ترجع الجذور التاريخية لقضية العمالة الوافدة (غير العربية) في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى (المشكلة الأم) , ألا وهي التركيبة السكانية التي انبثقت أولى لبناتها الأساسية منذ عهد الأستعمار الأوروبي المتسلط, وفي مقدمته الأستعمار البريطاني الذي ما زالت رواسبه باقية إلى اليوم في بعض المجالات وفي طليعتها خلل التركيبة السكانية ومشاكلها العالقة التي أصبحت واقعا ملموسا لا يمكن الهروب منه, بل يجب التعامل معه, نظراً للحماية الغريبة والسريعة التي تتحصن بها هذه العمالة, سواء كانت تحت المظلة الشرعية أو غير الشرعية. ومنذ أن تحصنت تلك العمالة بعدة قلاع وحصون سواء أكانت إماراتية أوغير إماراتية وهي تعمل جاهدة بشكل آن وسريع في الكسب المشروع وغير المشروع, إلا أنها أصبحت على المدى الطويل ظاهرة من الظواهر المعقدة التي طالت مجتمعنا وأثرت عليه تأثيراً مباشراً من جميع النواحي السياسية والإجتماعية والثقافية والإقتصادية والأمنية. وقد أختلفت وجهات النظر حول المجالات الأربعة السياسية والإقتصادية والأمنية والثقافية في تناولها من قبل الباحثين والأكاديميين ووسائل الأعلام المختلفة, وأصبح الخطر نوعاً ما أقل من الماضي القريب نتيجة الخطط والقرارات واللوائح والقوانين التي اعتمدت من قبل مخططي سياسة العمل في دولتنا. ونظراً لصعوبة اتخاذ القرار على المستوى الرسمي حول المجال الإجتماعي دون إجراء بحوث ميدانية للكشف عن حقيقة الاتجاهات النفسية للعمالة الوافدة (الآسيوية والأفريقية والأوروبية) غير العربية, تجاه مواطني الدولة بكافة فئاتهم الغنية والفقيرة, فإن هذه الدراسة تسعى إلى وصف الظاهرة وتحليلها من وجهة نظر الواقع الميداني الإماراتي الذي يتعامل مع هذه الفئات بشكل يومي سواء في مجال العمل أو غير العمل. وتعد دولة الإمارات من المجتمعات الخليجية التي تشكلت أوجه الحياة فيها بعد ارتفاع اسعار النفط منذ السبعينيات من القرن العشرين. ونتيجة للخطط الطموحة التي انتهجتها الدولة في تلك الفترة زاد الطلب على العمالة, ولما كانت العمالة الوطنية الإماراتية غير متاحة بالكم والكيف الملائمين لقطاعات التنمية من جهة وقطاع اللاتنمية من جهة أخرى,. فقد برزت الحاجة إلى العمالة الوافدة على تعدد مصادرها. وقد ارتبطت الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى الإمارات بمشروعات التنمية الإقتصادية والإجتماعية وخططها لاستثمار العوائد النفطية والغازية في المشروعات التنموية, وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات أصبح الوافدون يمثلون أكثر من عدد السكان الأصليين. وقد أسفر التدفق الهائل من العمالة الوافدة عن تركيب سكاني غير متجانس من الجوانب السياسية والثقافية والإجتماعية والديموغرافية, والمتتبع لهذا المزيج السكاني يلحظ إشكالية يمكن رصد مظاهرها في الآثار السلبية التي أثرت بالفعل على الهوية الثقافية والسياسية, بل إنها تتطلع إلى الهوية الإجتماعية وفك الارتباط بين الإقامة والعمل والتعامل, بل تجاوزت ذلك فأصبحت إعصارا يهدد مجتمع الإمارات بدون أن يشعر أحد من أفراده. إن هذه الظاهرة التي تمس مشاعر المواطنين, تعتبر في مضمونها وتركيبها أخطر من الغزوات العسكرية التي تعرضت لها دولة الإمارات على مر تاريخها السياسي المختلف. تذبذب الظاهرة وقد اتصفت ظاهرة هجرة العمالة الوافدة إلى دولة الإمارات بالتذبذب منذ عام 1947م وحتى عام 1990م نتيجة عدة أسباب مباشرة وغير مباشرة حدثت لبعض الدول الآسيوية والأفريقية والأوروبية. فمن الأسباب غير المباشرة, انفصال الهند عن بنجلاديش وباكستان وانفصال بنجلاديش عن باكستان وسقوط الاتحاد السوفييتي في أوروبا وانتشار المجاعة والحروب الأهلية في أفريقيا, كل هذه الأسباب أثرت تأثيرا ً كبيراً في الهجرة إلى دولتنا. أما الأسباب المباشرة التي وضحت فيها نسبة التذبذب والتعامل والإنتماء الوظيفي بشكل منطقي وفعلي, فهما سببان رئيسيان, الأول منهما حينما تعرضت دولة الكويت للغزو العراقي في عام 1990م, وبعد حرب التحرير عام 1991م اختلفت صورة المجتمع في دولة الإمارات بشكل تام تقريباً, فقد كانت كارثة الغزو بمثابة اختبار حقيقي للمخاوف التي طالما حذرت منها الدراسات العلمية ؛ تلك المخاوف التي دعت وزارة الداخلية في دولة الإمارات الى أن تصدر تعميماً لحملات تفتيشيه على جميع مناطق الحدود الإماراتية بكافة نطاقاتها البرية والبحرية والجوية, إذ ارتبط ذلك التعميم ارتباطاً مباشراً بعدم الأستقرار السياسي والإجتماعي عند بعض العمالة الوافدة نتيجة الزيادة غير المخططة لهذه النوعيات من العمالة, التي طالت البنية الإجتماعية آنذاك ومازالت تسعى لكي تطال الجوانب الأخرى من البنية الإجتماعية لأفراد دولتنا لعدم وجود الرادع القانوني الجاد الذي يحد من تصرفاتها تجاه المواطنين! أما السبب الثاني فهو تأثير تلك العمالة على قوة العمل الإماراتية, فمؤشرات البطالة المقنعة وانتشارها بشتى أشكالها خير دليل بين المواطنين واستخدام غير كفء لطاقاتهم أمام أنظار الطامعين. في الوقت الذي تزداد فيه حاجة فئة من المواطنين إلى العمل وهم طبقة ذوي الريع والمؤجرين وأصحاب الدخول من العقارات والأسهم, ومع ذلك فإن قوة العمالة الوافدة الآسيوأفريقية ـ والأوروبية تشكل 65% إلى 70% من قوة العمل, في الوقت الذي تنادي فيه دولتنا (بأمرتة) جهاز العمل في القطاعين العام والخاص. ومع تضخم العمالة الوافدة الماهرة وغير الماهرة في دولتنا وضعف الإنتاجية بشكل عام في جميع النواحي وسعيها لتهميش تأهيل العمالة المواطنة والتقليل من شأنها الإجتماعي بعدة طرق ووسائل, لم تتم دراسة هذه الظاهرة على الأقل ولو في المستوى الافتراضي الواقعي من جهة مخططي سياسة العمل التي تتغاضى عن تصرفات العمالة بقصد أو بدون قصد! ومن هنا تبرز الحاجة الملحة والآنية إلى ضرورة تخطيط الموارد البشرية الوطنية والوافدة وترشيدها, ونظراً إلى ندرة الدراسات العلمية التي تتصدى لبحث تكلفة وجود العمالة الوافدة وفوائدها وتقييم الآثار الإيجابية والسلبية ـ إجتماعياً وسلوكياً لهذه الظاهرة وخاصة تجاه المواطنين ـ فإن التخطيط العلمي يتطلب إجراء مزيد من الدراسات التي تقيس اتجاهات العمالة الوافدة نحو المجتمع الإماراتي للكشف عن طبيعة عدم الوعي الجمعي UN Collective Consicousness للعمالة الوافدة وابنائها بكافة قطاعاتهم المثقفة وغير المثقفة تجاه مواطني دولة الإمارات, مما يساعد على رسم سياسة واضحة تخدم المشروعات التنموية بكفاءة عالية وبأقل تكلفة ممكنة. ونظراً إلى انتشار العمالة الوافدة في البيوت والمدارس والشركات ومختلف المؤسسات, بالإضافة إلى تنوع ثقافات هذه العمالة وتنوع أنماط حياتها ودياناتها, فإن المجتمع الإماراتي بأسره واقع في إطار احتمالات أن يكون لهذه العمالة وابنائها آثار سلبية تجاه أبناء الإمارات في المستقبل القريب والبعيد, سواء على المستويات الفردية أو الجماعية والمؤسسية في المجتمع الإماراتي. مشكلة الدراسة : إن مشكلة العمالة الوافدة امتدت منذ قدومها إلى جذور النظم الإقتصادية والسياسية والأمنية (كما اسلفنا) فها هي تنتشر إلى جذور النظم الإجتماعية والثقافية كانتشار النار في الهشيم, وتدس الدسائس وتطلق مدافعها بشكل مباشر وغير مباشر لتهدم القلعة الإجتماعية الإماراتية الصامدة بثقافتها, التي تشمل النشء والكبار من ربات البيوت والشباب الذين يؤهلون لتولي الوظائف في الدولة بدلاً من الكبار المتقاعدين الذين قدموا خدماتهم الوطنية بأكمل وجه. كما تسعى العمالة الوافدة أن تستخدم سلاحها الفاسد من أجل قصف الآداب والعادات والأخلاقيات الإماراتية بدون سابق آنذار إلا آنذارا واحدا وهو اللامبالاة والتسلط. كل هذه الآثار الإجتماعية المرتبطة بالعمالة الوافدة تندرج تحت مجهولاتهم عن دولتنا وخاصة من الناحية الإجتماعية التي تربى عليها أبناء هذا الوطن من جيل الكبار وخاصة في ظل الأسرة الممتدة, وتأتي هذه العمالة في يوم وليلة وتحت الرؤية الليلية لها لتهدم القلعة الوطنية. لذلك فإن جميع هذه الآثار الإجتماعية المرتبطة بالآداب والعادات والأخلاقيات والتقاليد يمكن أن تكون مجالاً لقلق إذا لم تتصد لها احدى الجهات المسئولة في الوقت الحالي, سواء أكانت وزارة العمل أو وزارة الداخلية أوغيرها من الجهات المؤثرة صاحبة القرار السياسي الفعال! وانطلاقاً من أهمية البحوث السابقة لمجموعة من الباحثين الإماراتيين التي تم من خلالها رصد مجموعة من الظواهر السلبية, فعلى واضع سياسة العمل والتوظيف الأخذ بالاعتبار الظواهر السلبية الأخرى في البحوث المستقبلية وخاصة من جانب مجموعة من التجار الآسيويين الذين هربوا بملايين الدولارات والمجموعة الأخرى التي ما زالت تهدم وتنصب على المواطنين والشركات الوطنية بشتى الطرق. فإن نفسية المواطنين الإماراتيين وتوجهاتهم نحو تلك النماذج من الأشخاص والعمالة الوافدة الأخرى التي (تستهبل) وتردد الفاظا وموضوعات وقضايا أخرى من الماضي والحاضر, قد غرست فيهم التطلع والمطالبة بتأسيس قاعدة بيانات علمية من قبل الجهات المسئولة عن العمل والتوظيف حول اتجاهات العمالة الوافدة نحوهم, من الناحية الإجتماعية والسلوكية وجميع نواحيها الأخرى سواء كان من جهة كيفية التعامل والمخاطبة, أو من جهة اتجاه العامل الأجنبي ونفسيته تجاه كفيله وسلوكياته معه... و كيفية التعامل مع أفراد أسرته... وهكذا نقيس على باقي الطبقات العمالية الأخرى من الناحية السلوكية والأدبية مع كافة قطاعات المجتمع حتى نضع حدا للسياسة العمالية من الناحية الإجتماعية والسلوكية حتى لاتتفاقم القضية أكثر مما مضى. وهذه الدراسة لاتلزم مخططي سياسة العمل على فهم نفسيات العمالة, ولكن تتمنى مثل ما يتمناه باقي المواطنين إعادة فهم مجمل أوجه الحياة الإجتماعية والسلوكية والأدبية للعمالة الوافدة وتقويمها في دولة الإمارات بشكل عام. تباين الثقافات وإزاء تشعب آثار ظاهرة (العمالة الوافدة) وامتدادها إلى العمق الإجتماعي الإماراتي المحافظ وترابطها مع ظواهر الانفكاك الأسري وتأخر سن الزواج بين الإماراتيين, تصبح دراسة هذه الظاهرة (الاتجاه النفسي للعمالة الوافدة وسلوكياتهم نحو المواطنين) ضرورة تحتمها مقتضيات المرحلة التي يمر بها المجتمع الإماراتي في القرن الحادي والعشرين. ونظراً إلى قلة الدراسات الواقعية والمنطقية التي أجريت لمعرفة اتجاهات العمالة الوافدة نحو المواطنين وآثارها ومدى تقبل المواطنين لها, وسعياً إلى فهم هذه الظاهرة بالظواهر الأخرى على المدى البعيد كالظواهر السياسية والأمنية والأقتصادية التي تم وضع الحلول لبعض مسائلها, وفي الحالة الإنتظارية للمسائل الأخرى, لأنها تقع بين فكي كماشة! فإن هذه الدراسة ستحاول التصدي لبحث الجوانب المختلفة السلبية من الناحية الإجتماعية للعمالة الوافدة تجاه مواطني الدولة. ومن هنا فإن مشكلة هذه الدراسة تكمن في السؤال التالي: ما طبيعة الاتجاهات النفسية للعمالة الوافدة نحو المواطنين ومدى تقبلهم لها ؟ الإجابة بسيطة وغير معقدة, إذ تدرج دراسة الاتجاهات النفسية للعمالة الوافدة نحو المواطنين تحت إطار تاريخي يتمثل في رحلة التواصل التاريخي بين الثقافات Intercultural Co mm . Inter فقد بدأت أولى ينابيعها من خلال الحضارة العربية الإسلامية التي كانت حضارة إمارات الساحل أحد فروعها, والتي تعرفت على العديد من الحضارات المجاورة بأختلاف أجناسها وأنواعها وديانتها وثقافتها, كالحضارة الهندية والصينية والفارسية واليونانية وغيرها. وعلى مر العصور أصبح هناك تبادل حضاري. فالاتجاهات النفسية التي نعيشها اليوم هي من الجانب النظري عملية تفاعل رمزي تتضمن تبادل المعاني بين أناس مختلفين في ثقافاتهم, ويدخل تحت هذا النوع من التواصل مثل Cross lutural . Comm ويتم بين أفراد وجماعات تنتمي إلى ثقافات متباينة. وهناك أيضاً الاتصال بين الجماعات العرقية Inter Ethenic Comm. وهذا النوع من الاتصال نلاحظه في نسيج الكثير من ثقافة العمالة الوافدة من آسيا وفئة البدون في دولة الإمارات, وقد اشتهر العديد من افراد هذه الجماعة العرقية بالكذب والخداع تجاه المواطنين سواء في مجال العمل أو غير العمل وهم غالباً ما يطلق عليهم (تجار الشنطة) لأن وجودهم مؤقتاً ومرهون في ساعة هروبهم من الدولة. وهناك الاتصال بالغرباء Communication with strangers وهذا ما نلاحظه في العمالة الوافدة من أوروبا وأفريقيا أيضاً, التي يمارس بعضها النصب والاحتيال وغسيل الأموال والشعوذة والجنس وهدم البنى التحتية الإجتماعية. * كاتب وباحث من الامارات اتجاهات العمالة الوافدة وأثرها على البنية الإجتماعية في الامارات (2 ـ 3) بقلم: حسن علي الحمادي* من خلال سردنا لبعض الاتجاهات النفسية للعمالة الوافدة التي جلبنا مصادرها من الواقع الإماراتي, يتضح لنا أن هذا النوع من الاتصال يمكن أن نطلق عليه الاتصال الجماعي الإجتماعي الذي يبتعد كل البعد عن الظاهرة الفردية التي يطلق عليها البعض نتيجة الممارسة الشخصية للأفراد, لأن الواقع الذي نعيشه لم يقتصر على فرد واحد من المجتمع بل مجموعة من الأفراد وهو تعريف المجتمع. لذا التعريف الأوسع للاتصال هو ذلك النظام المتكامل للسلوك الذي يحدد وينظم Regulates ويحافظ Sustains ويسهل العلاقات الأنسانية وهو الآلية التي تجعل الحياة الإنسانية الإماراتية في ظل العمالة الوافدة المعقدة غير ممكنة. وبطبيعة الحال, إذا عدنا إلى الاتجاهات النفسية التي اسلفنا ذكرها, فإن المجتمع الإماراتي يرفضها رفضاً قاطعاً لأنها لاتمت إلى مجتمعنا بصلة. وقبل أن نذكر الأسباب التي جعلت مجتمع الإمارات يغفل عن تلك السلوكيات والاتجاهات النفسية للعمالة, لابد من معرفة الحد الفاصل بين علاقة التسامح واللاتسامح على مر العصور التاريخية المختلفة, حتى نستطيع الحصول على نتائج إيجابية بخصوص ظاهرة العمالة الوافدة من الناحية النفسية تجاه المواطنين. لاشك أن العلاقة بين التسامح واللاتسامح غامضة وقائمة فهما طرفا نقيض, وفضلاً عن ذلك فإن دورهما مؤثر تأثير مباشر في استقرار المجتمع وتقدمه. والتسامح لم يكن غائباً عن الموروث العربي بثنائيته القيمية والدينية. فالقرآن الكريم يحض على التسامح حتى في أكبر حالات القصاص شدة وهي القتل. إذ يحض على الصفح. كما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مثالاً للتسامح عند فتح مكة, حيث سأل (ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا) أخ كريم وابن أخ كريم (فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهكذا, فالتاريخ الإسلامي يقدم لنا نموذجا للتسامح منذ الخلافة الراشدية والأموية والعباسية والدويلات الانفصالية والعثمانية إبان ضعفها الذي بدأ فيه التسامح يفقد مصداقيته عن العروبة واللغة, ثم عاد التسامح مرة أخرى في الثمانينات والتسعينيات من القرن العشرين, وبالتحديد في الحربين الخليجيتين وغيرها من المواقف العربية التي اظهرت التسامح, والذي يعد المبدأ الأول لقانون الطبيعة وحقوق الإنسان بشكل عام. أما موضوع اللاتسامح فهو يمكن أن نطلق عليه غائباً طبيعياً وغير مقصود منذ بداية قدوم العمالة الوافدة, إلا أنه حاضر في بعض الظروف الطارئة. وأعني بذلك, منذ بداية ظهور التجارة البسيطة في إمارات الساحل تم جلب العمالة الوافدة على حسب الحاجة ومنحت فرص عمل على نطاق ضيق ومحدود. وبالرغم من محدودية عملها آنذاك, فقد بدأت تلك العمالة في دس سمومها بالخفاء بعيداً عن علم أرباب العمل, ولكن على المدى الطويل تم كشف نوايا تلك العمالة من قبل أرباب العمل, فقد كانت البداية التأنيب واللاتسامح, إلا أن صاحب العمل سرعان ما يتنازل عن حقه دون أن يردع المتسبب الردع الكافي الذي يحد من تصرفاته ولو بالحد الأدنى, وتواصل تلك العمالة نشر عيناتها الإجرامية الفاسدة, فقد انتشرت بعد ذلك ظاهرة قذف أصحاب العمل بقصد وبدون قصد, والسرقة والنصب البسيط لتحسين ظروف العيش. ومنذ تطور وازدهار الدولة ازدادت العمالة الوافدة كماً وكيفاً, فبدأت تمارس نفس السلوكيات ولكن هذه المرة على نطاق أوسع, كالجرائم المنزلية مثل الاغتصاب والتحرش الجنسي والقذف بقصد, مما شكل لدى بعض الأسر بداية اللاتسامح (التعصب) تجاه هذه العمالة ويكون القرار العائلي الأستغناء عن هذا النوع من العمالة مباشرة ودون تقديم أي تنازلات. ولكن تبقى المشكلة سائدة دون أية عبرة وعظة ويتم جلب عمالة منزلية اخرى! ولكن ليس هذا بيت القصيد, فالعنصر السلبي الذي عم الجميع ومازال هو أن مبدأ التسامح و اللاتسامح عند أفراد الأسر الإماراتية يمثل جانبين على النقيض في المعنى والإجراء ومتشابهين في المضمو ن النفسي, وكليهما سلبيين, فالأول يؤكد على القبول لسماع الألفاظ الغريبة والبعيدة كل البعد عن عاداته وتقاليده واحترامه من جانب العمالة الوافدة, سواء كان رب أسرة أو موظفا بسيطا.. ألخ, دون اتخاذ إجراء ضد هذا العامل أو مجموعة من العمالة. على سبيل المثال, شكوى في الشرطة أو المحكمة أو حتى تأنيبه على خطئه.. وغالباً ما يكون رد المواطن بشكل عام, أن هذه العمالة فقيرة ومسكينة ولابد من مسامحتها! أما الثاني, فيقبل الإهانة بمعانيها وتفاصيلها, وغالباً ما تظهر ظاهرة التسامح واللاتسامح, من أصحاب النفوذ, فحين تتشابك العلاقة وتتضارب المصالح مع هذه الفئة من العمالة التي تخطط لتدمير العلاقات الإنسانية يزداد التسامح من جانب هذه الفئة. وبالتالي يصبح المواطن صاحب الدخل المحدود أو المتوسط أحياناً هو ضحية تلك التصرفات غير القانونية فتنشأ عن ذلك ردود فعل مختلفة, بدءاً من اللسان ثم تتطور إلى التلويح بالأيدي ثم تطبيق استعمال الأيادي, فيصبح المواطن هو المخطىء في نظر القانون! اذن لمعادلة التسامح واللاتسامح دور في تحديد العلاقات بين المواطنين والعمالة الوافدة طالما لايوجد قانون يحد من ممارسة هذه الفئات. وبالتالي فإن استقرار المجتمع رهن بهذه العلاقة بشكل من الأشكال. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الأسباب التي تجعل العمالة الوافدة (غير العربية) من شبه القارة الهندية والأفريقية والأوروبية تتجاوز مفهوم إقامتها في الدولة ؟ الإجابة على هذا السؤال تعكس في الحقيقة مدى استغلال هذه العمالة إقامتها, ليس فقط لاختلاف المصالح التي تحرك أطراف هذه العمالة, وإنما أيضاً بسبب اختلاف المفاهيم التي تسيطر على عقلية هذه العمالة. أما الأسباب فهي : 1ـ عدم وجود قانون النقاط السوداء : فمثلاً, منذ جلب العمالة الوافدة إلى يومنا هذا, ما زال يعتمد الأسلوب الدفاعي التقليدي في الدفاع عن حقوق المواطنين تجاه العمالة الوافدة. وأعني الشاكي والمشتكي أمام القانون وهذا لا خلاف عليه, فإنه يدخل ضمن نطاق العدالة الإجتماعية, ولكن يوجد استغلال لهذا القانون, والدليل على ذلك التصرفات الغريبة والكثيرة التي تقوم بها العمالة الوافدة تجاه المواطنين في مقر عملها وخاصة حينما تقوم بعمل خاطئ سواء في المنازل أو المؤسسات أو الشوارع.. ألخ, فلتبرير موقفها تنطق ألفاظا غير قانونية, كقولها للمواطنين, اذهبوا إلى الشرطة.. ماذا ستفعل الشرطة..الخ, ففي هذه الحالات يعم الصمت على المواطنين وخاصة الفئات المثقفة... فلابد من تطبيق النقاط السوداء على هذه العمالة حتى يشعروا أن هناك قانونا يردعهم, فمثلاً إذا تلفظ بمثل الألفاظ التي أسلفنا ذكرها تحسب عليه نقطة سوداء.. وهكذا إذا تجاوز ثلاث نقاط, يحجز وتلغى إقامته ويسفر. ولا غرابة في ذلك فأحدى الدول الخليجية تطبق النقاط السوداء على العمالة الوافدة وإذا تجاوز الوافد إشارة المرور أربع مرات, تسحب رخصته ويسفر. 2ـ الخوف من ضياع الهوية والثقافة : إن العمالة الوافدة بشكل عام لديها هاجس الخوف من ضياع هويتها الذاتية وثقافتها التي نشأوا عليها, خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة في مجال الاتصال والتواصل في جميع المجالات التي تعم العالم. وهناك تصور عام لدى تلك العمالة أن المواطنين يهددون هويتهم الذاتية من خلال الأعمال التي تناط بهم من جانب أرباب العمل أو المؤسسة, ولذلك يستغلون وضعهم ويردون بألفاظ غير منطقية, بحجة الخوف من طمس هويتهم الثقافية, في الوقت الذي يستمدون حمايتهم من نقاباتهم ونواديهم العلنية والجهرية, ويحاولون الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم والتأكيد على صورة المجتمع القديم الذي أسسته مجموعة من العمالة التي جلبت في بداية نشأة الدولة! 3ـ خلل النظام الأسري الإماراتي : إن اتباع بعض الأسر الإماراتية أسلوب التخندق دون التعديل في مفاهيم التناول لحياتها الثقافية بأبعادها الزمنية المتعاقبة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً, جعلت رؤية الوافدين من العمالة للمواطنين وخاصة من الجانب الإجتماعي أحادية الجانب في التعامل, دون وضع أي اعتبار للأسر الأخرى المحافظة, مما أدى على المدى البعيد الى تفاقم مشكلة الألفاظ غير المنطقية من جانب العمالة الوافدة تجاه المواطنين الآخرين (المحافظين). وهكذا تفشت الجريمة الإجتماعية شيئاً فشئياً في مجتمعنا نتيجة ذلك التخندق والتجاهل. 4ـ عزوف المواطنين عن الأعمال الشا قة : ساد الاعتقاد لدى العمالة الوافدة منذ دخولها الدولة, إن الإماراتيين ليس باستطاعتهم القيام بالأعمال الشاقة, كالحفر والبناء والأعمال الكهربائية, بالإضافة إلى الأعمال الأخرى في القطاع الخاص كالمحاسبة والتنسيق والعلاقات العامة التي تحتاج إلى مهارات معينة. كل هذه الاعتقادات أدت إلى التقليل من قيمة المواطنين من الناحية الإجتماعية والثقافية وخاصة في عملية التعامل مع العمالة الوافدة التي تزدري وتهين المواطنين من جراء اعتقاداتهم ومجهولاتهم. ولكن حينما نعود إلى الواقع الإماراتي نجد الإرادة والعزيمة من المواطنين للقيام بهذه الأعمال. في الوقت الذي يغيب عن هذا الواقع التنسيق والإرادة من جانب مخططي العمل من جهة, والتنشئة الإجتماعية الأسرية الغائبة التي من شأنها رفع معنويات أفراد الأسرة تجاه العمالة الوافدة من جهة أخرى. 5ـ الشعور بعزة النفس والدولة : بالرغم من أن العمالة الوافدة محدودة الدخل هدفها الأول والأخير الكسب المشروع أو غير المشروع في أحيان كثيرة, إلا أنها تعتز ببلدها وموطنها الأصلي (الأم), وتفتخر بالناحية السياسية والأمنية التي تتمتع بها دولهم, كالهند وباكستان اللتين تعدان من الدول المتقدمة التي تصنع المفاعلات والقنابل النووية, وغيرها من الدول كالاتحاد السوفييتي التي تمد بعض الدول بالسلاح والصواريخ, فعزة النفس والفخر, جعلت هؤلاء الوافدين (العمالة الوافدة) تقلل من قيمة المواطنين في أثناء التعامل معها, وكأنهم هم الذين يصنعون تلك المفاعلات النووية والصواريخ! مما تقدم من أسباب, يمكن القول إن نظرة العمالة الوافدة تجاه المواطنين من الناحية الإجتماعية والسلوكية يشوبها الحذر الشديد, وعدم الثقة بقدرات المواطنين في الكثير من الأحيان بجميع القطاعات الحكومية وغير الحكومية. لذا فالعلاقة مازالت تتفاقم إلى حد كبير وتبنى على عدم قبول كل طرف بالآخر. وبمعنى آخر العمالة الوافدة تقف شوكة في حلق المواطنين المتميزين والطبقات الأخرى المكافحة وذلك بواسطة الفاظها وتعنتها والتقليل من قيمة المواطنين الميسورين الذين تدعوهم إلى ركوب السلم الإجتماعي للوصول بهم إلى شيطانهم الأكبر, ألا وهو) التخلي عن قيمهم الإجتماعية والثوابت السلوكية التي تربوا عليها في ظل التعليم التقليدي والأسرة الممتدة) . * كاتب وباحث من الامارات اتجاهات العمالة الوافدة وأثرها على البنية الإجتماعية في الامارات (3 ـ3) بقلم: حسن علي الحمادي* مما تقدم نرى أن هناك آثارا إجتماعية وسلوكية تتركها العمالة الوافدة على الفرد والأسرة والمجتمع من جراء اتجاهاتها النفسية تجاه الموطنين ومن تلك الآثار : 1ـ إحداث الخلل في النظام الأسري بشكل عام الذي برز جلياً في عصرنا الحالي بصورة واضحة, إذ أن التماسك الأسري بين الأسر غير واضح المعالم, فلاهي بالعلاقات التقليدية وليست علاقات المجتمع الحديث والمعاصر. فهي (بين بين) . فقد بدأت العلاقات بين أفراد الأسر تتأرجح بين النمط التقليدي والرأسمالي المشوه. بين سلطة الآباء التقليديين الذين مازالوا يعتمدون على العمالة الوافدة في تخليص معاملاتهم وفي تربية أبنائهم, وفي كثير من الأحيان يترك أمر العناية بالأبناء من حيث أكلهم وملابسهم واصطحابهم للنزهة.. وحتى كتابة واجباتهم المدرسية والسؤال عن مستواهم التحصيلي في المدرسة, لمثل هؤلاء.. وفوق كل ما سبق يزداد التجريح والتأنيب للمواطنين سواء رب الأسرة أو الأرمل أو المعاق أو المسن من جانب الخدم والمربيات أو السائقين أو المزارعين, وما على المواطنين إلا الأنصياع والسكوت على هذا النمط من التعامل, مقابل تخليهم عن مسئوليتهم الإجتماعية. 2ـ استمرار العمالة الوافدة في نقل سلوكيات وعادات وتقاليد وأمراض نفسية وإجتماعية إلى الفرد والأسرة والمجتمع الإماراتي, ويكون الرد على تلك السلبيات من المواطن الإماراتي, بالقول : ان العمالة الوافدة لاتنقل تلك السلبيات, ربما لوضوح الفواصل الإجتماعية في التعامل اليومي مع تلك العمالة أو لأن المواطن الإماراتي قادر على السيطرة على إفرازات هذه العمالة وتحاشي السيىء منها! إلا انه لم يدرك أن تلك الإفرازات تعني الكثير للعمالة الوافدة, ويتم غرسها بشكل غير مباشر في النشء وخاصة الذين يتعاملون مع البقالات الصغيرة في (الفريج) دون مراقبة مسبقة من الأهالي! 3ـ إن العمالة الوافدة تدس الادعاءات الوطنية للمواطن الإماراتي بشكل غير مباشر, وذلك من خلال الدفاع عن الذات, بل أنها تؤكد بين الحين والآخر أن لها حقوقاً في هذه الأرض. فبعضهم يرى أنه اصبح مرتبطاً بهذه الأرض التي أقام فيها لمدة تزيد عن الخمسة والعشرين سنة. وإنهم قد ساهموا في نهضة الإمارات, والجيل الجديد من ابنائهم لهم حق في هذا الوطن, بحجة أنهم ولدوا ودرسوا بمدارس الدولة ولايستطيعون العيش خارج الإمارات. ونجد الكثير من الردود من قبل العمالة الوافدة وبخاصة من شبه القارة الهندية وتبريراً وتأكيداً على وجود الانتماء حسب قولهم ـ ارتباطهم بمصالحهم الإقتصادية والإجتماعية ـ مطالبين بمساواتهم مع فئة (البدون) . خصوصاً إن دولة الإمارات تقدم الكثير من الخدمات سواء في مجال التعليم أو الصحة أو الأندية, التي لا تتوافر لهم في مناطقهم أو دولتهم الأم, وفوق كل هذا يتم التعامل مع المواطنين بنوع من الخداع واللامنهجية في الألفاظ! 4ـ إن العمالة الوافدة تشجع على الانحلال الخلقي بين الكبار, وقد ساعدها على ذلك, سوق العمل الإماراتي بكافة قطاعاته العام منه والخاص ذات التركيبة السكانية المختلفة, وهو يمثل نموذجاً للاختلال في التركيبة السكانية. 5ـ إن العمالة الوافدة عملت ومازالت تعمل على التقليل من فرص البناء القيمي لدى الطلاب والطالبات, بحجة أن النهضة المنزلية والمدرسية من ناحية النظافة العامة وتنظيم المرافق في دولتنا أمس واليوم, اعتمدت بشكل أساسي على الأيدي العاملة من غير أبناء الإمارات, ومع أن هذه حقيقة واضحة الآن, إلا أن الطلاب والطالبات الذين يترددون على المدرسة ومن ثم المنزل يبدون تخوفاً شديداً وخاصة من الخدم والمربيات من (الجنسين), فالبنت المراهقة تسمع في المنزل وتشاهد في المدرسة من قبل هذه الفئات العديد من الألفاظ السيئة والتصرفات غير أخلاقية بشكل مباشر أو غير مباشر وكذلك الحال للولد المراهق الذي يسمع ويشاهد نفس السلوكيات, مما يشدهما على المدى البعيد إلى القيام بنفس التصرفات غير الأخلاقية. وهكذا أصبح التخوف من العمالة الوافدة كماً وكيفاً من قبل الطلاب والطالبات. هذه بعض النماذج السلبية عما تقوم به العمالة الوافدة أمام أنظار الجميع, سواء كان في المنازل أو المدارس والأسواق والمكاتب الحكومية وغير الحكومية والمتاجر وفي السيارات, وبشكل يكاد يكون متكرراً وفي مراحل مختلفة منذ بداية قدومهم إلى الدولة حتى اليوم, وخصوصاً فيما يتعلق بالآثار الإجتماعية والنفسية السلبية.ومهما قالت ورددت هذه العمالة, ان النهضة القائمة في الإمارات الآن اعتمدت بشكل أساسي عليها, فهذا ادعاء باطل, فهي قامت على سواعد ابنائها. وخلاصة القول, إن الآثار الإجتماعية التي مازالت تتمخض من قبل العمالة الوافدة يمكن أن تكون في مجملها سلبية, وبطبيعة الحال ستكون ضغطاً على الأسرة الإماراتية وقيمها وثوابتها التي نشأت عليها بشكل أو بآخر, ومع مرور الوقت ستصبح الأسرة الإماراتية معرضة للتصدع الإجتماعي ثم الانهيار البشري نظراً إلى وجود معوقات جوهرية ومنها : 1ـ الأعتماد بشكل أساسي على العمالة الوافدة رخيصة الأجر والمتزايدة باستمرار سواء بصورة شرعية أو بصورة غير شرعية داخل النظام الداخلي الإماراتي. 2ـ تمسك بعض الآباء التقليديين بالاعتماد بشكل متزايد على العمالة الوافدة بشتى أنواعها خاصة العمالة الدنيا, فالاستغناء عن هذه الفئات يعتبر أمراً مستحيلاً! 3ـ استمرار تكدس العمالة الوطنية في قطاع الخدمات والوظائف الإدارية وأجهزة الدولة, وهي وظائف تصنف على أنها مربحة وذات مردود إجتماعي وإقتصادي عالٍ إذا ما قورنت بالوظائف الأخرى التي يتقبلها الوافدون. 4ـ عزوف بعض أفراد المجتمع عن الرد مباشرة على العمالة الوافدة التي تتلفظ بألفاظ وطنها الأم, في الوقت الذي يتمنى بعض أفراد المجتمع تعلم اللهجات الغريبة! 5ـ عزوف العمالة الوطنية عن المشاركة في الأنشطة الرئيسية مما أدى إلى احتكار العمالة الوافدة لبعض الأنشطة الحيوية كالسوبر ماركت والمطاعم وغيرها, بالإضافة إلى احتكار المناصب الحساسة من قبل العمالة الوافدة وخاصة مدراء الشركات العامة والخاصة والبنوك وغيرها. أما بخصوص آثار تلك المعوقات, فيتوقع أن تزيد البطالة بأنواعها من الشباب الإماراتي بدرجة عالية في المستقبل نتيجة عدم حصولهم على الوظائف الملائمة والفرصة المناسبة لمزاولة الأنشطة الحيوية, الأمر الذي يؤدي على المدى الطويل إلى استهتار العمالة الوافدة بمشاعر المواطنين, وتكفي عبارة واحدة من العامل الوافد إلى المواطن الإماراتي لاحراجه وتحجيمه, والدليل على ذلك ما حدث إبان الغزو العراقي لدولة الكويت, حينما اقفلت الأنشطة الحيوية في وجه المواطنين بدولة الإمارات, وظهر الاستهزاء والاستهتار من تلك العمالة بمفهومها الحقيقي. ويلاحظ كذلك أن هناك اعتقاداً قوياً بأن فئة من التجار لها مصلحة كبيرة في المحافظة على تزايد عدد العمالة الوافدة كوسيلة لزيادة نشاطها ومصالحها التجارية, دون وضع أي اعتبار لمشاعر المواطنين وأبنائهم العاملين وغير العاملين ولو بالحد الأدنى وهو الإتجاه النفسي. وهو اعتقاد مسوغ على كل حال. وهناك عوامل عديدة يجب أن تؤخذ في الاعتبار إزاء الآثار الإجتماعية للعمالة الوافدة للتقليل من اتجاهاتها النفسية تجاه المواطنين بكل قطاعاتهم الغنية والفقيرة المثقفة وغير المثقفة ,الكبيرة والصغيرة ومنها : 1ـ الإفادة من البحوث والدراسات التي قامت بها مجموعة من الباحثين الإماراتيين من أجل الأستفادة منها في التقليل من تلك الاتجاهات. 2ـ تهيئة المرأة المتعلمة والطالبة المتعلمة للتصدي للأفكار الهدامة التي تنبع عن العمالة الوافدة. 3ـ الإفادة من خريجي الثانوية العامة في قوة العمل. فمثلاً تدريبهم على الأنشطة الحيوية وإدارتها, كمحطات البترول وإدارتها, والمناطق الصناعية المكتظة بالعمالة.. الخ. 4ـ تشجيع المتسربين من الدراسة على العودة إلى المدارس الفنية, وتعليمهم المهارات الإدارية والفنية, للاستفادة منهم مستقبلاً في سوق العمل الإماراتي. 5ـ الإفادة من الشباب الذين يتزايد عددهم من خريجي الجامعات ممن ينتظرون التعيين, في مساعدة مخططي العمل لرسم سياسة استقطاب العمالة الوافدة. ولايمكن القول بسهولة, إن الطلاب والطالبات والمرأة بمعنى (العمالة الوطنية) ولاحتى زيادة الانجاب يمكن أن تشكل في المستقبل القريب بديلاً حقيقياً للعمالة الوافدة, ومن هنا تدعو هذه الدراسة إلى وضع انتقاء وتوظيف لترشيد التدفق الهائل في مجال العمالة بشتى منافذها مع الأخذ في الاعتبار تجربة الصين (بلد المليار نسمة) التي تجلب العمالة الوافدة على حسب حاجة سوق العمل. أما الاعتبارات الأخرى التي لابد أن يتبعها مخططو سياسة العمل ووزارة الداخلية فهي : 1ـ إن مجتمع الإمارات يعتبر من المجتمعات التي تزداد فيه الرفاهية بشتى أنواعها, وبالتالي لايمكن الاستغناء كلية عن العمالة الوافدة. 2ـ إن تزايد العمالة الوافدة ذات المهارات المنخفضة من شبه القارة الهندية يمكن أن يكرس طابعاً عنصرياً واجتماعياً أكثر مما مضى داخل المجتمع, ومن هنا فالتوازن مطلوب إذا استدعت الحاجة للعمالة الضرورية وتكون من مصادر مختلفة. 3ـ ضرورة المحافظة على عروبة الأسر الإماراتية وسيادة الطابع الذاتي والثقافي والحضاري لها. ومحاولة توعيتها بشتى الطرق من أجل تذويب الأفكار الخندقية لرب الأسرة. 4ـ سن التشريعات المقننة التي تكفل المساواة ضماناً لاستمرار تدفق العمالة المطلوبة من جهة واتخاذ إجراءات صارمة للمنتهكين والمستغلين واللاأخلاقيين ممن يتفوهون بألفاظ بعيدة كل البعد عن الأخلاق الإسلامية من جهة أخرى. 5ـ تطبيق قانون النقاط السوداء عن طريق وزارة العمل والشئون الإجتماعية أو بواسطة وزارة الداخلية أو غيرها من الجهات المسئولة. وقد تأكدت نتائج هذه الدراسة مع ما سبقها من دراسات توضح أسباب الخلل الإجتماعي الناتج من وجود أعداد كبيرة من العمالة الوافدة تعامل المواطنين بعيداً عن المنظومة واللوائح والقوانين التي جلبت من أجلها, بالإضافة إلى عدم التجانس السكاني ووجود نزعة التمييز بين المواطن والوافد ووجود انفصام في العلاقات الإجتماعية وتعدد الأصول العرقية التي تختبئ تحت الستار الإجتماعي والثقافي الإماراتي, كل ذلك أوجد تناقضات إجتماعية وثقافات متباينة وحالات من التفسخ, التي أفسحت المجال أمام الممارسة الإجتماعية السلبية بين المواطن والوافد. مما أدى إلى فقدان التماسك الإجتماعي بين المواطنين بعضهم البعض, في الوقت الذي أوجد للعمالة الوافدة أرضاً خصبة للجريمة والانحلال الخلقي. أما عن اتجاهات المواطنين نحو قبول العمالة الوافدة من جنسيات مختلفة, فقد أظهرت لنا حرب الخليج الثانية (1990م ـ 1991م) في الرأي العام الإماراتي الواقعي قبول جميع الجنسيات من الناحية السياسية كون تلك الجنسيات شاركت في تحرير الكويت. ولكن من الناحية الإقتصادية والإجتماعية أظهرت لنا الحرب رفض بعض الجنسيات الآسيوية (غيرالعربية) في تعاملها وألفاظها وشذوذها الأخلاقي! وأخيراً, فإن كل ما جاء في هذه الدراسة خطوة للإسهام المعرفي في تراكم خبرة المواطن الإماراتي الذي يتألف من مجموعها وعي الشعب بالظواهر المحيطة وآثارها الإيجابية والسلبية مما يسمح بتعظيم المنافع وتقليل المضار. وإلا ستصبح دولتنا على المدى البعيد حديقة خلفية للعمالة الوافدة بشتى أنواعها. ومن هنا نطالب إلى دراسات أخرى تناقش جوانب شتى العلاقات الجدلية بين المجتمع الإماراتي والظواهر القديمة وصولاً إلى رؤية أوضح للمتغيرات التي تضبط حركة مجتمع يطمح إلى تحقيق تنمية إجتماعية وثقافية وإقتصادية وسياسية شاملة. كاتب وباحث من الامارات