في 10/7/1992 نشرت جريدة هآرتس نص الاتفاق الائتلافي بين حزبي العمل وشاس (حزب ديني يميني) جاء فيه الآتي: كل اتفاق سلام تعاقدي يتضمن تنازلا عن منطقة تقع تحت سيادة دولة (اسرائيل)، أو سيطرتها الى طرف آخر في الاتفاق أو الى أي طرف ثالث يعرض على الشعب لبته في استفتاء عام أو في انتخابات للكنيست او لرئيس الحكومة, تجري قبل توقيع اتفاق السلام, ويتم التنسيق بين الكتلتين في شأن طريقة البت. تصوت كتلة شاس في الكنيست فيما عنى الشئون الخارجية والأمنية وفقا لقرار مجلس حكماء التوراه. وكانت انتخابات كنيست 1992 قد جرت في وقت لم تتجاوز فيه عملية التسوية مناقشة المواقف المبدئية بعد انتهاء مرحلة مأزومة تقتضي اتخاذ قرارات سياسية على الجبهة الفلسطينية أما المسار الأردني فقد وصل الى النهاية بتوقيع معاهدة سلام في أكتوبر 1994 تضمنت بعدين جديدين, هما تبادل وتأجير الأرض. وقدم حزب العمل برنامجه لجمهور المصوتين فأصر فيه على القدس الموحدة عاصمة لاسرائيل الأبدية وأن اسرائيل لن تسيطر على الشعب الفلسطيني, ونهر الأردن يمثل الحدود الأمنية الشرقية لاسرائيل والفصل بين الشعب الاسرائيلي وسكان المنطقة, سوف يلبي الاحتياجات الأمنية لاسرائيل وسيطرة اسرائيل على وادي الأردن ومنطقة شمال غرب البحر الميت عتسيون والمناطق الحيوية لأمن اسرائيل حل قضية اللاجئين الفلسطينيين, خارج حدود اسرائيل ورفض حق العودة سيادة اسرائيل على منطقة المستوطنات الاسرائيلية وعدم اقامة مستوطنات جديدة الاتفاق النهائي الذي سيتم التوصل اليه سوف يطرح للاستفتاء العام. أما بالنسبة للمسار السوري فالمفاوضات مع سوريا سوف تجري على أساس 338,242 مع العلم أن حزب العمل ينظر الى الجولان على أنها منطقة حيوية من الناحيتين القومية والأمنية لاسرائيل, ومن هنا فالاتفاق مع سوريا يستند الى حدود آمنة وترتيبات أمنية وضمانات محددة لموارد المياه الحيوية لاسرائيل واقامة علاقات طبيعية كاملة بين البلدين. وأخيرا سوف يطرح الاتفاق الذي يتم التوصل اليه مع سوريا على الرأي العام في صورة استفتاء. بالنسبة للمسار اللبناني: ليس لاسرائيل طموحات أو تطلعات اقليمية أو قومية في لبنان وهدفها الوصول الى علاقات طبيعية وتعاون اقتصادي بين البلدين ولحين أن يتم ذلك فسوف تستمر اسرائيل في الدفاع عن حدودها الشمالية والاحتفاظ بالمنطقة الأمنية في جنوب لبنان والقوات المحلية جيش لبنان بالاضافة الى الترتيبات الأمنية. أما انتخابات الكنيست الخامس عشر في 1999 فقد شهدت برنامج قائمة اسرائيل واحدة (العمل جيشر ميماد) بزعامة ايهود باراك المرشح لرئاسة الحكومة, والذي تعهد فيه باتباع طريق رابين في (مد اليد بجرأة الى الأعداء) ودعا فيه أيضا لاستخدام جميع الوسائل لشن حرب شاملة ضد الارهاب أينما وجد وضد المحرضين عليه. وكالعادة التزم الاعلان بالتمسك بالقدس الموحدة عاصمة أبدية لاسرائيل, كما كرر أنه لن يعود الى حدود 1967 في أي ظرف من الظروف ولن تتم مساومة في أي حال, بشأن أمن اسرائيل, ومواطنيها وستكون أي ترتيبات يتم الاتفاق عليها بين الأطراف مشروطة بحدود آمنة بالاضافة الى الحفاظ على التمسك بالسيادة الاسرائيلية, على معظم المستوطنين المقيمين بكتل استيطانية في الضفة وقطاع غزة (المناطق) حسب النص العبري. لن نوافق على تأسيس دولة فلسطينية بقرار من طرف واحد قبل توقيع الاتفاق النهائي, وتقترح خطة باراك العمل على الفصل بين الشعبين مع العمل معا على محاربة الارهاب وتعزيز الروابط الاقتصادية وتوطيد الثقة, وهذا النوع من الفصل هو وحده الذي سيؤدي الى الأمن الذاتي لشعب اسرائيل وسيخدم مصالح اسرائيل السياسية والأمنية والخلقية. نحن نعترف بالسلطة الفلسطينية وقادتها بصفتهم قادة الشعب الفلسطيني كما نعتقد أن هؤلاء القادة يدركون أنه ليس من الممكن فرض حل علينا, وأنه من خلال الحوار السياسي فقط يمكن التوصل الى تسوية دائمة مع اسرائيل, ومن وجهة نظر اسرائيل, فإن اقامة كونفدرالية فلسطينية أردنية بموافقة الطرفين هو أمر محبذ, والدولة الفلسطينية ليست هدفا اسرائيليا ولن تكون كذلك, ومع ذلك, إذا أسفر الاتفاق النهائي عن دولة فلسطينية فيجب أن نتأكد أن القيود الأمنية والسياسية المتفق عليها تعكس مصالح اسرائيل. كما تقترح خطة باراك على جبهة الجولان, أن تتم تجديد المفاوضات وأن يؤسس السلام على أساس المبدأ القائل بأن عمق الانسحاب يتطابق مع درجة السلام والتطبيع ونوعية الترتيبات المتعلقة بالردع والأمن. ولن يكون في امكاننا تحديد عمق الحل الوسط (الجغرافي) الذي نريد تطبيقه بالنسبة الى الجولان إلا بعد أن نكون قد أطلعنا على الموقف السوري حيال قضايا أساسية, مثل ملكية منابع المياه, وقهر الارهاب, وحل المشكلة اللبنانية, وضمان الترتيبات الأمنية, واتفاقات الانذار المبكر, والتقدم في التطبيع, والتعاون الاقتصادي, وأخيرا عندما يتم التوصل الى اتفاق شامل فإنه سيعرض لاستفتاء شعبي. وفي الأخير تدعو خطة باراك بالانسحاب من لبنان على مراحل وهذا الأمر يتطلب اتفاقا اسرائيليا لبنانيا (سياسيا وعسكريا تضمنه سوريا) يقوم الجيش اللبناني وقوات دولية بموجبه بالسيطرة على المناطق التي تنسحب منها اسرائيل. تلك هي برامج وتصورات حزب العمل الاسرائيلي من عام 1969 حتى عام 1999 أي في خلال ثلاثين عاما, وعلينا أن نأخذ في حسباننا أن حزب العمل وتحالفاته تعبير محوري ورئيسي عن كتلة الأحزاب العمالية القريبة من الوسط واليسار حسب التصنيف الاسرائيلي والقريبة من يهود الاشكيناز حسب التقسيم الأثني والعرقي في اسرائيل والقريبة من الرؤية والتحالفات الاسرائيلية الغربية حسب التاريخ والتواصل الحضاري ومشروع النهضة في الماضي والمستقبل والمعبرة عن محور هام في الحركة الصهيونية قبل قيام الدولة وعن محور مركزي بعد قيام الدولة. من هنا تأتي أهمية إجمال الموقف السياسي الانتخابي من قضايا المنطقة كما تأتي أهمية الكشف عن مساحة التنازلات فيه وعلاقتها بالظرف والبنية المحيطة وتوازن القوى. نبلور ذلك في الآتي: إن هناك تمسكا شديدا يصل الى درجة الايمان بما يسمى حدود اسرائيل وأمن اسرائيل, تلك الحدود وذلك الأمن الذي جاء على حساب الأرض العربية في فلسطين منذ 48 وحتى الآن وذلك الأمن الذي جاء مستمدا قوته من التحالف الغربي (الولايات المتحدة, أوروبا) على المستوى الدولي, وجاء مستمدا قوته وفارضا لشروطه على الجوار من احتلال أجزاء من أراضيهم في عام ,1967 والتمسك بعدم العودة لحدود 67 لعدم توفر شروط أمنها وجاء مسنودا بالتفوق في القدرة النووية والتقليدية من اسرائيل على كل دول الجوار العربي. بل نقول التفرد النووي ومنع أي دولة عربية ولو بالقوة من عدم امتلاك هذا السلاح مثلما حدث في المفاعل النووي العراقي, وجاء الأمن الاسرائيلي مسنودا بشبكة من الرؤى والأدوات والوقائع على الأرض العربية في دول الجوار من الاتفاقات المعترف بها دوليا والمشهود عليها من قبل مؤسسات الأمم المتحدة الى الانذار المبكر والقوات الدولية والمناطق منزوعة السلاح والتطبيع وادخال المؤسسات الدولية الغربية كطرف لصالح التطبيع بين اسرائيل والعرب في كافة مشروعات التنمية.. الخ. ورغم كل تلك العوامل السائدة لفكرة الأمن الاسرائيلي, إلا أننا رغم كل ذلك سوف يتكشف لنا من خلال القراءة الجادة لتلك البرامج أن الثوابت الاسرائيلية متمسك بها بصلابة وجمود ـ وأن حجم التنازلات صغير جدا ـ وهامشية وتعطي انطباعا خادعا بالمرونة لمن لا يتابع كليات التصور. فعلى سبيل المثال فالتمسك بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل ثابت مركزي واضح منذ 1967 حتى الآن. كما أن التمسك بعدم العودة لحدود 1967 قائم منذ وقتها وحتى الآن. ولا اعتراف بحق العودة مهما كانت الظروف إلا في أضيق الحدود بمعنى عدة آلاف من 5 ملايين لاجئ تقريبا والتمسك بأوسع مدى من الترتيبات الأمنية والمناطق منزوعة السلاح والتطبيع الكامل والدخول في حصص المياه العربية. بل عدم وصولها لمستحقيها (سوريا من بحيرة طبرية لصالح اسرائيل) ولعل ذلك واضح في كافة الاتفاقات التي وقعت بين اسرائيل والدول العربية مصر, الأردن, فلسطين وفي المستقبل القريب سوريا ولبنان. بعد ذلك تأتي مواقف وبرامج حزب العمل الاسرائيلي وقوائمه الانتخابية من قضية فلسطين فهي بالنسبة له الضفة الغربية وقطاع غزة, وهو في الوقت ذاته عدم العودة لحدود ,1967 وهو في نفس الوقت الاحتفاظ بالسيادة الاسرائيلية على الكتل الاستيطانية بينهما, كما أنه غير مسموح لها بأن تكون دولة ذات سيادة أي اذا أصبحت دولة فهي دولة منزوعة القدرة السياسية سواء على مستوى العلاقات الخارجية والقرار المستقل بشأنها ومنزوعة السيادة على مجالها الجوي ومنزوعة السيادة في تكوين جيش ذي قدرة عسكرية ولو محدودة. الى كافة صور نزع السيادة ومن هناك يتكشف لنا أن حجم التنازل من عدم الاعتراف بدولة فلسطين الى امكانية قيام دولة ذات علم ونشيد ورئيس مع التمسك بنزع سيادتها يجعلنا أمام تنازلات هامشية ليست في جوهر الموضوع وهو اقامة دولة ذات سيادة حقيقية على ترابها في الضفة والقطاع مع وحدة ذلك التراب, إلا أن التطور الحادث من 1967 حتى الآن لن يوصل الى ذلك. إذن الفروق طفيفة جدا وتعبر عن ثوابت واضحة في ذهن المفاوض الاسرائيلي لا يتنازل عنها إلا أنه غير ممانع في أن يبدو كذلك من أجل صورة المسئولين العرب الجالسين معه على مائدة مفاوضات. من كل ما سبق نستطيع أن نستخلص أن أمن دولة اسرائيل هو المفروض على أجندة اجتماعات المفاوضات بين اسرائيل وكافة الأطراف المفاوضة وذلك عبر شبكة من القضايا (التطبيع, الانذار المبكر, عدم العودة لحدود ,1967 لا دولة ذات سيادة على حدود نهر الأردن, نزع السلاح, حصة اسرائيل, في المياه العربي,ة القدس عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل لا لحق العودة الفلسطيني, حل وسط اقليمي.. الخ). ويكفي هنا أن نريد من تأكيدنا على فكرة التنازلات غير الجوهرية والهامشية على محور أكثر من قضية ومنها قضية عودة الأرض العربية بعد ,1967 حيث من المعروف أن هناك تفسيرين لقرار 242 بشأن الانسحاب الأول منها عربي يفسر القرار بأنه انسحاب من كل الأرض العربية, وتفسير اسرائيلي يفسر الأمر أنه انسحاب من أراض عربية احتلت بعد ,1967 فيما بعد وعلى الأرض نجد ان اسرائيل متمسكة بتفسيرها وأعلمته في كافة المفاوضات المصرية الأردنية الفلسطينية حيث لاعودة لحدود 67 وذلك عبر التمسك وعدم ارجاع بعض الأراضي كما حدث في الأردن وفلسطين حتى الآن أو نزع سلاح بعض المناطق الحدودية وفرض شروط أخرى لسيادة اسرائيل أو على الأقل دخول مواطنيها اليها وكأنهم في اسرائيل مثل مصر والأردن والضفة الغربية وغزة. بالاضافة الى الشبكة الأخرى للتطبيع المفروض لنزع العداء والهيمنة الاسرائيلية. هذه رؤية حزب العمل الاسرائيلي من خلال برامجه وهو حزب يصنف على أنه يسار وسط وتحالفاته يغلب عليها التحالفات اليسارية. فما بالنا بالليكود المعبر عن الكتلة الحزبية اليمينية. كاتب وباحث مصري