اقترن مفهوم المواطنة او ما يدل عليه من مصطلحات عبر التاريخ باقرار المساواة للبعض او للكثرة من المواطنين, وتمثل التعبير عن اقرار مبدأ المواطنة في قبول حق المشاركة الحرة للافراد المتساوين. وقد مر مبدأ المواطنة عبر التاريخ بمحطات تاريخية، نما فيها مفهوم المواطنة حتى وصل الى دلالته المعاصرة. الا ان اقرب معنى لمفهوم المواطنة المعاصرة في التاريخ القديم هو ما توصلت اليه دولة المدينة عند الاغريق, والذي شكلت الممارسة الديمقراطية لأثينا نموذجا له. وجدير بالتأكيد ان سعي الانسان من اجل الانصاف والعدل والمساواة يعبر عن فطرة انسانية حالت القوة الغاشمة, وما زالت تحول, دون الوصول اليه, ومن هنا فإن تاريخ مبدأ المواطنة هو تاريخ سعي الانسان من اجل الانصاف والعدل والمساواة, وقد كان ذلك قبل ان يستقر مصطلح المواطنة او ما يقاربه من معان في الادبيات بزمن بعيد, فقد ناضل الانسان من اجل اعادة الاعتراف بكيانه وبحقه في الطيبات ومشاركته في اتخاذ القرارات على الدوام, وتصاعد ذلك النضال واخذ شكل الحركات الاجتماعية منذ قيام الحكومات الزراعية في وادي الرافدين مرورا بحضارة سومر وآشور وبابل وحضارات الصين والهند وفارس وحضارات الفينيقيين والكنعانيين والاغريق والرومان. وقد استجابت الحكومات الملكية التي سادت تلك الحقب القديمة ـ بدرجات متفاوتة ـ لمطالب بعض الفئات التي تعتمد عليها (مثل النبلاء والكهنة والمحاربين), ومنحتها درجة من المساواة اعلى من غيرها من بقية السكان, كما ان الحكمة قد هدت بعض الملوك في الحضارات الزراعية ـ مثل حمورابي الى اهمية اقامة الشرائع واصدار القوانين التي تنظم الحياة وتحدد الواجبات وتبين الحقوق. وقد استمر ذلك التطور في العصور القديمة بفضل سعي الانسان الى تحقيق الانصاف ومطالبته بالمشاركة في الطيبات وفي اتخاذ القرارات, الى جاءت الحضارة الاغريقية والرومانية وابدع الفكر السياسي الاغريقي ومن بعده الفكر الروماني القانوني على وجه الخصوص, ليضع كل منهما اسس مفهومة للمواطنة في العصر القديم. ولعل الحياة القبلية العربية التقليدية وما نشأ عنها من حكومات كانت ايضا مثل التجارب السياسية الاغريقية والرومانية ـ المشار اليها سابقا ـ توفر قدرا من المشاركة السياسية للمواطنين الرجال الاحرار. ويعود ذلك الى ما يتطلبه تماسك القبيلة وعلاقات القبائل المتحالفة من مشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية الخاصة بهم. وقد كان تأثير طبيعة السلطة في القبيلة العربية التقليدية ونمط علاقاتها وراء ما عرفت اليمن في عهد الدولة القيتانية ودولة سبأ ومعين من نظم حكم تمثل فيها القبائل. وقد هيأت تلك التقاليد القبلية والتجارب السياسية العربية المشار اليها اعلاه الى جانب التطور التجاري والاستقرار الذي فرضته ظروف مكة قبل الاسلام وجعلت اهلها يميلون الى السلم, هيأت لأن يبرز في مكة نوع من (حكم المدينة) منذ ان ثبت قصي رئاسته على مكة ونظم شئون المدينة) فأنشأ مجلسا يعرف بـ (الملأ), كما اسس قصي دار الندوة واقام في مكة حكومة خاصة غير مطلقة السلطة كان له فيها منصب السدانة واللواء. وعندما كان الاسلام على وشك البزوغ قام في مكة حلف الفضول الذي كان يتدخل لنصرة المظلوم سواء كان من اهل مكة او من زوارها وقد شهد الرسول صلى الله عليه وسلم في صباه قيام هذا الحلف وقال عنه فيما بعد (لو دعيت به في الاسلام لأجبت) . ويسجل الشاعر العربي حلف الفضول في ديوان العرب بقوله: ان الفضول تحالفوا وتعاقدوا الا يقر ببطن مكة ظالم امر عليه تعاهدوا وتواثقوا فالجار والمعتر فيهم سالم وقد قرب المسلمون الاوائل ايضا من مفهوم المواطنة كما كان معروفا قبل ظهور الاسلام. وكان ذلك بفضل ما يحمله الاسلام من منظور انساني للوحدة الانسانية والمساواة في الحقوق والواجبات, والى جانب المساواة فقد كانت مبادىء العدل والقسط والانصاف من المبادىء الجوهرية التي اكد عليها الاسلام, وجاءت بها آيات القرآن الكريم (ان الله يأمر بالعدل والاحسان) (الآية 90 من سورة النحل). ويقول الشيخ محمود شلتوت في هذا الصدد ان امر الله بالعدل (أمرا عاما, دون تخصيص بنوع دون نوع, ولا طائفة دون طائفة, لأن العدل نظام الله وشرعه, والناس عباده وخلقه, يستوون ـ ابيضهم واسودهم, ذكرهم وانثاهم, مسلمهم وغير مسلمهم ـ امام عدله وحكمته) . ويأتي اخيرا وليس اخرا مبدأ الشورى, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤكد الى جانب المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والحكم بالعدل والقسط والانصاف, الكثير من اسس تحقيق مبدأ المواطنة ليس بالنسبة للمسلمين فقط وانما لكل غير المحاربين من اهل دار الاسلام مسلمين وغير مسلمين. وقد كان من الممكن ان يبني المسلمون على هذه الاسس نظاما سياسيا يراعي مبدأ المواطنة الى جانب الاخوة الاسلامية. ويذكر ادم متز في دراسته عن الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري ان المسلمين كانوا اكثر تسامحا مع غير المسلمين من الحضارات المعاصرة لهم, وان (الاسلام اكثر تسامحا مع طوائف النصارى من الدولة الرومانية الشرقية) . ومن هنا يمكننا القول انه لو قيض الله المسلمين العمل بمبدأ الشورى والافادة من مدلول صحيفة المدينة وتم تحويل ذلك الى نظام سياسي يحقق المسواة والعدل والانصاف بين المسلمين انفسهم وبين المسلمين وغير المسلمين ممن يشاركونهم الوطن, لكان المسلمون الاوائل ـ مع الاسف ـ كانوا عرضة لممارسات عصرهم وربما متطلبات استقرار دولتهم الفتية الصاعدة, ولم يتمكنوا من تطوير نظام الشورى يكون باستطاعته في كل زمان ومكان تحقيق مقاصد الشريعة ومراعاة الناس فتحول الحكم بسرعة الى ملكية مطلقة يتلقفها من غلب, ومن هنا ابتعد المسلمون عامة عن ذلك التطور السياسي الذي حدث في العالم اعتبارا من القرن الثالث عشر الميلادي واعاد اكتشاف مبدأ المواطنة. وتراجع مبدأ المواطنة في الفكر السياسي عامة طوال ما اصطلح على تسميته في اوروبا بالعصور الوسطى التي امتدت من 300 ـ 1300 بعد الميلاد وذلك بعد ان اندثرت التجارب الديمقراطية المحدودة في دائرتي الحضارتين الاغريقية والرومانية من جهة, ومن جهة اخرى بسبب توجه الحضارات السائدة آنذاك بما فيها الحضارة العربية الاسلامية الصاعدة الى اقامة حكم ملكي مطلق غير مقيد. ولم يعد اهتمام الفكر السياسي بمبدأ المواطنة حتى حلول القرن الثالث عشر عندما بدأت اوروبا تعيد اكتشاف مبدأ المواطنة وتبدع فيه, حيث قام الفكر السياسي والقانوني الجديد في دائرة الحضارة الغربية, منذ القرن الثالث عشر حتى قيام الثورتين الامريكية والفرنسية في القرن الثامن عشر, بصياغة مبادىء واستنباط مؤسسات وتطوير آليات وتوظيف ادوات حكم جديدة, امكن بعد وضعها موضع التطبيق تدريجيا تأسيس وتنمية نظم حكم قومية مقيدة السلطة من خلال حركات الاصلاح المصحوب بالانتقاضات الشعبية ان امكن, والا فمن خلال الثورات المؤسسة للديمقراطية مثل الثورة الامريكية والثورة الفرنسية. وجدير بالتأكيد ان عملية الانتقال التاريخية من الحكم المطلق الى الحكم المقيد ومن وضع التابع الى وضع المواطن لم تكن عملية سهلة, بل كانت مخاضا عسيرا قطعت فيه رؤوس ملوك وسالت على دربه دماء شعوب, ويعود الفضل في انجاز ذلك التحول التاريخي الى ان الناس في دائرة الحضارة الاوروبية (غيروا ما بأنفسهم) من رضى بالتبعية الى اصرار على المشاركة الفعالة التي تحقق مصالح الناس وتصون كرامتهم. كما ان سراة القوم عندهم استطاعوا التوصل الى قواسم مشتركة شكلت اهدافا وطنية مشتركة لنضال شعوبهم. الامر الذي سمح بضبط نظام الحكم وترشيده في دائرة الحضارة الغربية. ويمكننا رصد ثلاثة تحولات كبرى متداخلة ومتكاملة مرت بها التغيرات السياسية التي ارست مبادىء المواطنة في الدولة القومية الديمقراطية المعاصرة: اولها: تكوين الدولة القومية. وثانيها: المشاركة السياسية وتداول السلطة سلميا, ثالثها: ارساء حكم القانون واقامة دولة المؤسسات. وبهذه التحولات التي تمت عبر سبعة قرون وكرست الدولة القومية, والمشاركة السياسية وحكم القانون, تم ارساء مبدأ المواطنة في دائرة الحضارة الاوروبية. كما ادت تلك التحولات الجذرية الى انتقال مفهوم المواطنة من المفهوم التقليدي للمواطنة الذي استمد جذوره من الفكر السياسي الاغريقي والروماني وجاء تلبية لحاجة الدولة القومية الحديثة ونضال الشعب فيها, الى المفهوم المعاصر للمواطنة الذي يستند الى فكر عصر النهضة والتنوير وطروحات حقوق الانسان والمواطن, والدعوة لأن يكون الشعب مصدر السلطات وبذلك تم ترسخ مبدأ المواطنة واقر كحق ثابت في الحياة السياسية بقيام الثورتين الامريكية والفرنسية, واتسع نطاق ممارسته تدريجيا منذ القرن الثامن عشر حتى يومنا هذا باعتباره احدى الركائز الاساسية للعملية الديمقراطية. ولتحديد المفهوم المعاصر لمبدأ المواطنة ـ في الاستخدام الغربي والعربي نشير الى الجوانب التالية: اولا: مفهوم المواطنة, ثانيا: مدى مناسبة لفظ المواطنة في العربية للدلالة عليه. ثالثا: ابعاد مبدأ المواطنة وشروط مراعاته. وتشير دائرة المعارف البريطانية الى (المواطنة بأنها علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة, وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة) , وتؤكد على ان (المواطنة تدل ضمنا على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسئوليات) . وتختم دائرة المعارف البريطانية مفهومها للمواطنة, بأن المواطنة (على وجه العموم تسبغ على المواطن حقوقا سياسية, مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة) . وتذكر موسوعة الكتاب الدولي ان المواطنة هي عضوية كاملة في دولة او في بعض وحدات, وهذه الموسوعة لا تميز بين المواطنة والجنسية مثلها مثل دائرة المعارف البريطانية المناصب العامة. وتؤكد ان (المواطنين لديهم بعض الحقوق, مثل حق التصويت وحق تولي المناصب العامة. وكذلك عليهم بعض الواجبات, مثل واجب دفع الضرائب والدفاع عن بلدهم) . وتعرف موسوعة كولير الامريكية كلمة المواطنة بأنها (أكثر اشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالا) . ويبدو من تعريفات هذه الموسوعات الثلاث, انه في الدولة الديمقراطية يتمتع كل من يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشيدن, بحقوق المواطنة فيها, وهذا الوضع ليس نفسه في الدول غير الديمقراطية حيث تكون الجنسية مجرد (تابعية) , لا تتوفر لمن يحملها بالضرورة حقوق المواطنة السياسية هذا ان توافرت هذه الحقوق اصلا لاحد غير الحكام وربما للحاكم الفرد المطلق وحده. وتطرح دراسة حديثة, حول مقومات المواطنة, رؤية تتلخص فيما يلي: اولا: المواطنة تجسيد لنوع من الشعب, يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر, ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع الذي يزخر به المجتمع. ثانيا: من اجل تجسيد المواطنة في الواقع, على القانون ان يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع اعضاء في المجتمع, على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي او طبقتهم او جنسهم او عرقهم او ثقافتهم او اي وجه من اوجه التنوع بين الافراد والجماعات, وعلى القانون ان يحمى وان يعزز كرامة واستقلال واحترام الافراد, وان يقدم الضمانات القانونية لمنع اي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية, وعليه ايضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الانصاف. كما ان على القانون ان يمكن الافراد من ان يشاركوا بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم وان يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون اليها. واذا القينا نظرة على مدى اتفاق الباحثين العرب تجاه فهم مصطلح المواطنة ودقته في اللغة العربية للتعبير عن مصطلح المواطنة في دائرة الحضارة الغربية, فإننا نجد من يؤصل (المصطلح العربي) ويوظفه ليجعله معبرا خير تعبير عن مفهوم المواطنة في العصر الحديث, وبين من يعتقد ان الترجمة العربية تثير اشكاليات, حيث يقول هيثم مناع ان اول رجاء (هو ان نضع جانبا المعنى اللغوي العربي التقليدي) وعلى عكس هيثم مناع فإن اغلبية الباحثين والمفكرين العرب لا يرون القصور الذي يراه في ترجمة مصطلح Citizenship بكلمة المواطنة في اللغة العربية. ونجدهم يعبرون به احسن تعبير عن مضمون Citizenship, فعناوين كتب مهمة مثل كتاب خالد محمد خالد (مواطنون لا رعايا) وكتاب فهمي هويدي (مواطنون لا ذميون) تشير الى ان كلمة المواطنة التي اختارها العرب لترجمة هذا المصطلح نجحت في ايصال المعنى ـ وجعلت الكتاب يقرأ من عنوانه, وكان استخدامها مقرونا بالسعي الى المساواة والمطالبة بالعدل والانصاف وممارسة المشاركة السياسية بالنسبة لجميع من يحمل جنسية الدولة. ومن هنا فإن الترجمة العربية لمصطلح Citizenship بالمواطنة يمكن اعتبارها ترجمة مقبولة وموفقة حيث رأى فيها الباحثون والمفكرون العرب تأصيلا للمفهوم وتقريبا له من ذهن الانسان العربي, وربطه بفكرة الوطنية ذات الاهمية المركزية في العمل المشترك بين جميع المواطنين. ويتضح هذا الفهم الايجابي لمدلول المواطنة من استخدام عدد من الكتاب منهم برهان غليون وعبدالكريم غلاب ووليم سليمان قلاده وغيرهم كثيرون لمبدأ المواطنة وسعيهم لتوظيفه من اجل تطوير الحياة السياسية العربية وصولا الى نظم حكم ديمقراطية. ويتضح من عرضنا السابق ان مبدأ المواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له ابعاد عديدة ومتنوعة يتأثر بالتطور السياسي والاجتماعي وبعقائد المجتمعات وبقيم الحضارات, ومن هنا يصعب وجود تعريف جامع مانع له, ولكن بالرغم من صعوبة تعريف مبدأ المواطنة, ألا ان ذلك لا يعني بأي حال من الاحوال ان مصطلح المواطنة يمكن استخدامه دون دلالة ملزمة. فمصطلح المواطنة مثله مثل مفهوم الديمقراطية المعاصرة والدستور الديمقراطي اللذين يمتان بصلات وثيقة له, مفهوم يتطلب وجوده اقرار مبادىء والتزام بمؤسسات وتوظيف ادوات وآليات, تضمن تطبيقه على ارض الواقع. واذا كان من المقبول ان تكون هناك بعض المرونة في التعبير عن هذه المتطلبات ـ من دولة الى آخرى ومن زمن الى آخر ـ من اجل الاخذ في الاعتبار قيم الحضارات وعقائد المجتمعات وتجربة الدول السياسية والتدرج في التطبيق, إلا ان تلك المرونة لا يجوز ان تصل الى حد الاخلال بمتطلبات مراعاة مبدأ المواطنة كما استقر في الفكر السياسي الديمقراطي المعاصر وما تم الاتفاق عليه من عناصر ومقومات مشتركة لابد من توافرها في مفهوم المواطنة. وكذلك لابد من وجود الحد الادنى من الشروط التي تسمح لنا بالقول بمراعاة مبدأ المواطنة في دولة ما من عدمه. وتشمل هذه الشروط الى جانب الحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفعالة, الحد الادنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية. ولعل القاسم المشترك ـ في وقتنا الحاضر ـ المعبر عن وجود قناعة فكرية, وقبول نفسي, والتزام سياسي بمبدأ المواطنة في بلد ما, يتمثل في التوافق المجتمعي على عقد اجتماعي يتم بمقتضاه اعتبار المواطنة وليس اي شيء آخر عداها هي مصدر الحقوق ومناط الواجبات بالنسبة لكل من يحمل جنسية الدولة دون تمييز ديني او عرقي او بسبب الذكورة والانوثة, ومن ثم تجسيد ذلك التوافق في دستور ديمقراطي. وجدير بالتأكيد ان الدستور الديمقراطي دستور مختلف عن دساتير المنحة من حيث انه يجب ان يرتكز على خمسة مبادىء ديمقراطية عامة: اولها: لا سيادة لفرد ولا لقلة على الشعب, والشعب مصدر السلطات. ثانيها: سيطرة احكام القانون والمساواة امامه. ثالثها: عدم الجمع بين اي من السلطة التشريعية والتنفيذية او القضائية في يد شخص او مؤسسة واحدة. رابعها: ضمان الحقوق والحريات العامة دستوريا وقانونيا وقضائيا ومجتمعيا, من خلال تنمية قدرة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني على الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان. خامسها: تداول السلطة سلميا بشكل دوري وفق انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت اشراف قضائي مستقل وشفافية عالية تحد من الفساد والافساد والتضليل في العملية الانتخابية. وجدير بالتأكيد ان الجوانب المدنية والقانونية والسياسية من حقوق المواطنة وواجباتها ليست كافية للتعبير عن مراعاة مبدأ المواطنة, هذا بالرغم من كونها ابعادا لازمة. فإلى جانب ذلك هناك ايضا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن ممارسة مبدأ المواطنة على ارض الواقع دون توفير حد ادنى من هذه الحقوق والضمانات للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويحق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الايجابي مع مواطنيه. وعندما يتحقق انتماء المواطن وبالتالي ولاءه في دولة ما, تنتقل المواطنة من كونها مجرد توافق او ترتيب سياسي تعكسه نصوص قانونية, لتصبح المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات قيمة اجتماعية وممارسة سلوكية يعبر اداءها من قبل المواطنين عن نضج ثقافي وادراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين على قدم المساواة دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق او الجنس. * ورقة معدة للاجتماع السنوي العاشر لمشروع دراسات الديمقراطية الذي سيعقد اليوم في اكسفورد بانجلترا. مفكر قطري