أريد سيوفكم لا دعاءكم صلاح الدين الايوبي ، ما اشبه الليلة بالبارحة, فقبل تسعة قرون تقريبا, حين كان صلاح الدين الايوبي يستحث العرب والمسلمين لتحرير القدس, كان بعض قادته وحكام الولايات يعبرون له عن تأييدهم لمسعاه دون ان يبذلوا جهدا حقيقيا لدعمه والوقوف معه, فأطلق في وجوهم صرخته المشهورة (اريد سيوفكم لا دعاءكم) .ودون تشبه بصلاح الدين او تشبيه به, فإن المشهد يتكرر وحول الموضوع نفسه. القدس تصرخ وتطلب الخلاص فيأتيها الجواب من العرب والمسلمين صمتا, وفي احسن الحالات دعاء لها ولأهلها بالخلاص. وقد بدا هذا الامر بوضوح في نتيجة الزيارات المكوكية التي يطوف بها الرئيس عرفات على العرب والمسلمين فلا يجد غير الدعاء لقضيته بالنصر, هذا اذا لم يتلق نصائح له بالصبر وطول البال, وعدم استفزاز (اصدقائنا واصدقائهم) الامريكان, وضرورة اتخاذ مواقف مرنة, او البحث عن الحلول الوسط. ورغم مكابرته, وادعائه النجاح لزياراته, فإننا نلحظ خيبة الامل واضحة من خلال قراءتنا للتصريحات التي صدرت عن قادة هذه الدول والتي يخلو معظمها من اي موقف محدد وواضح يؤكد عروبة القدس والحرص على اسلاميتها, او ان موقفا كهذا قد ابلغ للطرفين الامريكي والاسرائيلي, او الاوروبي, او تلميحا قد جرى بامكانية اتخاذ اجراء سياسي او اقتصادي ضد هذه الدول اذا ظلت على انحيازها للموقف الاسرائىلي من قضية القدس. لا ندعو الى حرب ولا نردد مقولة عبدالناصر (ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) . ولم نطالب بالسيوف, لا لأن زمن السيوف قد ولى, ولكن لأننا نعلم ان سيوف العرب قد تحولت الى سيوف خشبية, او ان ما بقي منها قد اعتراه الصدأ, ولا يشحذ الا حين يحشد ضمن جبهة الاعداء ليوجه الى صدر الشقيق. ولذلك يقف طموحنا عند حدود موقف عربي معلن يثبت العرب عليه, ويصمدون في مواجهة الضغوطات الامريكية, وهو ما لم نلمسه حتى الآن. بل ان ما نلاحظه هو ان العرب باتوا يلعبون دور الوسيط بين القاتل والضحية, بين المعتدي والمعتدي عليه, ويبحثون عن تقريب وجهات النظر او صيغ لحلول وسط بين طرفي الصراع, وكأنهم ليسوا طرفا في هذا الصراع او كأن الارض الفلسطينية ليست ارضا عربية, وكأن القدس لا تخص الا الفلسطينيين وحدهم. ان ما نخشاه ان يلعب غياب الموقف العربي, وتحوله الى مجرد دور وسيط والاحباطات التي لقيها الطرف الفلسطيني في جولته الاسلامية والدولية عامل ضغط على الجانب الفلسطيني يفسد الصمود الذي ابداه في قمة كامب ديفيد وحتى الآن, او ان يتخذ من هذه المواقف ذرائع لأية تنازلات قد يضطر لها او قد تدفعه اليها هذه المواقف. فالصمود الفلسطيني الذي تحقق في كامب ديفيد رغم كل الضغوطات, لا يمكن تركه للارادة فقط, اذ يخشى على هذه الارادة من الضعف او الانكسار اذا لم تتوفر لها عناصر الدعم والاسناد القوية عربيا واسلاميا ودوليا, والموقف العربي الرسمي والشعبي, فضلا عن الموقف الفلسطيني الذاتي الشعبي والرسمي ايضا, هو الاساس في توفير عناصر الصمود. ولذلك فإن المواطن العربي عموما والفلسطيني خصوصا, يدهش حين يسمع احد وزراء الخارجية العرب يشترط استمرار الصمود الفلسطيني حتى يمكن قبول زيارة الرئيس الفلسطيني لبلده. فمثل هذه المواقف تلغي الدور العربي في تعزيز الصمود الفلسطيني, او انها تعفي نفسها من مسئولية السقوط الفلسطيني ـ لا سمح الله ـ في فخ التنازلات او كأنها تضع الطرف الفلسطيني في دائرة الامتحان, وعليه ان ينجح فيه, وان يذهب اليها وبيده شهادة النجاح او صك البراءة. ان مثل هذه السياسات التي تحمل روح الشماتة تنم عن قصر النظر العربي الذي ما زال ينظر لقضية العرب الواحدة وصراعهم المشترك مع العدو, على انها عدة قضايا وتخص كل طرف على حدة. واذا كان الطرف الفلسطيني قد قيد نفسه خطأ او صوابا او لاعتبارات تكتيكية او تعبوية بمواعيد محددة كالثالث عشر من سبتمبر او نهاية العام, بحيث باتت هذه المواعيد تشكل عبئا عليه, او سيفا مسلطا يهدد مصداقيته, فإن الاطراف العربية ليست ملزمة بهذه المواقيت لايجاد المخارج والحلول في هذا الزمن المحدود حتى لو كانت على حساب القضية الوطنية والقومية, بل واجبها ان تحرر الايدي الفلسطينية من هذه القيود, وان توفر للطرف الفلسطيني عوامل الاطمئنان التي تخفف من اثر الوقت عليه, وتمنحه القوة في مواجهة ضغط الزمن والاحتلال والادارة الامريكية وسعيها لكسب الانتخابات. * كاتب فلسطيني