تعاني معظم الدول الافريقية من مشكلات اقتصادية واجتماعية, حيث ان الاجهزة السياسية والادارية فيها عاجزة عن العمل بالحد الادنى من الفاعلية والشفافية. والسمات المشتركة بين غالبية الاجهزة في الدول الافريقية هي عجز معظم رجال السلطة عن الخروج من مبدأ التنفيعات واعادة انتاج نظام يسهل نهب موارد الدولة على ايدي اصحاب المراكز العليا وحتى معظم احزاب المعارضة الافريقية لا يختلف جوهرها عن ذلك, فبدل ان تعمد هذه الاحزاب الى وضع برنامج اصلاحي للتناوب على السلطة, تغطي الرأي العام وانطباعا مؤسفا ان همها الرئيسي هو طرد الاخرين من السلطة كي تأخذ مكانهم وتغتني بدورها. وتتحمل الدول الصناعية المتقدمة جزءا من المسئولية لان الازمة هي ايضا ازمة مساعدات, فأكثر ممارسات النخب الحاكمة بعد مرحلة الاستقلال تمت تغطيتها في اطار الحرب الباردة, وفي التسعينيات التي تميزت بالازدهار الاقتصادي اعطيت تسهيلات لقروض جنونية في حين كانت افريقيا تتحول الى مقبرة للمشاريع العملاقة بأنواعها واستفادت منها شركات عديدة من الدول الصناعية وادت الى نشوء العديد من المحميات على هامش الدولة, خاضعة لرقابة مباشرة من الدولة الممولة التي لاتهمها مصالح الشعوب الافريقية بقدر ما تهمها مصالحها الاستراتيجية بالاساس. ونظرا لقناعة الدول الاوروبية بأن مشكلات القارة الافريقية عصية على الحل اصبح تركيز الدول الممولة والمانحة على الحلول السياسية بدل الحلول الاقتصادية مؤكدة على ضرورة تحقيق شراكة استراتيجية بين القارة الاوروبية والقارة الافريقية, ومقترحة على الدول الافريقية التزام مبادىء حقوق الانسان والديمقراطية, مع ادراكها انه لتحقيق هذه المبادىء لابد ان يكون هناك اعفاء للديون التي تعرقل جهود التنمية والتي ارتفعت من 110 مليارات دولار في العام 1980 الى 350 مليار دولار في العام 1999. ودخلت الولايات المتحدة الامريكية حلبة المنافسة الى جانب الدول الاوروبية, فبعد ان كان اهتمامها الاقتصادي الاكبر محصورا في منطقة المحيط الهادي والشرق الاوسط, اصبحت اليوم تولي اهتماما كبيرا بالأسواق الافريقية وهذا ما اخاف الدول الاوروبية التقليدية كفرنسا وبريطانيا اللتين حافظتا على مصالحهما الاقتصادية في (مستعمراتهما السابقة) وقد اخذ هذا التنافس اتجاها واضحا منذ العام 1996 واكدته تصريحات المسئولين في الادارتين الامريكية والفرنسية وهي التصريحات التي يؤكد البلدان من خلالها على الفوز بنصيب الاسد في الاسواق الافريقية باعتبارها سوقا واعدة قوامها 700 مليون مستهلك يمثلون خمس سكان العالم. فبالنسبة للسياسة الامريكية في افريقيا من الثابت تاريخيا ان العلاقات بين الجانبين بدأت مع الحركات التحررية التي ظهرت في القارة اواخر الخمسينيات واوائل الستينيات من اجل الحصول على الاستقلال. وبمرور الوقت اصبحت هناك عوامل ثابتة تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية وافريقيا اهمها العامل العددي, حيث اصبحت الدول الافريقية تشكل حوالي ثلث مجموع اعضاء الامم المتحدة, وبالتالي فهي كتلة مهمة للمعادن التي تثير تنافسا غربيا عليها منذ استقلال الدول الافريقية. ودخلت الولايات المتحدة الامريكية حلبة المنافسة للحصول على النفط الخام من نيجيريا وانجولا والكاميرون, وعلى المعادن اللازمة لصناعتها من الجابون وجنوب افريقيا وزيمبابوي وزائير وزامبيا كما تعد افريقيا سوقا كبيرا لتصريف المنتجات الامريكية. ولقد وفرت المتغيرات الدولية التي ظهرت في منتصف الثمانينيات واوائل التسعينيات, كانهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى وحيدة على هرم النظام الدولي واتجاه فرنسا واسبانيا وايطاليا الى اعادة رسم اولويات استراتيجيتها لصالح البناء الاوروبي, ومن ثم اهمال هذه الدول خاصة فرنسا لسياستها في افريقيا.. هذه المفاهيم الجديدة عززت بشكل مباشر من فرص التغلغل الامريكي في افريقيا وتطورت العلاقات بين الطرفين وبدأ الحديث يدور عن احتمال بروز شراكة امريكية ـ افريقية وتعاون في جميع المجالات ومنها المجال الامني. ونظرا للشعور الفرنسي بالخطر من التزايد المستمر للنفوذ الامريكي في القارة الافريقية اتجهت فرنسا الى تطوير سياساتها تجاه افريقيا من خلال عدة محاور رئيسية منها: دعم التيار الفرانكفوني في العالم ومحاولة انشاء تجمع افريقي قوي يضم كل الدول الناطقة بالفرنسية. وحتى يكون هناك فهم صحيح لطبيعة وابعاد التنافس الامريكي ـ الفرنسي في افريقيا هناك بعض المعطيات التي تحدد ابعاد هذا التنافس, منها وجود درجة من التفاهم المتبادل بين الجانبين في اطار سياساتهما في افريقيا ـ وظهر ذلك جليا في المؤتمر الموسع الذي عقد بواشنطن العام المنصرم وشارك فيه مسئولون كبار من الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا والدول الافريقية وكان جوهره الحديث عن شراكة ثلاثية تحدد اطر تعاون ثلاثي يستبعد قيام تنافس بل ويحقق مصالح جميع الاطراف كما تتضمن المعطيات عدم تقييد المفهوم الثقافي القديم لتقسيم افريقيا الى مناطق انجلو فونية وفرانكفونية. واذا كانت مسائل حفظ السلام وتطويق النزاعات الافريقية اصبحت تمثل اولوية في السياستين الامريكية والفرنسية في افريقيا, فإن لكل سياسة آليات واساليب تختلف عن الاخرى في معالجتها لمثل هذه المسائل, فقد سبق ان اقترحت السياسة الفرنسية عقد مؤتمر دولي وافريقي لبحث مشكلات ونزاعات منطقة البحيرات العظمى بوسط افريقيا بحضور الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية الا ان الولايات المتحدة الامريكية لم تستجب لهذا الاقتراح. واخيرا فإنه وعلى الرغم من ان الجانب الاقتصادي يشكل المحور الرئيسي في التحرك الامريكي لمنافسة الدور الفرنسي والاوروبي في القارة الافريقية, الا ان نجاح هذا التحرك يتوقف على مدى مقدرة الولايات المتحدة الامريكية في تحجيم النفوذ الاوروبي في افريقيا وعلى تحقيق الاستقرار الضروري لحفظ الثروات الافريقية ولتهيئة المناخ الملائم للإنعاش الاقتصادي. * باحث وكاتب جزائري