الذين تابعوا حمى المعركة التي اثيرت حول رواية (وليمة لأعشاب البحر) , ومن قبل حول رواية (قصر المطر) , ومن بعد حول رواية (ذاكرة جسد) , والآن حول رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) , سيدركون ماذا نعني بقراءة العدوى. ولأننا لا نستطيع تعميم الاحكام فإننا سنفترض ان القارىء العربي هو قارىء نصف متابع وليس قارئا مزاجيا وهو في النهاية يقرأ بحكم الوقت والفراغ وليس بدافع الفضول والمعرفة. لذلك ليس من الغريب ان هذا القارىء هو الذي يطلق الاحكام على الكتب وهو الذي يساعد في انتشارها وكذلك يساهم في منعها. فقد سئلت اكثر من مرة عن رواية (وليمة لأعشاب البحر) وكذلك عن رواية (ذاكرة جسد) وغيرهما, وفي كل مرة كان الذي يبحث عن الرواية لاستعارتها ليس قارئا متابعا بل قارئا بالعدوى وهذا يمكن اكتشافه من خلال تعدد طبعات الرواية رغم انها صدرت قبل اكثر من عشر سنوات وقرأها انذاك القراء المتابعون لحركة الابداع او لعموم الشأن الثقافي وقالوا رأيهم فيها, ولكنها اليوم نجدها بين ايدي هؤلاء الذين لم تلامس اعينهم سطرا في كتاب غير كتاب المدرسة, والامر من كل ذلك ان هؤلاء هم نقاد الرواية او على الاصح من ساعد على سعة انتشارها ومنعها ووضعها في دائرة الشبهات! والموضوع لا يتعلق برواية الوليمة, فقد ساهم القراء السياحيون في الاساءة لرواية (قصر المطر) , كما ساهموا في الاساءة لمؤلفة (ذاكرة جسد) وها هم اليوم يدلون بدلوهم في رواية صنعاء (مدينة مفتوحة) . من هؤلاء, وكيف نبتوا كالطحالب على جسد الثقافة العربية, ولماذا يقرأون ما سبق وقرأناه قبل عشرات السنين؟ انهم ببساطة قراء سياحيون علاقتهم بالكتاب تشبه علاقتي باللغة السنسكريتية وعلاقتهم بالقراءة هي علاقة عدوى اصيب بها البعض فسارعوا الى البحث عن كتب سمعوا بها او قرأوا عنها في الصحف علها تشفيهم من زكام الثقافة. فلا عجب ان شاهدنا تلك الكتب بين الايدي وفوق الطاولات فقد تحولت الى موضة وادعاء استعراضي اوصل بعض سائحي الثقافة الى المحطات الفضائية ضيوفا على برامج من شاكلة (قصيدة لكل عاشق) او (ما يطلبه المثقفون) .. حتى ان بعضهم طالب بسجن مؤلف رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) دون ان يدري ان الكاتب مات منذ عشرين عاما! والادهى من ذلك ان بعض السياح اتصل هاتفيا وايد دعوته! هذا ليس حال ثقافتنا فقط, بل هو حال فهمنا السطحي للأمور, وحال مجتمعنا الذي يدين الحقيقة وينصر الغوغائيين, فتكثر امراضنا ويصبح علاجها بحاجة الى عمليات جراحية. حسين درويش