ما هو المعيار الذي يمكن ان نعتمده نحن العرب للمفاضلة بين المرشحين الاثنين للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة؟ والاجابة: لا يوجد معيار كهذا.. لأنه اصلا لا توجد قضايا اساسية مختلف عليها بين الحزبين المتنافسين. خذ مثلا مجال السياسة الخارجية.. وهو ما يهمنا بالدرجة الاولى كمتفرجين من الخارج: بغض النظر عمن يصل الى البيت الابيض يبقى تفاعل السياسة الخارجية الامريكية اليوم وغدا كما كان امس يتمحور على مرتكزين رئيسيين: المحافظة على الوضع الاحتكاري العالمي للشركات الامريكية العملاقة في الاسواق العالمية وتوسيع هذه الاسواق من ناحية وضمان امن الدولة اليهودية الاسرائيلية وتوسيع نفوذها ونطاق هيمنتها كشريك استراتيجي للولايات المتحدة في الساحة الدولية. ان الانتخابات الرئاسية الامريكية هي على هذا الاساس ليست معتركا سياسيا لتنافس على ايديولوجيات وبرامج وتوجهات متصارعة, هي ببساطة مباراة ثانوية وجانبية بين شخصين, ولا اقول زعيمين يتباريان في عرض صفات شخصية: ايهما اكثر جاذبية او افضل هنداما او امتن صحة او ابلغ فصاحة الخ. وهذا يفسر لنا لماذا تنحصر حملات النقد العلنية من مرشح ضد آخر في الطعن الشخصي في ماضي الآخر او حاضره.. كأن يكون مرتشيا او ابا فاشلا مثلا وليس في رؤى او معتقدات ايديولوجية او برامج. ان الانتخابات الرئاسية الامريكية لا يحسم امرها الحزبان المتنافسان, (الجمهوري) و(الديمقراطي) ما يحسمها هم ملوك الشركات العملاقة في القطاعات الحيوية في الاقتصاد من امثال ميكروسوفت وجنرال موتورز في الصناعة المدنية وبوينج وجنرال داينامكس في الصناعة العسكرية وميريل لينش وشيزمانهاتن في القطاع المصرفي وايه بي سي وسي ان ان في القطاع الاعلامي الخ. من وراء الكواليس تتولى الشركات تمويل الانتخابات.. وهي التي تقرر المتنافسين ليس في الانتخابات الرئاسية وحدها وانما ايضا في انتخابات الكونجرس بمجلسيه. واذا كان الاقتصاد هو عماد الحياة السياسية فإن القضايا الحيوية للاقتصاد الامريكي محسومة من عام لعام بواسطة مجموعة كبرى الشركات. فهي القوة التي تقرر معدل النمو القومي المطلوب وانواع الضرائب ومستوياتها واوجه الميزانية الاتحادية.. فلا يبقى شيء ذو بال ليقرر فيه الحزبان المتنافسان. ولذا فإن الحزبين ليسا سوى تنظيمين شكليين.. فليس لأي منهما مكتب سياسي او لجنة مركزية او مؤتمر عام. وهذا بدوره يفسر لنا سطحية الحملة الانتخابية لكل منهما.. فهي مهرجان غوغائي للبلاغة الخطابية الجوفاء الممتزجة بالرقص الجماعي والهتافات الضحلة.. وليست مناسبة لرسم برامج جادة ومناقشة قضايا مصيرية. من هنا ترتكز الحملة الانتخابية الامريكية من اولها لآخرها على استراتيجية خلق الانطباعات الاعلامية العابرة في اطار تلميع الشخصية المنافسة. ولذا فإن المهارات التي تقف وراء الحملة ليست مفكرين سياسيين او اقتصاديين جهابذة او نحو ذلك.. انما هي مهارات خبراء الدعاية والعلاقات العامة ومصممي الازياء ومصففي الشعور. بناء على ذلك فإن اوجه المقارنة المعروضة على جمهور الناخبين الامريكيين بين جورج بوش الابن وآل جور لا تتصل على الاطلاق بمسائل الفكر السياسي والفلسفي وانما بقضايا في مثل: ايهما (فوتوجينيك) اكثر من الآخر.