كان قلبه فندق خمس نجوم.. يتسع لعشرات النزيلات.. أو كان قلبه مثل بحيرة جنيف تسبح فيها مئات الجميلات.. لكن.. لا أحد وجه اليه تهمة حيازة أكثر من امرأة فى وقت واحد.. كان يرتدى النساء ويخلعهن كما يرتدى ويخلع ستراته وقمصانه وأربطة عنقه.. لكنه.. فى النهاية كان فى الغالب وحسب تفسيرات علماء النفس البشرية والنظريات العاطفية مثل هذا الطراز من الرجال لابد أن يكون وحيدا. كان قادرا على أن يمد يده ويقطف أكثر النساء سحرا وأكثرهن بريقا.. كان قادرا لو شاء على استيرادهن من باريس بالكتالوج من عند مدام (كلود) الاسم (السينيه) فى سوق المتعة الفرنسية مقابل 75 ألف دولار للمرأة الواحدة.. تأتى اليه بالطائرة مثل باقى أطباق الطعام الأخرى التى تصل ساخنة فى نفس اليوم من مطعم (مكسيم).. ومثل كل الزهور النادرة التى تصل طازجة من مشاتل (أمستر دام). ولا مانع أن ينفق مايشاء.. على مايشاء.. اللهم لا أعتراض.. ولا حسد.. لكن بشرط أن يسدد الفواتير من جيبه الخاص.. لا من جيوب مودعى البنوك الذين أخذ ملايينهم وهرب علنا فى وضح النهار.. ان غيبوبة الاستمتاع بالحياة التى كان غارقا فيها كانت على حساب المال العام الذى غرف منه ثم كان مثل فص ملح ذاب فى الماء.. أو كان مثل نقطة كحول تبخرت فى ثوان بمجرد أن وضعت على راحة اليد. والمثير للدهشة انه قبل شهرين من هروبه خارج البلاد كانت كل تصرفاته العلنية توحي بأنه سيهرب.. كان يصفي كل ممتلكاته.. المكاتب.. والقصور والبيوت.. والسيارات.. والأسهم والسندات.. كما انه لم يهرب بمفرده وانما أخذ أولاده ومتعلقاتهم الشخصية معه ودون أن يخبر أمهم.. زوجته السابقة بذلك.. كما قالت هى بنفسها فيما بعد أمام جهات التحقيق. كانت زوجته السابقة تعيش فى الولايات المتحدة عندما أرسل اليها ورقة الطلاق.. تنفيذا لرغبة زوجته الثالثة الجديدة المشهورة.. وقد فشلت زوجته وأم أولاده لوقت طويل فى أن تبيع البيت الذى كانت تعيش فيه فى كاليفورنيا وعندما نجحت فى ذلك اشترت بنصيبها منه شقة فى ضاحية قريبة من القاهرة.. انتقلت اليها بعد ان ظلت لسنوات وسنوات مقيمة فى بيت أحد أقاربها.. فى انتظار ان يكافئها بشراء شقة لها كما كان يفعل عادة مع زوجاته فيما بعد.. بعد أن يطلقهن.. ويقدم لكل منهن مكافأة نهاية الخدمة بصورة مجزية بعيدة عن كل الحسابات.. وقد أخذ منها أولادها.. وسارع بإفسادهم بالسيارات الفارهة.. والثياب الفاخرة.. والأموال التى كانوا ينفقونها دون قيود.. وبقيت الأم وحيدة.. بحسرتها على نفسها.. وعلى زوجها السابق.. وعلى أولادها الذين تعبت فى تربيتهم جيدا فى بلاد الكاوبوى والهامبرجر وجوليا روبرتس.. كل شئ ضاع منها فى دقائق لا يتوقف عندها الزمن ولا يعيرها التفاتا.. ان الخراب الذى كان يتركه وراءها لم يكن فقط خرابا تجاريا وماليا وبنكيا واقتصاديا وانما كان خرابا انسانيا وعاطفيا وشخصيا كذلك. ان كل الشواهد تؤكد ان كثيرين ممن يهمهم الأمر كانوا يعرفون انه سيهرب لكن لا أحد منهم حاول سد منافذ الخروج من وجهه.. ولا أحد عوقب على هذا الاهمال.. وكل ماحدث فيما بعد هو تضارب فى روايات الهروب.. قيل انه هرب من السلوم الى ليبيا ومنها الى أحد الموانئ الأوروبية مستخدما أحد اللنشات كان ينتظره فى عرض ا لمياه.. وقيل انه هرب عبر الغردقة والبحر الأحمر.. وقيل انه سافر بباسبور مزور وشخصية مستعارة عبر مطار القاهرة.. وفى دوامة هذه الروايات البوليسية وربما الخيالية أيضا لم نسمع رأيا رسميا يوضحها ويحسمها ويؤكد أننا لم نكن مثل الزوج المخدوع آخر من يعرف.. وهذا فى تقديرى وتصورى هو أبسط حق من حقوقنا.. نحن الذين أخذ ودائعهم ومدخراتهم وهرب.. وتركهم على الحميد المجيد.. يامولاى كما خلقتنى.. وبالمناسبة يتردد فى أوساط المجتمع أن رجل أعمال مديون للبنوك يسعى للهرب ويعرض الكثير لتحقيق حلمه بعد أن سبقه الى الخارج شقيقه بأكثر من 500 مليون جنيه على الأقل. لقد انضم بطل القصة التى نرويها الى جميع الهاربين بأموال المصريين فى الخارج.. وهى جمعية أسسها أشرف السعد أحد أبطال مسرحية توظيف الأموال قبل نحو عشر سنوات فى لندن.. ودعمها فى نفس الوقت تقريبا توفيق عبدالحى الذى أطعم المصريين لحم القطط والكلاب الفاسد بإفتتاح فرعا لها فى أثينا شاركته فيه المرأة الحديدية هدى عبدالمنعم.. وغارت منها علية العيوطى سيدة القروض الضائعة وفتحت فرعا للجمعية فى باريس.. وفتح حاتم الهوارى واحد من ملوك الحديد فرعا فى سويسرا وانضم اليه هناك حسن أبوالمكارم الذى كان يملك مصنعا للسجاد.. وكان مصطفى البليدى طموحا كعادته فلم يتردد فى أن يعبر المحيط ويفتح فرعا للجمعية فى الولايات المتحدة الأمريكية. المثير للدهشة.. ان كل من فى عالم (البيزنيس) كان يعرف ان بطل القصة التى نكتبها لم يهرب الى سويسرا كما تردد.. فهو ممنوع من دخولها بعد ان تهرب من دفع فواتير مشتريات خاصة.. وكل من فى عالم (البيزنيس) كان يعلم ان محطة هروبه الأخيرة التى كان يخطط للوصول اليها والاستقرار فيها.. هى حى (بيفرى هيلز).. حى المشاهير ونجوم السينما فى هوليود.. حيث يملك قصرا هناك بجوار قصرى (سلفيستر ستالونى) و(اليزابيث تايلور).. وحيث يملك أسطولا من سيارات (استرتش) الأمريكية الفاخرة التى فى داخلها مايحتاجه صاحبها للنوم والأكل وادارة شئون البيزنس.. كما انه فى السنوات الخمس الأخيرة ضاعف من حجم استثماراته فى الولايات المتحدة الأمريكية لتصل الى حوالى 75 مليون دولار.. كى يدخلها فى سلام وأمان. ولسنا فى حاجة للقول أن هذه الاستثمارات مولتها قروض البنوك المصرية بطريق غير مباشر.. فكل مشروعاته فى مصر كانت تخسر.. وكل توكيلاته التجارية كانت تضيع منه.. واحدا بعد الآخر.. وانفاقه الخاص على حياته الشخصية تجاوز كل الحدود.. فهو سخى مع زوجاته.. وفى حفلاته الشتوية بالقاهرة.. والصيفية فى العجمى بالاسكندرية.. فلم يبق أمامه سوى ان ندفع نيابة عنه كل فواتير الفشل الاقتصادى والتجارى والعاطفى.. لم يبق أمامه سوى ان يلقى بالسوس الذى نخر امبراطوريته على لحمنا وعظامنا.. وترك مصر التى عاش فيها كالديك المنفوش الريش الى بلاد (مونيكا) و(لاس فيجاس) و(السناتور) (كنتاكى فريد تشيكن) ليعيش فيها على قائمة الدجاج المجمد.. وليخضع فيها لتهديدات وابتزاز عصابات المافيا المدربة على مطاردة رجال الأعمال والسياسيين الهاربين بثروات شعوبهم.. ففى عالم المال الحرام لا أحد يهرب من دفع الثمن.. لابد أن تقتسم امبراطورية الفيروسات هذا المال الحرام معه.. ان شبكة المافيا العالمية تتقاضى ما بين 8 إلى 10 مليارات دولار سنويا من أعضاء جمعيات الهاربين بأموال شعوبهم الى الخارج.. وهى تهدد بقتل من لا يدفع.. أو تهدد بخطف أحد ابنائه.. أو تهدد بحرمانه من استثمار أمواله.. فكل شئ هناك يخضع لقواعد ولوائح حتى الفساد. ويبدو أن كل مايأتى سهلا يذهب سهلا.. ان مصباح علاء الدين السحرى كان ينتظر والده الموظف البسيط المتواضع فى احدى الشركات التى كان يملكها أجانب فى مصر.. وعلى طريقة نجيب الريحانى (لعبة الست) ترك الأجانب للرجل البسيط تنازلا عن شركاتهم مقابل أن يدفع لهم مبلغا شهريا.. يحول لهم الى الخارج.. فى أحد البنوك السويسرية حيث يعيشون هناك بعد أن رحلوا من مصر.. وهكذا.. بكل هذه البساطة ولدت امبراطورية من نوع خاص فى السوق المحلية.. وقد كسب صاحبها الكثير من الملايين فى عمليات الصفقات المتبادلة مع الاتحاد السوفييتى.. كان السوفيت يقبلون أى بضاعة فى مقابل المعدات والمصانع الثقيلة التى يبيعونها الى مصر.. وعندما بدأ التحول فى السياسة المصرية من موسكو الى واشنطن كان الجيل الجديد فى هذه الامبراطورية جاهزا لتلقى التوكيلات التجارية الأمريكية.. وبعد أن كانت الثروات تقيم بالروبل بدأت تقيم بالدولار.. ومع عودة صحافة المجتمع والنميمة.. صحافة السهرات والحفلات والأفراح الأسطورية على طريقة ألف ليلة وليلة ولد نجم جديد فى عالم البيزنيس هو صاحب هذه القصة.. كان كل نشاطه الاقتصادى والتجارى لانتاج وبيع السلع الاستهلاكية الكمالية التى تستنفذ العملات الصعبة ولا تسد حاجات الناس الأساسية. لقد نفخنا فى هذا الطراز من رجال الأعمال.. حملناهم أكثر مما تحتمل قدراتهم الاستثمارية والادارية والمالية والثقافية.. قلنا لهم: انتم المستقبل.. أنتم القوة الضاربة فى الاقتصاد الوطنى.. انتم عصب التنمية.. فكان ان تحول كل من هب ودب الى رجل أعمال.. تاجر البلاط.. وسمسار السيارات.. والمضارب على الاراضى والمبانى.. ووكيل شركات البطاطس والصابون الأجنبية.. وكان بينهم من بدأ حياته مديرا لملهى ليلى.. كلهم ركبوا (الشبح) ودخنوا سيجار (الكوهيبة) الكوبى الفاخر ونشروا صورهم واخبارهم فى الصحف.. تقمصوا الدور واندمجوا فيه.. وراحوا يتحدثون فى كل شئ.. العولمة.. والرأسمالية الجديدة.. وأهمية المساندة السياسية والبيروقراطية.. وشعر معظمهم بعبقرية مفاجئة.. فالواحد منهم يعمل فى الصناعة والسياحة والتجارة والبورصة.. الواحد منهم يتاجر فى السلع الغذائية ويبنى القرى السياحية ويصنع أوانى الطهى ويستورد حمامات السباحة.. على طريقة سمك لبن تمر هندى.. الواحد منهم يدير كل ذلك بنفسه فى زمن انفصلت فيه الملكية فى النظام الرأسمالى عن الادارة.. فى زمن لم يعد يعترف بالعبقرية الفردية فى المشروعات الاستثمارية.. فالاستمرار فقط للخبرة الجماعية. صحيح ان هناك مجموعة لا بأس بها من رجال الأعمال كانت قادرة الى حد كبير على النجاح والصمود رغم كل مايجرى حولها.. لكن صحيح ايضا ان العملة الرديئة كانت قادرة على زحزحة العملة الجيدة فى السوق.. اذ بطل هذه القصة وغيره من المتعثرين والهاربين كانوا يملكون فرصة النمو تدريجيا.. وبهدوء.. خطوة.. خطوة.. درجة درجة.. لكن.. ماجرى لغيرهم من توسعات مذهلة بأموال البنوك جعلهم يسارعون فى الحصول على نصيبهم من الغنيمة.. ومع فشلهم فى ادارة القروض التى حصلوا عليها ادارة اقتصادية سليمة راحت الفوائد وخدمة الدين تتراكم عليهم حتى مرحلة الهاوية.. وهى مرحلة لم تهدد القروض فقط وانما الأصول أيضا.. وهكذا.. بدا ان الفرصة الوحيدة امامهم للنجاة هى ان يهربوا الى الخارج ليعيشوا على ما هربوه وحولوه من أموال.. فأغلبهم وصل الى مرحلة من القناعة بأن البقاء يعنى ضياع كل شئ ودخول السجن. وقد جرب بعضهم كثيرا من الألعاب الخطرة ولم يجد أحدا يحاسبه.. ان أخطر هذه الألعاب هى تقييم ما يملك من شركات أضعاف أضعاف قيمتها ثم طرح أسهمها فى البورصة.. ولكن البورصة رغم كل عيوبها كانت كفيلة بكشف اللعبة.. فانهارت الأسهم الى مستواها الحقيقى.. ودفع الناس الثمن.. ولم يتوقف أحد ليوقف هذا الوهم. وفى الوقت نفسه بدأ بعض رجال الأعمال فى احتكار بعض السلع بنسبة لا يوجد مثيل لها فى اعتى النظم الرأسمالية.. فى الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن لشركة ان تحتكر أكثر من 15% من حجم السلعة التى تنتجها فى السوق.. وفى مصر يوجد من يحتكر أكثر من 40% من سوق السلع التى ينتجها.. ان ذلك لا يؤثر فقط على المستهلكين.. ولكن يؤثر ايضا على رجال الأعمال المنافسين.. وهو سبب اضافى للمشاكل التى يعانى منها رجال الأعمال الآن.. والى اليوم لم نجد من يتحمس لاقرار قانون لمواجهة الاحتكار.. كذلك لم نجد الى اليوم وسيلة فعالة لمقاومة التهريب والاغراق.. وهى أنواع من السرطان تهدد الصناعة المصرية وتزيد من الأزمة الاقتصادية. وفى مواجهة كل ما يجرى فى السوق سعى كل رجل أعمال يريد البقاء والاستمرار الى البحث عن ظهر يحميه ويسهل له أعماله ويقضى على منافسيه.. فكان أن تكررت بصورة عصرية (كشوف البركة) التى اخترعتها شركات توظيف الأموال.. ان كشوف البركة الجديدة تضم اسماء أقارب وابناء وانصار بعض المسئولين الصغار.. واحيانا من هم أكبر منهم.. هؤلاء يتقاضون مرتبات شهرية دون عمل محدد سوى الوساطة والتدخل فى أوقات الأزمات والمشاكل والأيام الصعبة.. لكن ماجرى فيما بعد كان أكبر من نفوذ هؤلاء. لكن.. ذلك كله لا يمنع ان فيروس الفساد الشخصي لبعض رجال الأعمال هو الذى انتهى بهم الى الهروب بعيدا عن الوطن.. ومنهم بطل القصة التى نرويها.. لقد دمر الامبراطورية التى ورثها عن أبيه.. لم يستطع الحفاظ عليها.. وراح يتزوج ويطلق وكأنه فى سباق مع المتعة الشخصية.. وكان كل زوجة جديدة تكلفه مايقدر بالملايين.. قطع نادرة من الحلى.. بيوت فاخرة.. أرصدة فى البنوك.. سيارات تجدد كل ستة شهور.. مشروعات يقيمها لهن لمواجهة غدر الزمن.. ولم يكن زواجه يستمر طويلا.. وكان يرسل ورقة الطلاق دون مواجهة.. كان يهرب من المواجهة.. فهو هارب طول الوقت.. هارب من حالته النفسية.. ومن حالته الزوجية.. ومن حالته المالية. اننى لا يهمنى أن أذكر اسم بطل هذه القصة.. ولا يمهنى أن يعرفه الناس.. وقد حاولت جاهدا ان أخفى كل ملامحه وعلاماته المميزة.. وحاولت جاهدا أن أكتفى بالملامح المشتركة بينه وبين معظم رجال الأعمال المتعثرين والهاربين لتتحول القضية من قضية شخصية الى قضية حقيقية.. ولنعرف كيف ينهار عالم البيزنيس فى مصر.. وكيف نعيد التوازن اليه.. فقد أصبح فى حياتنا نوعا من القضاء والقدر لا نستطيع الفرار منه.. اننى أحلم بأن تدرس مراكز البحوث الاجتماعية والاقتصادية هذه الحالات لنستفيد مما حدث.. ولا نبدأ دائما من الصفر.