ويبدو من تعريفات هذه الموسوعات الثلاث, انه في الدولة الديمقراطية يتمتع كل من يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشيدن, بحقوق المواطنة فيها, وهذا الوضع ليس نفسه في الدول غير الديمقراطية حيث تكون الجنسية مجرد (تابعية) , لا تتوفر لمن يحملها بالضرورة حقوق المواطنة السياسية هذا ان توافرت هذه الحقوق اصلا لاحد غير الحكام وربما للحاكم الفرد المطلق وحده. وتطرح دراسة حديثة, حول مقومات المواطنة, رؤية تتلخص فيما يلي: اولا: المواطنة تجسيد لنوع من الشعب, يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر, ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع الذي يزخر به المجتمع. ثانيا: من اجل تجسيد المواطنة في الواقع, على القانون ان يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع اعضاء في المجتمع, على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي او طبقتهم او جنسهم او عرقهم او ثقافتهم او اي وجه من اوجه التنوع بين الافراد والجماعات, وعلى القانون ان يحمى وان يعزز كرامة واستقلال واحترام الافراد, وان يقدم الضمانات القانونية لمنع اي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية, وعليه ايضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الانصاف. كما ان على القانون ان يمكن الافراد من ان يشاركوا بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم وان يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون اليها. واذا القينا نظرة على مدى اتفاق الباحثين العرب تجاه فهم مصطلح المواطنة ودقته في اللغة العربية للتعبير عن مصطلح المواطنة في دائرة الحضارة الغربية, فإننا نجد من يؤصل (المصطلح العربي) ويوظفه ليجعله معبرا خير تعبير عن مفهوم المواطنة في العصر الحديث, وبين من يعتقد ان الترجمة العربية تثير اشكاليات, حيث يقول هيثم مناع ان اول رجاء (هو ان نضع جانبا المعنى اللغوي العربي التقليدي) وعلى عكس هيثم مناع فإن اغلبية الباحثين والمفكرين العرب لا يرون القصور الذي يراه في ترجمة مصطلح Citizenship بكلمة المواطنة في اللغة العربية. ونجدهم يعبرون به احسن تعبير عن مضمون Citizenship, فعناوين كتب مهمة مثل كتاب خالد محمد خالد (مواطنون لا رعايا) وكتاب فهمي هويدي (مواطنون لا ذميون) تشير الى ان كلمة المواطنة التي اختارها العرب لترجمة هذا المصطلح نجحت في ايصال المعنى ـ وجعلت الكتاب يقرأ من عنوانه, وكان استخدامها مقرونا بالسعي الى المساواة والمطالبة بالعدل والانصاف وممارسة المشاركة السياسية بالنسبة لجميع من يحمل جنسية الدولة. ومن هنا فإن الترجمة العربية لمصطلح Citizenship بالمواطنة يمكن اعتبارها ترجمة مقبولة وموفقة حيث رأى فيها الباحثون والمفكرون العرب تأصيلا للمفهوم وتقريبا له من ذهن الانسان العربي, وربطه بفكرة الوطنية ذات الاهمية المركزية في العمل المشترك بين جميع المواطنين. ويتضح هذا الفهم الايجابي لمدلول المواطنة من استخدام عدد من الكتاب منهم برهان غليون وعبدالكريم غلاب ووليم سليمان قلاده وغيرهم كثيرون لمبدأ المواطنة وسعيهم لتوظيفه من اجل تطوير الحياة السياسية العربية وصولا الى نظم حكم ديمقراطية. ويتضح من عرضنا السابق ان مبدأ المواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له ابعاد عديدة ومتنوعة يتأثر بالتطور السياسي والاجتماعي وبعقائد المجتمعات وبقيم الحضارات, ومن هنا يصعب وجود تعريف جامع مانع له, ولكن بالرغم من صعوبة تعريف مبدأ المواطنة, ألا ان ذلك لا يعني بأي حال من الاحوال ان مصطلح المواطنة يمكن استخدامه دون دلالة ملزمة. فمصطلح المواطنة مثله مثل مفهوم الديمقراطية المعاصرة والدستور الديمقراطي اللذين يمتان بصلات وثيقة له, مفهوم يتطلب وجوده اقرار مبادىء والتزام بمؤسسات وتوظيف ادوات وآليات, تضمن تطبيقه على ارض الواقع. واذا كان من المقبول ان تكون هناك بعض المرونة في التعبير عن هذه المتطلبات ـ من دولة الى آخرى ومن زمن الى آخر ـ من اجل الاخذ في الاعتبار قيم الحضارات وعقائد المجتمعات وتجربة الدول السياسية والتدرج في التطبيق, إلا ان تلك المرونة لا يجوز ان تصل الى حد الاخلال بمتطلبات مراعاة مبدأ المواطنة كما استقر في الفكر السياسي الديمقراطي المعاصر وما تم الاتفاق عليه من عناصر ومقومات مشتركة لابد من توافرها في مفهوم المواطنة. وكذلك لابد من وجود الحد الادنى من الشروط التي تسمح لنا بالقول بمراعاة مبدأ المواطنة في دولة ما من عدمه. وتشمل هذه الشروط الى جانب الحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفعالة, الحد الادنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية. ولعل القاسم المشترك ـ في وقتنا الحاضر ـ المعبر عن وجود قناعة فكرية, وقبول نفسي, والتزام سياسي بمبدأ المواطنة في بلد ما, يتمثل في التوافق المجتمعي على عقد اجتماعي يتم بمقتضاه اعتبار المواطنة وليس اي شيء آخر عداها هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز ديني او عرقي او بسبب الذكورة والانوثة, ومن ثم تجسيد ذلك التوافق في دستور ديمقراطي. وجدير بالتأكيد ان الدستور الديمقراطي دستور مختلف عن دساتير المنحة من حيث انه يجب ان يرتكز على خمسة مبادىء ديمقراطية عامة: اولها: لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب, والشعب مصدر السلطات. ثانيها: سيطرة احكام القانون والمساواة امامه. ثالثها: عدم الجمع بين اي من السلطة التشريعية والتنفيذية او القضائية في يد شخص او مؤسسة واحدة. رابعها: ضمان الحقوق والحريات العامة دستوريا وقانونيا وقضائيا ومجتمعيا, من خلال تنمية قدرة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني على الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان. خامسها: تداول السلطة سلميا بشكل دوري وفق انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت اشراف قضائي مستقل وشفافية عالية تحد من الفساد والافساد والتضليل في العملية الانتخابية. وجدير بالتأكيد ان الجوانب المدنية والقانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مراعاة مبدأ المواطنة, هذا بالرغم من كونها ابعادا لازمة. فإلى جانب ذلك هناك ايضا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن ممارسة مبدأ المواطنة على ارض الواقع دون توفير حد ادنى من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويحق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الايجابي مع مواطنيه. وعندما يتحقق انتماء المواطن وبالتالي ولاءه في دولة ما, تنتقل المواطنة من كونها مجرد توافق او ترتيب سياسي تعكسه نصوص قانونية, لتصبح المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية يعبر اداءها من قبل المواطنين عن نضج ثقافي وادراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق او الجنس. * ورقة معدة للاجتماع السنوي العاشر لمشروع دراسات الديمقراطية الذي سيعقد اليوم في اكسفورد بانجلترا. * مفكر قطري