والامريكية, لها ما يبررها خاصة اذا ما علمنا ان مثل هذه الغواصات لا تسعى الى الاقتراب من السفن بل تعمل على تجنبها لان متطلبها العملياتي الرئيسي هو البقاء خفية غير مكتشفة لضمان الاستفادة القصوى من المهمة الموكلة اليها وقد جاءت تصريحات رئيس اركان اسطول الشمال الاميرال (ميخائيل موتساك) في هذا الاطار, حين قال: (اننا لا نستبعد امكان حصول اصطدام مع غواصة اجنبية كانت تقوم بمهمة استطلاع. ثلاث غواصات كانت تقوم بمهمات مماثلة. ويمكن ان تكون غواصة بريطانية لان مكان الحادث يقع في منطقة تقوم فيها بريطانيا عادة بمهمات استطلاع) . وقد تكون هذه التصريحات من جملة التصريحات التي صدرت عن القيادة الروسية هي الاوضح والاكثر حدة في توجيه الاتهامات (لحلف الناتو) وبالتحديد للولايات المتحدة وبريطانيا دون ان يغفل في تصريحه استبعاد فرنسا عن لعب مثل هذا الدور التجسسي, وذلك لعدم امكانية التوافق على آلية سلام عالمي, وما سباق التسلح والتطوير النووي والغواصات البحرية وبعض الاسلحة الاستراتيجية الا دليل حي على ذلك. واذا ماتوضحت ذيول هذه المشكلة بدخول طرف ثان او ثالث على الحادث المفجع الذي لحق بأهم قطعة نووية بالاسطول الروسي (الغواصة كورسك) والتي توجه من آلاف الكيلومترات ويتم التحكم بأسلحتها من مركز القيادة القابع في موسكو, فسوف نشهد وبشكل حقيقي جملة من المواقف السياسية العسكرية المستجدة وقد يكون استبعاد فرنسا عن لعب مثل هذا الدور التخريبي بنظر الروسي, كما اسلفنا هو بحد ذاته الشروع في بداية العمل على استقطاب شريك اوروبي قوي وفاعل على المسرح الدولي. بالاضافة الى عودة المراهنة على بعض العلاقات التحالفية, التي سقطت سهوا من اجندة بعض الدول العظمى وبالأخص روسيا التي تخلت في وقت سابق عن معظم حلفائها قبل صياح الديك, كما يقول المثل الشعبي. وبعيدا عن المغالاة في الرؤية او المواقف, فإذا ما صحت النبوءة في عودة مثل هذه العلاقات بصياغات قد تختلف عن التي كانت قائمة ستكون منطقة الشرق الاوسط المنطقة المرشحة رقم واحد لما تحمله هذه المنطقة من اهمية جيوسياسية, ومن عوامل مساعدة كبيرة وكبيرة جدا على المستوى اللوجستيكي التي تقدمه لتنصيب هذه القوة العالمية او تلك على سدة السيادة العالمية ناهيك عن الاهمية الاقتصادية التي تتحلى بها. وقد شهدنا او لمسنا بعض اطراف هذه الحقيقة في العودة القوية للعلاقات الروسية العربية وبالتحديد بعد تسلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في روسيا والتي خلقت حالة من الحراك السياسي على المستوى العربي في العديد من الدول التي كانت تربطها بالاتحاد السوفييتي علاقات تحالفية. لكن بالمقابل قد يفهم البعض من هذا الكلام انه مجرد اضغاث احلام, او امنيات قد يحملها البعض منا بسبب واقع الحال المعاش المدموغ بالوهن والضعف واختلال الموازين الدولية القائمة ضد مصالحنا. إلا انه ثمة حقيقة بالأمر تختلف اختلافا كليا فرغم الاعلان عن نهاية الحرب الباردة على سطح اليابسة, بقي الصراع الهادىء والسري, (ما تحت المائي) , قائما على اشده, من خلال جملة من الاجراءات تمثلت في تكثيف الغواصات المسيرة بالطاقة النووية والحاملة للصواريخ البالستية مع التنويه ان هذه الغواصات على خلاف الغواصات المضادة للسفن المزودة بالطوربيدات او صواريخ مثل صواريخ كروز وهي ذات دور استراتيجي اكثر منه تكتيكيا لذا فعملياتها ليست محصورة بجوار قافلة بحرية بعينها او قوة ما بقدر ما تناط بجولات تصل احيانا الى ملايين الكيلومترات المربعة من مياه المحيطات الى حيث تكون في مدى اهدافها البرية الاستراتيجية وليس من قبيل الصدفة ان الغواصة كورسك, غرقت في اللحظة التي كانت فيها, متوجهة الى البحر الابيض هذا البحر الذي يعتبر هدفا روسيا بمعزل عن نظام الحكم السائد في موسكو وعن الايديولوجيا التي يحملها. أي ان ما اريد قوله ان العالم المتقدم تكنولوجيا, رغم التصالح الظاهري يقف اليوم على حافة تطوير عسكري واسع النطاق لاعماق البحار زد على ذلك انه يعمل على استعمار القيعان البحرية, خاصة بعد ان ظهرت الغواصات النووية والتي باتت مستغنية عن السطح فهي لا تحتاج الى الاكسجين لالية دفعها, ويمكن ان تجري اتصالاتها عن طريق (هوائي) مقطور غاطس بضع عشرات الاقدام تحت سطح الماء. ولعل الغواصة الروسية المنكوبة (كورسك) هي احدى هذه الغواصات المهمة القادرة على تهيئة استعمار القيعان البحرية وقد تكون الاطراف الاخرى تحينت الفرصة المنافسة لضرب هذه الغواصة, قبل ان يستعيد الروس عافيتهم. لكن بالمقابل اذا كان الحادث الذي حصل هو بسبب عدم الاكتراث او بسبب عدم القدرة الاقتصادية, لاجراء عمليات الاصلاح والصيانة للمعدات الخطرة فإن ذلك يشير بشكل حقيقي الى ان روسيا بدأت تفقد آخر قلاعها من خلال جملة من الانهيارات المتلاحقة في هذا السلاح بالذات والتي لا تزال تأخذ دورها بسبب امتلاكها لهذا السلاح الخطير والمهم. وبعيدا عن الاحتمالات التي تطلقها التصريحات وتروج لها وسائل الاعلام ـ المسموعة والمرئية والمقروءة لابد لنا من الاعتراف ان روسيا لا تزال قادرة على اخذ زمام المبادرة السياسية على المستوى العالمي, اذا ما وجدت الارادة السياسية لدى قادة الكرملين لأن المؤسسة العسكرية الروسية لا تزال تعيش عقلية الحرب الباردة. وهذه العقلية برزت من خلال الرفض القاطع لاشتراك الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا في عمليات الانقاذ للغواصة (كورسك) ومجموعة الاتهامات الموجهة الى حلف شمالي الاطلسي, خاصة بريطانيا التي تعتبر الطرف الثاني في الحلف بعد امريكا. اضف الى ذلك ان عظمة القوة والتحدي لا تزال موجودة على اشدها في العقل الامبراطوري الروسي الذي يحلم بالبقاء والسيطرة وهذه العقلية تسيطر هذه الايام على الكثير من المؤسسات الفاعلة داخل المجتمع الروسي وترفع الشعارات ذاتها والاعلام والشارات التي كانت معلنة ايام الحرب الباردة خاصة مؤسسات وزارة الدفاع والتصنيع العسكري والمخابرات العسكرية التي على الاغلب لم تمس جراء الاجراءات التي لحقت بروسيا في ما سبق ولعل هذه الدوائر هي ذاتها التي سعت الى توزيع القدرة الذرية, المصنعة وغير المصنعة, والصواريخ البالستية, والبرامج والمخططات التقنية على كل الدول حتى التي يشتبه انها قد تعادي الولايات المتحدة يوما ما وتربطها بالسياسة الروسية علاقة بشكل او بآخر, حتى وان كانت مجرد علاقة عنكبوتية. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق