لعل ما هو اغرب من تصريحات الحاخام اليهودي المتشدد عوفاديا يوسف التي اطلقها في اوائل الشهر الجاري ووصف فيها الفلسطينيين والعرب جميعا بالافاعي, هو ان تثير هذه التصريحات استغراب البعض او دهشتهم حيث وصف هؤلاء تفوهات هذا الصهيوني بأنها نافرة وغير مسبوقة, كما جاء في بعض وسائل الاعلام. ذلك ان عوفاديا يوسف هذا وغيره من ملايين اليهود الذين اعمتهم الحركة الصهيونية وتعاليم التوراة المحرفة, انما يعبرون تعبيرا صادقا ودقيقا عن الفلسفة العنصرية التي تعتبر نقطة الاساس في الفكر الصهيوني. والحقيقة اننا اذا عدنا الى التاريخ وتفحصنا الاسس التي قام عليها الفكر الصهيوني يصح فينا عندئذ المثل القائل اذا عرف السبب بطل العجب, فكما هو معروف اتخذت الحركة الصهيونية منذ انطلاقتها طابعا دينيا, على الرغم من انها ليست حركة دينية, وجعلت من دور الدين بالنسبة لليهود عنصرا اساسيا في دعايتها, وجعلت دوره بالنسبة لهم يختلف عن دوره بالنسبة للشعوب الاخرى. وذلك من اجل جعل الوجه الديني للحياة اليهودية مصدرا للوعي اليهودي الصهيوني الذي هدف منذ نشأة الحركة الصهيونية الى استعمار فلسطين وما حولها وفرض السيطرة اليهودية على المنطقة, وتسخير اهلها لخدمة المشروع الصهيوني, كما يدلل على ذلك بوضوح ما قاله الصهيوني الكبير تيودور هرتزل في اواخر القرن التاسع عشر حيث قال في سياق حديثه عن المشروع الاستيطاني الصهيوني: (عندما نحتل فلسطين يجب ان تستخلص ملكية الارض... وسنحاول ان نشجع فقراء السكان على النزوح الى البلدان المجاورة... واذا وصلنا الى منطقة فيها حيوانات مثل الافاعي الكبيرة نستخدم اهل البلاد ليقضوا على مثل هذه الحيوانات... يجب ان يكون العمال على السكك الحديدية والطرق في مناطق الاوبئة من اهالي البلاد, وكذلك عند تجفيف المستنقعات.. والا كثرت نسبة الموت بيننا.. يمكن ان نستخدم العرب في المناطق الموبوءة) . ولكن من اين جاء هرتزل بهذه الافكار العنصرية قبل عشرات السنين, والتي لا تختلف كثيرا ان لم نقل انها تفوق في عنصريتها الافكار التي عبرت عنها تفوهات الحاخام اليهودي عوفاديا يوسف؟ بالتأكيد ان هناك معينا واحدا شرب منه الاثنان كما شرب منه ملايين اليهود الذين اعتنقوا الافكار الصهيونية وتعاليم التوراة المحرفة التي صاغها خاخامات اليهود في القديم, والتي ارتكزت على مقولات واساطير خرافية مثل العودة الى ارض الميعاد واسطورة استمرار (اسرائيل) عبر الازمان واسطورة الشعب المختار واساطير الامة اليهودية والمسيح المخلص الذي سيظهر بين (الشعب اليهودي) ليقوده الى الفردوس من فلسطين. منابت العنصرية وعلى الرغم من قدم الفلسفة العنصرية اليهودية, الا ان الاتجاهات الصهيونية بشكلها المعروف بدأت تنشط بشكل عملي في جمعيات (احباء صهيون) بعد اضطهاد اليهود في روسيا عام 1881, حيث نادت هذه الجمعيات الى الهجرة الى فلسطين واستعمار اراضيها كما غذت الفكر اليهودي بأفكار كاذبة تقول بأن الانسان اليهودي رغم انحطاطه المادي ورغم كل الظروف التي تحيط به, الا انه اكثر سموا من (الجويم) (اي غير اليهود) في الامور الروحية (لان الله اصطفاه دون العالمين..) , وان اليهود هم شعب الله املختار الذي يعلو شأنه على كافة البشر. ونلاحظ هنا ان الحركة الصهيونية وجدت منذ بدايتها في مذهب اليهودية الارثوذكسية مجالا خصبا لنشر مفاهيمها الاستعمارية وتنفيذها, باعتبار ان اليهودية الارثوذكسية من اكثر المذاهب اليهودية تمسكا بدقائق الشرع الاسرائيلي القديم الذي بني على جملة من التحريفات الدينية الخطيرة ومنها مقولة نقاوة الجنس اليهودي, وهو ما يفسر سر انتشار المفاهيم الصهيونية بسرعة بين يهود اوروبا الشرقية وامريكا لان غالبية هؤلاء يتبعون اليهودية الارثوذكسية, زد على ذلك ان نسبة كبيرة جدا من يهود اوروبا الشرقية لم يكونوا اثرياء, ولذلك شكلوا نواة الهجرة اليهودية الى فلسطين في بداية المشروع الصهيوني. واذا اردنا ان نتعرف اكثر على منابت العنصرية اليهودية لابد لنا من العودة الى بعض اسفار اليهود والتوقف عند بعض ما جاء في التوراة والتلمود, حيث ان لهذين الكتابين منزلة كبيرة عند اليهود الذين يمارسون الحياة الدينية بتزمت, خاصة وان التوراة ليست كتابا مقدسا يقرأه اي انسان ليقف على ما فيه من قيم اخلاقية, وانما هو كتاب (الشعب اليهودي) فحسب كما ان ارض الميعاد هي ارض (الشعب اليهودي) دون غيره من الشعوب, اما بالنسبة للتلمود فنرى على سبيل المثال (ان النعيم مأوى ارواح اليهود ولا يدخل الجنة الا اليهود, وان الجحيم هو مأوى الكفار مهما اختلفت اسماء (دياناتهم) وقد جاء في التلمود ايضا (تتميز ارواح اليهود عن باقي الارواح بأنها جزء من الله كما ان الابن جزء من ابيه وارواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الارواح غير اليهودية لانها ارواح شيطانية تشبه ارواح الحيوانات) . وبطبيعة الحال اذا اردنا ان نعدد العبارات العنصرية في اسفار اليهود على اختلافها فإننا سنحتاج للكثير من الدراسات, ذلك ان هذه الاسفار قائمة من اساسها الى رأسها على مجموعة من الخرافات التي تحاول اقناع اليهود بأنهم امة مميزة وان عليهم ان ينظروا بدونية الى غيرهم من الشعوب. ففي شريعة اليهود لا يجوز قطعا ابرام عهد او ميثاق مع غير اليهود, ويفسر التلموديون مسألة العهود مع الغرباء بقولهم (ان العهد اذا ابرم يجب ان يبرم بين طرفين متكافئين, ولما كان الاممي لا يساوي اليهودي فإنه لا يحق لليهودي ابرام عهد مع الاممي, وحتى لو ابرم عهدا بظرف ما فهو في حل منه عندما يزول السبب. اذ من الوجهة الشرعية يمكن لليهودي ان يبرم معاهدة عندما يكون ضعيفا ويجب ان يلغيها عندما يكون قويا) . ولعل من اغرب ما يلاحظ في المدونات اليهودية ما جاء في التوراة التي حرفها اليهود حول تعاليم الحرب, ففي هذا المجال وردت الوصايا التالية: 1) احترس من ان تقطع عهدا مع سكان الارض التي انت آت اليها لئلا يصير فخا في وسطك) . 2) واما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب الهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما, بل تحرمها تحريما الحثيين والاموريين والكنعانيين والفرزيين والحوريين واليبوسيين كما امرك الرب الهك) . 3) اقتلوا كل ذكر من الاطفال وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها لكن جميع الاطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر ابقوهن لكم حيات) . وفي غزو اسرائيل لمدينة اريحا دمر الموسويون المدينة واحرقوها بالنار وقتلوا كل من فيها من رجل وامرأة, من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بأمر الههم (يهوه) , كما جاء في التوراة, اذ يأمرهم الههم (يهوه) بذلك كما جاء في النص التوراتي: (فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ماله ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة, طفلا ورضيعا بقرا وغنما, وعجلا وحمارا). وتقول التوراة ايضا انه عندما ابقى الملك شاؤول على خيار البقر والغنم احياء لم يغفر له الرب ذلك, فقيل له: (انك رفضت كلام الرب فرفضك الرب من ان تكون ملكا على اسرائيل) . ومع الجزم بأن هذه العبارات لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون صادرة عن الله سبحانه وان ما جاء فيها ما هو الا من صنع اليهود انفسهم, يتضح لنا مدى خطورة النظرة العنصرية التي تحملها هذه العبارات التي يمكن ان تشكل في اي وقت تربة خصبة للاجرام وعدم احترام الآخر والاعتداء عليه. نعي الآخر ومن مظاهر تأكيد مبدأ الاستعلاء والتفوق العنصري اليهودي على بقية شعوب الارض كما يدعي التلموديون ان الله جعل الناس عبيدا لليهود باعتبارهم الشعب المختار, وكذلك انعزالية اليهود وما يدعونه حول حقهم في جميع خيرات الارض باعتبارهم ـ حسب السخافات التلمودية ـ من طينة ارفع من طينة باقي البشر حتى نجد في بعض الاسفار اليهودية (ان النطفة المخلوق منها باقي الشعوب الخارجين عن الديانة اليهودية هي نطفة حصان) ! ويلاحظ من يتابع الفكر العنصري الصهيوني ان مفهوم لفظ الجلالة (الله) عند الصهاينة وحسب اليهودية يغاير ما هو عليه بالنسبة للاديان الاخرى, ذلك ان الله في جميع الاديان هو اله جميع البشر, ولكنه عند الصهاينة (اله اسرائيل) بالدرجة الاولى, كما ان الاله ليس الا امتدادا لوعي (الامة اليهودية) وانه يكن لها حبا ويكن لاسرائيل حبا خاصا, وانه يعتبر اليهود كنزه الخاص من بين جميع شعوب الارض. ونستطيع ان نلمس الكثير من العبارات التي وردت في اسفار اليهود في هذا الاتجاه, مع الاشارة هنا الى ان التوراة الموجودة حاليا ليس لها سند متصل الى موسى عليه السلام, بل هي على النقيض من ذلك, اذ يوجد فيها ما يدل على انها كتبت بعده بزمن طويل! فمثلا جاء في سفر التثنية بخصوص وفاة موسى عليه السلام نص يقول (فمات موسى عبدالرب في ارض مؤاب ولايعرف شخص قبره حتى يومنا هذا). وهذا النص بعيد كل البعد عن ان يكون كتبه موسى عليه السلام. على اية حال ليس هذا هو مجال البحث, وانما ما يجب ايضاحه هو هذه الفلسفة العنصرية التي تقوم عليها اسفار اليهود والتي لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون معبرة عما يريده الله سبحانه وتعالى لانها ابعد ما تكون عن العدل والاخلاق وذات طبيعة عنصرية. وجاء في سفر التثنية (لانك شعب مقدس للرب الهك, وقد اختارك الرب لكي تكون شعبا خاصا فوق جميع الشعوب التي على وجه الارض) . ولعل مايشير الى التناقض الكبير في الاسفار اليهودية انها تتحدث عن قدسية مزعومة لليهود في الوقت الذي نرى فيه امثلة مغايرة في الاسفار ذاتها. فمثلا تضمن الاصحاح 20 من سفر اللاويين انذارا لبني اسرائيل بالطرد من الارض اذا هم لم يعملوا بفرائض الههم ويسيروا وفق احكامه وتعاليمه. وقد اخبرنا القرآن الكريم الكثير عن ممارسات اليهود وكيف امتدت ايديهم الآثمة الى التوراة لتحريفها حيث قال تعالى في كتابه العزيز (افتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ماعقلوه وهم يعلمون) صدق الله العظيم. واذا عدنا للحركة الصهيونية التي اعتمدت في نشاطها على الافكار الدينية اليهودية والممارسات التي مارستها منذ نشأتها نرى ان هذه الحركة شنت حربا شعواء ضد اليهود المندمجين لحملهم على الهجرة الى فلسطين. وفي هذا كتب بن غوريون الزعيم الصهيوني المعروف (ان الاندماج يشبه الوباء, والمنفى هو الجحيم حتى لو كانت امريكا والحياة اليهودية الكاملة لن تتحقق الا في دولة مستقلة وان الذي لا يعود الى الارض ليس يهوديا وان يهود أمريكا من دون إله) . أما حاييم وايزمن فيقول (هانحن يهود فقط ولا شيء آخر, شعب داخل شعوب) . وهذا يعني ان الصهيونية سعت وبشكل حثيث إلى جعل انتماء اليهودي لها وليس للبلد الذي يحمل جنسيته لكي يسهل عليها قيادة اليهود في المنحى الذي تريده, مستفيدة من التراث العنصري الذي تفيض به الأسفار اليهودية. ولعل من أهم المفارقات التي نجدها في الحركة الصهيونية هو قيامها بالتعاون مع نظام هتلر ضد يهود أوروبا الغربية, ويعتبر أول اتفاق رسمي معروف عقدته الوكالة اليهودية مع حكومة ألمانيا النازية هو الاتفاق الشهير باسم (العبارا) وقد تم التوقيع عليه في عام 1933, ومنح هذا الاتفاق اليهود الألمان الحق في نقل أموالهم على شكل بضائع ألمانية إلى فلسطين, في الوقت الذي كانت فيه جميع دول العالم ما عدا قلة تقاطع النظام الهتلري. وبذلك تكون الحركة الصهيونية قد ساعدت ألمانيا على التخلص من يهودها, مما يدل على كذب الادعاءات الصهيونية حول معاداة النازية لا سيما وان الاتفاقات توالت بين الطرفين, أما آخر اتفاق بينهما فكان الاتفاق الذي عقد في عام 1944 بين ممثل الوكالة اليهودية في هنغاريا, رودلف كاستز, وبين السلطات النازية ممثلة بادولف ايخمان الذي اختطفته سلطات العدو الصهيوني وأعدمته فيما بعد لتغطية هذه الاتفاقيات المشبوهة والمجحفة بحق اليهود أنفسهم. ولم يكن تآمر الحركة الصهيونية على يهود أوروبا ومحاولاتها تسخيرهم لأهدافها السياسية خافيا على اليهود أنفسهم, ولا يزال يهود العالم يذكرون النداء الذي وجهته حركة ناطوري كارتسا اليهودية الأمريكية والتي طالبت فيه الضمير العالمي بانقاذ اليهود من براثن الحركة الصهيونية, وأورد النداء آنذاك والذي صدر في عام 1937 في شن فبراير مجموعة من الأدلة التي تدين الحركة الصهيونية, ومنها تدمير السفينة باتريسا في ميناء حيفا في 25 نوفمبر 1940 بأمر من زعيم عصابة (الهاغاناه) آنذاك مناحيم بيجن, حيث نجم عن الحادث مقتل أكثر من 250 يهوديا كانوا متوجهين إلى موريشيوس بدلا من فلسطين, كما أورد النداء رفض الحركة الصهيونية لمشروع قانون أمريكي تبناه عضو الكونجرس وليم ستراتون في عام 1947, يقضي بالسماح لأربعمئة ألف يهودي من مشردي الحرب بدخول الولايات المتحدة, بسبب رغبة الصهاينة في استغلال ظروف اليهود لتوجيه الهجرة اليهودية إلى فلسطين وليس لأي مكان آخر, أي انها كانت تعمل لتحقيق أهدافها السياسية البحتة وليس لانقاذ اليهود من محنتهم كما تدعي. الارهاب والتخويف وهناك في الحقيقة شواهد كثيرة جدا على استغلال الصهيونية لظروف اليهود في دول كثيرة, ولكننا سنتوقف في هذا البحث عند ممارسات الحركة الصهيونية ضد يهود العراق بالذات, أما سبب ذلك فهو كون الحاخام اليهودي عوفاديا يوسف الذي شكلت تصريحاته العنصرية مدخلا لهذه الدراسة هو عراقي الأصل, أي انه واحد من ضحايا الحركة الصهيونية التي سقته كغيره من ملايين اليهود المفاهيم العنصرية وربته عليها. ففي عام 1951 تفجرت في شوارع بغداد بضع قنابل زرعت الرعب في قلوب اليهود مما أرغمهم على الهجرة إلى فلسطين المحتلة, إذ غادر العراق 124 ألف يهودي في أقل من عام واحد. ولم تفهم حقيقة هذه الانفجارات إلا بعد أكثر من 25 عاما وبواسطة يهوديين هما باروخ نادل وهو صحفي يهودي اشتهر بدفاعه عن اليهود الشرقيين ومردخاي بن يوراث واسمه الحقيقي مردا قزاز وهو من مواليد بغداد. ففي مقال نشره باروخ نادل في عام 1977 في صحيفة الطائفة اليهودية الشرقية في القدس, وكان موضوعه الهجرة بالاكراه لليهود العراقيين قال نادل: لم تستطع الصهيونية انقاذ يهود أوروبا فوجدت نفسها بعد الحرب العالمية الثانية دون هدف ذي قيمة, وحتى يجدوا مبررا لقيام دولتهم في فلسطين أخذ الصهاينة يبحثون عن يهود ينقذونهم, ووجدوا ضالتهم في يهود الوطن العربي الذين لم يكونوا يشكون من أي اضطهاد أو تعسف, ولذا عمد زعماء اسرائيل وفي مقدمتهم ديفيد بن جوريون الى التواطؤ مع الإمام يحيى حاكم اليمن ونوري السعيد حاكم العراق وحكام عرب آخرين, وكان التآمر الصهيوني يبيح للحكام العرب الضغط على اليهود شرط أن يقدموا أجسامهم لاسرائيل. ورفض يهود العراق الهجرة إلى فلسطين المحتلة لانهم كانوا في بحبوحة من العيش مما حدا بالضباط الصهاينة المرسلين من اسرائيل أن يزرعوا القنابل في الأحياء اليهودية في العراق. ولم يكن يهود العراق وحدهم هم الذين استهدفوا بالارهاب الصهيوني لارغامهم على الاندماج في المشروع الصهيوني, وإنما طال هذا الارهاب كما هو معروف يهود اليمن وسوريا والمغرب ومصر وغيرها من الدول التي تواجد اليهود فيها. وهناك الكثير الكثير من الجرائم التي ارتكبها الصهاينة والتي يصعب حصرها, سواء قبل اقامة الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948 أو بعد ذلك. ولكن المفارقة التي تبرز بوضوح هنا هي ان الحركة الصهيونية التي استغلت الشعور الديني اليهودي, لم تزرع عنصريتها في المجتمعات الأخرى فقط, وإنما طالت هذه العنصرية المجتمع الاسرائيلي ذاته, حسب المثل القائل (صانع السم لابد ذائقه) , إذ ان سياسة التمييز العنصري تظهر بوضوح حتى بين الاسرائيليين أنفسهم, حيث يعاني اليهود الشرقيون (السفارديم) من عنصرية اليهود الغربيين (الأشكيناز) الذين ينحدر منهم معظم قادة الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من ان التمييز بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين قديم قدم الصهيونية نفسها, إلا ان مظاهر التمييز العنصري استمرت بل تزايدت بعد اقامة الكيان الاسرائيلي في فلسطين, حتى ان هناك من يمنع الزواج بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين. وفي مقال كتبه مائير بن حاييم أحد أعضاء اللجنة المركزية لحزب (ماباي) في الأول من سبتمبر عام 1965, قال مخاطبا قادة الكيان الاسرائيلي حول الحياة في اشدود (هناك مشكلة جذرية وخطرة, تواجهنا جميعا في اشدود, انكم تميزون في معاملة أهل اشدود, لان لونكم أبيض ولونهم أسود, فأنتم تكرهون كل ما يمت للشرق بصلة فتذكروا ما حدث في لوس أنجلوس) . وخلص بن حاييم إلى القول انه عندما كان يعيش بين العرب في الدار البيضاء, كان يشعر بوجوده الذاتي والاجتماعي هناك أكثر من شعوره بهما في (اسرائيل) . وقصة مثل هذه إذا ربطناها بالتصريحات العنصرية التي تفوه بها مؤخرا الحاخام اليهودي المتشدد عوفاديا يوسف ضد الفلسطينيين والعرب قد تشير إلى ان هذا الحاخام إنما يحاول التعويض عن الوضع الذي يعيشه وأمثاله في الكيان العنصري الصهيوني, من خلال ممارسة الفوقية والاستعلاء على أناس آخرين هم العرب بالتأكيد الذين عاش هذا الحاخام وغيره من اليهود الشرقيين بينهم بسلام على مدى قرون عدة, وكان من الممكن لهم أن يستمروا في العيش هكذا لولا غزو الفكر الصهيوني العنصري الاستعماري لعقول الملايين من اليهود وتحويلهم إلى أدوات رخيصة لخدمة المشاريع الاستعمارية الغربية التي كانت ولا تزال ترى في المشروع الصهيوني الضمانة الأكيدة لمصالحها الاقتصادية في الوطن العربي, والعصا التي يمكن هزها بسهولة في وجه أي حركة تحرر عربية تهدف إلى النهوض بالأمة العربية وتخليصها من تسلط المستعمرين وأطماعهم التي ليس لها حدود. كاتب واعلامي فلسطيني