قبل بضعة ايام اتهم الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي (الحركة الشعبية لتحرير السودان) برئاسة جون قرنق بتعمد عرقلة اي مسعى في اتجاه الوفاق الوطني السوداني يمكن ان يضع نهاية للحرب الدائرة في جنوب السودان وبالتالي يفضي الى احلال سلام. هذا الاتهام تدعمه شواهد الواقع وتاريخ الحركة منذ ان اشعلت الحرب قبل 17 عاما وتعضد صحته شهادات من سياسيين جنوبيين من امثال بونا مسلوال السياسي المخضرم ممن ظلوا اقوى مؤيدي قرنق وحركته حتى وقت قريب قبل ان ينقلبوا عليه وينعتوه بأنه (لورد حرب) . مع ذلك يبقى سؤال: لماذا يصر قرنق على اطالة امد الحرب؟ لماذا يرفض السير في اي طريق يمكن ان ينتهي به وبقواته الى القاء السلاح والتحول الى حركة سياسية سلمية؟ هذا السؤال له اجابتان: اجابة في الحاضر الافريقي المرئي تقوم علي المقارنة بحالة مماثلة؟ واجابة اخرى تتصل بماضي التمرد الجنوبي السوداني. الحالة الافريقية المماثلة في الحاضر هي حركة (يونيتا) الانجولية بقيادة جوهاينس سافمبي التي بدأت تمردها المسلح ضد الحكومة المركزية في منتصف الثمانينيات لاسباب عرقية بدعم مباشر في حكومة الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا العنصرية آنذاك. وعندما انهار حكم البيض في جنوب افريقيا في اوائل التسعينيات مفسحا المجال لحكم الاغلبية السوداء بزعامة نلسون مانديلا وبالتالي توقف الدعم الى حركة يونيتا بدا وكأن الحرب الاهلية في انجولا كانت على وشك النهاية. لكن ثمة عامل جديد لم يكن مرئيا حينذاك للعالم. فمنطقة التمرد غنية بمناجم الماس وبسماح سافمبي بدخول شركات تعدين من جنوب افريقيا (البيضاء) لاستغلال وتسويق الماس عالميا واقتسام العائدات المالية صار لحركة يونيئا وزعيمها مصلحة راسخة في استمرار منع اخضاع منطقة التمرد لسلطات الحكومة المركزية.. وبالتالي استمرار القتال ضد الجيش الحكومي ان دخل سافمبي وحركته المقاتلة الآن يقدر بنحو 500 مليون دولار سنويا. في جنوب السودان ليس هناك ثروات معدنية مبرهنة وقابلة للاستغلال.. والنشاط الزراعي معطل بسبب النزوح المتصل للمزارعين مما نشأ عنه حالة من المجاعة او شبه المجاعة المزمنة. فماذا يستفيد قرنق من اطالة امد الحرب؟ لنستذكر أولا ان الثراء المالي الاسطوري المتاح لزعيم حركة التمرد في انجولا ليس الاغراء الاوحد له لمواصلة الحرب الى ما لا نهاية. هناك ايضا المجد الشخصي وسحر الشهرة على نطاق عالمي والانفراد بسلطة مطلقه في موازاة السلطة المركزية. هذه الاغراءات كلها تنطبق على حال زعيم التمرد في الجنوب السوداني (بالاضافة الى اعتبارات اخرى اخطر شأنا تتصل بدور حركة قرنق كأداة من ادوات الاستراتيجية الامريكية في افريقيا). في رسالة منشورة اتهم السياسي الجنوبي المخضرم بونا مسلوال (رفيق النضال) جون قرنق صراحة باساءة استغلال ما يحصل عليه من اموال تقدمها اليه بانتظام كبرى المنظمات المسيحية العالمية وابرزها منظمة (تضامن) التي تتزعمها البارونة كوكس. لقد صار جون قرنق مع مضي سني القتال (لورد حرب) وحاكما مطلقا لرقعة معتبرة في الجنوب السوداني وصاحب ثروة متنامية وشخصية سياسية ذات شهرة على نطاق عالمي وبمستوى رؤساء دول. فكيف يقبل وفاقا سودانيا وطنيا يؤدي الى طي صفحة الحرب نهائيا؟