أحداث القتل الجماعي اليومي في الجزائر التي تتواتر اخبارها ليست ـ على بشاعتها وقبحها وخطورتها ـ سوى الوجه الخارجي البسيط للمحنة الجزائرية الحقيقية. هذا هو الاستخلاص الاجمالي لتصريحات خطيرة ادلي بها هذا الاسبوع رئيس حكومة جزائرية سابق. وبادىء ذي بدء اعلن مولود حمروش ان الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كانت لعبة (خداع ساخر) . من رتّب (اللعبة) ؟ يشير حمروش الى المؤسسة العسكرية باعتبارها الجهاز الاعلى لصنع القرار السياسي قائلا انها جهاز (مغلق وغير قابل للمراقبة او المنافسة) ويمضي رئيس الحكومة السابق في هذا السياق راسما صورة لشبكة تواطؤية على المستوى الاعلى تجمع بين المؤسسة العسكرية و(عصابة) من رجال الاعمال تتكون من 17 فردا تحتكر تجارة الاستيراد برمتها. غير ان السؤال الاكبر الذي لم يشأ ان يأتي عليه السيد حمروش هو ما اذا كان رئيس الدولة المنتخب عبدالعزيز بوتفليقة شريكا في الشبكة ام بعيدا عنها تماما. ان الاجابة عن هذا السؤال المفصلي في كل الاحوال لن تكون في صالح الرئيس فهو اما ان يكون شريكا فعليا او حاكما بلا صلاحيات. وحتى هذه اللحظة وبعد ما يقارب 16 شهرا على انتخابه لا يتوافر ما يكفي من الادلة القاطعة لترجيح هذا الاحتمال او ذاك بصورة حاسمة ونهائية. لقد جرى انتخاب بوتفليقة في ابريل 1999 في ظروف غير طبيعية ليس بالمعنى الامني فحسب بل بالمعنى السياسي ايضا. فعند عملية الاقتراع كان المرشح الاوحد بعد ان انسحب كل منافسيه. لقد اتهموا المؤسسة العسكرية بطبخ العملية الانتخابية مقدما.. وأخطر من ذلك اتهموا بوتفليقة نفسه بأنه (مرشح الجيش) . ومنذ ان تولى بوتفليقة الامر وحتى اليوم فإن الملاحظ عبر هذه الشهور الطويلة ان جهاز السلطة العليا في الجزائر يسير على خطين متوازيين: خط ذو نفس وطني ثوري يتجسد في البلاغة الخطابية للسيد الرئيس.. وخط معاكس لكنه مجسد على ارض الواقع كسياسات وتدابير فعلية. ومع مرور الايام لا تزداد الفجوة بين البلاغة الخطابية الرئاسية وما يناقضها فعلا ـ لكن في صمت مريب, على ارض الواقع ـ الا اتساعا. لقد كان رأس اجندة الرئيس التي دخل بها العملية الانتخابية محاربة الفساد. واستبشرت الجماهير عندما استهل الرئيس عهده بهجوم علني وصريح على عصابة رجال الاعمال الذين يتمتعون بوضع احتكاري غير شرعي لحركة الاستيراد وتجارة التوزيع الداخلي وسوق العقارات فيعمدون الى تصعيد الغلاء في السوق الاستهلاكية مما يضاعف من معاناة جماهير الطبقات ذات الدخول المحدودة. لكن شبكة هؤلاء الكبار هي الآن اقوى مما كانت عليه. فهي تتمتع بحماية ومشاركة كبار الجنرالات. اما على الصعيد السياسي فإن مشروع (الوئام الوطني) الذي بشر به الرئيس فور توليه السلطة تبخر في منتصف الطريق. وكان الرئيس قد اقدم على خطوة استهلالية شجاعة عندما ابرم اتفاقا مع (جيش الانقاذ الاسلامي) يقضي بأن يصف هذا التنظيم العسكري المعارض نفسه في مقابل ان يأمر الرئيس باطلاق سراح قادة (جبهة الانقاذ الاسلامي) والسماح للجبهة بالتحول الى حزب سياسي مشروع ينهج الوسائل السلمية. لكن الرئيس لم ينفذ الجزء الثاني من الصفقة بعد ان ألقى (جيش الانقاذ) السلاح. ويبقى السؤال دون اجابة حتى الآن: هل الرئيس غير قادر على تنفيذ اجندته الوطنية الموعودة بالكامل.. ام ان العملية الانتخابية العام الماضي كانت اصلا لعبة وخداعا ساخرا كما قال مولود حمروش. حتى لو فسرنا الشك لصالح الرئيس فإن هذا التفسير لن يغير شيئا من حال الناس في الجزائر. أحمد عمرابي