قصتنا مع الكتاب طويلة ومعقدة وشائكة للغاية, لأن الامر لا يتعلق بجانب واحد محدد في حياتنا الثقافية وانما بجملة من الجوانب التجارية والطباعية والاقتصادية والسياسية والجمركية وغيرها, وهذه جميعها تتضافر لتجعل من قضية الكتاب العربي مأساة حزينة. فإذا خطر لمؤلف ان يدخل معترك تأليف كتاب ويخوض غمار طباعته ثم يركب اخيرا مركب توزيعه, سيجد نفسه امام رحلة شاقة بالغة الصعوبة, وتحفل بمختلف ألوان العقبات التي لا قبل له بتحملها الا اذا كان من الصابرين الذين لا تلين لهم قناة. وعليه خلال هذه الرحلة المريرة ان يجتاز مسافات شاسعة, واصلا آناء الليل بأطراف النهار, وباذلا من الجهد المضني ما لا يمكن ان يتصوره الانسان العادي الذي لم يتح له يوما ان يمتطي صهوة تأليف الكتب ونشرها. والمشكلة المؤسفة هنا ان نهاية الطريق لا تبشر دائما بثمرة مشجعة, او بمردود يتناسب بحال من الاحوال مع الجهد المبذول, اللهم الا ما يشعر به المؤلف من فخر واعتزاز وغبطة لقدرته على ايصال افكاره الى الآخرين. واول خطوة باتجاه ولادة كتاب جديد تتمثل بالعثور على عنوانه وفكرته ومضمونه. وهنا يتوجب على صاحب الكتاب ان يختار موضوعا يتلاءم مع اختصاصه واهتمامه وخبرته, وإلا جاء عمله غثا وضحلا وغائم الافكار. وبعد تحديد الفكرة والمحتويات تأتي مرحلة العمل الفكري المنهكة للعقل والمتعبة للجسد والتي يمكن ان تمتد من شهور الى سنوات, واحيانا وفي بعض الحالات الخاصة, الى عقود. وخلال هذه المرحلة, يتوجب على المؤلف ان يرجع الى العديد من المصادر, ويتقصى الكثير من المراجع, وأن يتحقق من صحة المعلومات التي يعثر عليها, وكذلك ان يتأكد من خلو كتابه من الاخطاء اللغوية والنحوية, ولا سيما الاخطاء الشائعة التي لا يسهل دائما اكتشافها الا اذا كان المؤلف متخصصا في العلوم اللغوية. وعليه بعد ذلك ان يعيد صياغة الافكار, مرة تلو الاخرى, حتى يستقيم المعنى, ويتوضح المضمون ويرتقي السبك اللغوي وتنعدم الاخطاء. الطباعة والنشر وعندما تنتهي هذه المرحلة, قد يتنفس المؤلف الناشىء الذي يؤلف لأول مرة الصعداء, ظنا منه انه قد ودع المرحلة الحرجة من رحلته مع الكتاب, وان ما هو آت خال من الصعاب ومفروش بالورود, او على الاقل, غير مزروع بالاشواك والالغام, الا ان المرحلة المقبلة التي تتدخل فيها عدة جهات, تكون احيانا اصعب من المرحلة الاولى التي تتعلق بالمؤلف وحده, والذي بات عليه الآن ان يقرر اين يطبع مخطوطته, وهل يفعل ذلك على نفقته الخاصة, ام يعرض انتاجه على احدى المؤسسات الثقافية الرسمية او على دار نشر اهلية,. وبالنسبة لمكان الطباعة, لا مناص من ان تكون ايديولوجية الكتاب واتجاهاته العامة متناغمة ومتوافقة مع التوجهات السائدة في بلد الطباعة, والا, فلن تحظى المخطوطة بجواز المرور الى النشر, وستبقى قابعة في الدرج تنتظر الفرج. واذا تم حل هذه المشكلة, يواجه المؤلف مشكلة مشابهة لها, فحينما يختار هذا ان يقدم مخطوطته لاحدى دور النشر, عليه ان يتأكد من ان مضمونها ينسجم مع اهتمامات هذه الدار وافضلياتها وتوجهاتها, كما ان عليه ان يخضع لشروط ثقافية وطباعية وتجارية, قد تكون مجحفة او غير مقبولة, مثل احتمال طلب الدار من المؤلف اجراء تعديلات في افكار المخطوطة, مما يعني هدرا لجهده, وفي بعض الاحوال, استهانة بفكره وادبه. وبعد ذلك, هناك الانتظار الطويل شهورا او ربما سنوات حتى تتم طباعة الكتاب. ومن العقبات الآخرى ان بعض دور النشر الخاصة لا تفتش عن الكتاب القيم علميا والرفيع فكريا, بقدر اهتمامها بالكتاب الرائج تجاريا, حتى لو لم يكن جيدا. وفي هذه الحالة, فإن الدار قد تقبل للنشر كتابا يعالج موضوعات دارجة مثل قضايا المراهقة والحب وقصص الفنانات ومغامرات العشاق, اذا كان هناك من يشتريه من الشبان والشابات والباحثين عن التسلية وتزجية اوقات الفراغ, وقد ترفض نشر كتاب عميق الافكار ونبيل التوجهات ورفيع المستوى الادبي, اذا لم يكن له حظ في سوق البيع, وكان قراؤه محصورين في صفوة الدارسين ونخبة المثقفين. وعدد هؤلاء كما نعلم محدود. وفي مثل هذه الحالة فإن من الصعب علينا ان نقسو على دار النشر ونتهمها بالانتهازية لأنها لو طبعت كتبا قيمة لا تجد من يشتريها بما يكفي لتغطية النفقات, ستصاب حتما بالافلاس وتغلق ابوابها. كما انه في المقابل, لايسعنا ان نبارك نهج الدار وندافع عنه, لأنه يعني الاضرار بقضية الثقافة من اجل الربح المادي. واذا تم اجتياز مرحلة الاتفاق مع الدار بسلام, فإن المؤلف ربما لا يسلم من احتمال غمط بعض حقوقه المادية, اذا كان غير قادر على فرض شروطه, لأن دار النشر قد لا تدفع له الا اجرا ضئيلا للغاية, ولا سيما في الفترة الراهنة من حياتنا الثقافية المعاصرة, والتي اختطفت فيها قنوات الفضاء التلفازية, بأخبارها المثيرة وصورها الساحرة, الاضواء وحجبتها الى حد ما عن الكتب الجادة, برصانتها ومنهجيتها, مما اصاب سوق الكتاب بالجمود والكساد. اما اذا اختار المؤلف ان يطبع الكتاب على نفقته الخاصة ويدفع التكاليف من جيبه الخاوية, فإن الامر سيصبح ادهى وأمر, لأن توفير تكاليف الطباعة لا يتيسر لكثير من المؤلفين الذين يعيشون في ظروف معيشية قاسية, ويعتصرون لقمة عيشهم بصعوبة من اشداق الزمن. واذا افترضنا ان المؤلف استطاع توفير المال, فإن عليه الآن ان يعثر على مطبعة موثوقة ومأمونة, لأن المطبعة السيئة لا تخرج الا كتابا سيئا بتكاليف عالية. وأول مرحلة في الطباعة تدقيق البروفات وتصحيحها وهذه مهمة شاقة لا يدرك حدود مصاعبها الا من كابدها وامتطى صهوتها المعاندة. واول مشكلة هنا ان المؤلف مهما دقق وصحح وبذل من جهد متواصل لا يفتر, فإنه لا يمكنه انجاز مهمته بنجاح كامل, لأنه هو صاحب الكتابة, وهذا يعني ان عينه لا تبصر ما هو مكتوب في البروفة, وحسب وانما تقرأ ايضا ما كتبه هو في الاصل. وفي هذه الحالة عندما توجد غلطة مطبعية, فإنه قد يسهو عن تصحيحها, لأن عينه تبصر بشكل لا شعوري الكلمة الاصلية التي كتبها بشكل صحيح. ومثل هذه الامور الدقيقة والحساسة لا يعرفها الا المؤلفون الذين يمارسون تقديق اعمالهم بأنفسهم. واذا افترضنا ان آخرين ساعدوا المؤلف في التدقيق, فإن هؤلاء لا يمكن ان يتوافر لهم الحافز الكافي للمواظبة والجلد ودفع الثمن الباهظ الذي يستلزمه التدقيق الصحيح. مصاعب فنية واذا طوينا كشحا عن جميع هذه المصاعب, وافترضنا ان كل شيء سار على ما يرام وتم التدقيق بسلام, وعلى احسن وجه, فإننا مع ذلك, سنواجه مشكلة فنية اخرى غاية في الغرابة. وهي ان البروفة التي يجري تصحيحها بنسبة مئة بالمئة, تبقى معرضة للاخطاء المطبعية, بعد الطباعة! فهناك مشكلات (التحبير) و(البلاكات) المطبعية واحتمال اشتطاط الآلة الطابعة نفسها. اضف الى كل ما سبق عقبات فنية اخرى لا مجال للاسترسال فيها. وهذا يفسر لنا لماذا يكافح اصحاب الكتب والدوريات كفاحا مريرا لا هوادة فيه كي تخرج مطبوعاتهم خالية من الاخطاء المطبعية دون ان يتمكنوا من احراز نجاح كامل في هذا المجال. فلابد ان تبرز فجأة لدى انتهاء الطباعة خطيئة مطبعية, هنا او هناك من المطبوعة, وبعد فوات أوان تصحيحها. وفي الماضي, ايام (طباعة التيبو) كانت المشكلة اكثر خطورة, لأن المدقق, عندما كان يصحح كلمة في سطر, يجد بعد التصحيح ان خطأ آخر برز في كلمة كانت صحيحة في السطر السباق, وبعد استخدام الحاسوب والطباعة بالأوفست, تحسن الوضع, ولكن المشكلة كما اسلفنا, لم تحل بشكل كامل. وبالاضافة الى مشكلة الاخطاء المطبعية, هناك ايضا مشكلة الغلاف, فقد يكون تصميمه رائعا وتتم طباعته بعدة ألوان ومع ذلك قد نجده بعد الطباعة باهتا وجامدا ولا يستسيغه بصر القارىء. وبعد ان تؤذن مرحلتا التأليف والطباعة بالانتهاء, يتصور المؤلف الناشيء ان الطريق اصبحت ممهدة لجني المحصول الناضج وقطف الثمار اليانعة. ولكن للأسف, فإن ما مضى ليس اسهل مما سيكون! فهناك معضلة توزيع الكتاب وبيعه. ويظن بعض الناس العاديين ان الكتاب ما ان يطرح في الاسواق ويظهر في واجهات المكتبات حتى يسارع كثير من الزبائن الى شرائه واقتنائه, وانه لن تمضي اسابيع او شهور قليلة حتى تنفد نسخ الكتاب ويسبح المؤلف في بحر الارباح! ولكن هذا ليس اكثر من اضغاث احلام, لأن العقبات في هذا المجال كأداء اذ ان كثيرا من الكتب القيمة رفيعة المستوى تقبع في المكتبات لفترة طويلة من الزمن, دون ان يباع منها الا القليل. والامل يكمن في بعض المؤسسات الرسمية والثقافية التي يمكن ان تقتني نسخا كثيرة من الكتب لقيمتها العلمية او تشجيعا للمؤلف. اضف الى ما سبق ان كثيرا من الكتب تبقى سجينة ضمن المدينة التي طبعت فيها, لأن دار التوزيع لا تحاول ايصال الكتاب الى باقي المدن والارياف تهربا من تكاليف الشحن التي عليها ان تسددها كاملة دون ان يكون هناك ما يضمن بيع النسخ المشحونة او حتى نصفها او ربعها. واكثر من ذلك فإن النسخ التي يفوتها قطار البيع, قد يعتريها الاهتراء والتمزق والتوسخ مع مرور الزمن, فتفقد الكثير من قيمتها الاحتياطية. وفي حالة التفكير بإرسال نسخ من الكتاب الى خارج البلد الذي طبع فيه, تنشأ مشكلة اخرى, تضاف الى مشكلة تكاليف الشحن, وتتمثل بضرورة الحصول على السماح بتوزيع الكتاب في البلدان الاخرى التي سيطرح في اسواقها. واذا كانت الصورة التي عرضتها تبدو متشائمة فإنني اتحدث على الكتب العادية وليس كتب عمالقة الفكر والادب, وعلى الوقت الحاضر تحديدا. اما في الماضي وحتى قبل اقل من عقد من الزمان, فقد كانت الحال افضل بكثير مما هي عليه اليوم بالنسبة لسوق الكتاب, وكان اصحاب دور النشر والمؤلفون يجنون الارباح. اما الآن فقد تعالت الاصوات التي يطلقها المؤلفون واصحاب المكتبات ودور النشر, والتي تشكو من عدم قدرة المستودعات على استيعاب احتياطي الكتب غير المباعة. .. وماذا بعد؟ كانت هذه بعض ملامح قصتنا المؤسية مع الكتاب العربي, وما تتخللها من فصول مثبطة للعزيمة ومحبطة للفكر. ولا يمكن لأحد بالطبع ان يتوقع حلا سحريا للمشكلة, فالأمر غاية في الصعوبة والحل الكامل يكاد يكون ضربا من المستحيلات في هذه الحقبة من الزمن على الاقل, لأن المسألة تتعلق بجوانب حياتية متعددة لا بجانب واحد, واساس المشكلة هو عدم وجود قارىء متحمس للقراءة وقادر على شراء الكتاب في آن واحد. ولا شك اننا نستطيع ان نجد اناسا كثيرين يتعطشون للقراءة, ولكن معظمهم لا يقدرون على الشراء, لأن هناك ضرورية اهم بالنسبة اليهم من الكتاب. كما ان بوسعنا ان نعثر على اناس كثيرين قادرين على الشراء, ولكن معظمهم لا يبالون بالقراءة ولا يعيرون الكتاب اي اهتمام. ولا ننسى ان حياتنا العصرية الحافلة بالمتاعب المالية والاجتماعية والصحية, وبالمشاغل اليومية الثقيلة, تدفع بالعديد من القراء الى اقتناص الاخبار السريعة ومقالات (الساندوتش) القصيرة بدلا من الدراسات المستفيضة والتحليلات المطولة والكتب الاكاديمية. وهذا خطأ ثقافي فادح. ولكن هل معنى ما سبق ان الطريق اصبحت مقفلة امام انتشال الكتاب العربي من الهوة التي سقط في قاعها؟ وهل هناك بصيص من امل؟ اقول للأسف ان مشكلة الكتاب جزء من حياتنا الثقافية والفكرية والادبية العامة. وهذه بدورها ترتبط بالاوضاع السياسية والاقتصادية, وحتى العالمية. وهذا كله يدل على مدى صعوبة المشكلة. ولكن هناك بارقة امل تكمن في الدولة ـ والمقصود بذلك اية دولة عربية ـ فالافراد ومؤسسات النشر لا تستطيع ان تحرك ساكنا او تفعل شيئا حيال المسألة... اما الدولة فإنها اذا خصصت اموالا اضافية لدعم الكتاب, تستطيع ان تقلب الصورة رأسا على عقب والى حد كبير.. فإذا قدمت هذه للمؤلف او لدار النشر دعما ماديا بواسطة تزويده بورق الطباعة بأسعار رمزية (مثلا) فإنه سيكون قادرا على طباعة الكتاب وبيعه بسعر منخفض مما سيدفع بالكثيرين من القراء الى الاقبال على شرائه. وهذا مجرد مثال واحد عما تستطيع الدولة ان تفعله لاخراج الكتاب من محنته ومن الطريق المسدود الذي وصل اليه. وبعد, فإذا كانت قصتنا مع الكتاب العربي حزينة كما قلت من البداية فإن القصة مع الكتاب الاجنبي مختلفة, ويتخللها الكثير من الفصول الممتعة والمشجعة, فالمؤلف في الاقطار المتقدمة, يحصل على مكافأة مالية مجزية بشكل سلفة, حتى قبل ان يشرع في تأليف الكتاب, وبمجرد ان يتم تكليفه بذلك. وخلال مرحلة التأليف يظل يتلقى دفعات مالية. وبعد صدور كتابه يجد آلاف القراء يتهافتون على شرائه, والعديد من الدوريات تتنافس على الكتابة عنه, ولا سيما اذا كان الكتاب قيما ومهما. وبعد, فإن من المؤكد ان حاجة المؤلف الى القراء في الافكار العربية اكبر بكثير من حاجة القراء الى المؤلف, للأسف والعكس هو الصحيح في الاقطار المتقدمة حيث نجد المؤلف دائما في موضع الحفاوة والتكريم, كما نجد الطلب على اعماله وانتاجه اكبر من ان يستطيع احيانا تلبيته, مما يضطره الى اعادة طباعة الكتاب اكثر من مرة. وبتعبير آخر, فإن القارىء في البلدان المتطورة هو الذي يفتش عن الكتاب, اما في البلدان المتخلفة, فإن الكتاب هو الذي يفتش عن القارىء. ألم اقل لكم منذ البداية ان قصتنا مع الكتاب العربي حزينة؟! * كاتب سوري