سكت (بن هويشل) منذ زمن. ذلك الزمن الذي تبدلت فيه الحياة والناس و(الرزفة) التي تحورت, وغيبت غاياتها عندما غادرت ثوبها الاصيل, لونها الجميل, لون الفرح الذي كانت تصنعه في ضيوف العرس, مسحة العشق التي كانت تجدد اثير آهاتها في قلوب المحبين, ولفحة الهوى التي كانت تصيب من يبحث عنها, عندما يتصاعد صوت الرزيف. فعند الرزفة جميعهم جاءوا من اجل الهوى والشعر والفن: النساء والصغار والرجال وقبل ذلك الشعراء والمؤدون مع رحيل ذلك العصر, سكت بن هويشل, وأحال بقايا ابداع وهوى يسكن قلب الشاعر فيه, الى عالم الصمت قرر ان يتقاعد. الرزفة مثل اية صنعة اخرى فيها تلاميذ ولها معلمون, وبها مرجع يعودون اليه اذا اختلفوا أو رغبوا في التطوير او احتاجوا الى مزيد من التعلم والابداع. المعلم او ملك الصنعة, ملهم يمنح صنعته سر النجاح والبقاء. علي بن هويشل الخاطري هكذا كان دوره في فن الرزفة, معلم ملهم, وملك اعطى الكثير من التميز في هذا المجال. عاش في واحة غنية بالايحاءات, كل ما فيها يولد المشاعر, في عصر جميل هو عمر الشباب عند الشاعر. كانت الواحة, لوحة فيها عراقيب الرمال و(الغاف) ونار الليل قرب بيت الشعر, ومسراح الماشية رحلة يومية لا تتوقف, والبدوية على (الطوي) تمارس السقاية, والحمام يصدح آمنا فوق رؤوس (السمر) , وراعي (البوش) يمشي (على دوبه) يترك لها حرية المرعى في ارض سفوحها خضراء ريانة. ومنظر الحصون تحرس البلاد, والبلاد في عرفهم هي غابة النخيل التي تتوسط البلدة, يجري فيها ماء لا ينقطع ابدا, فشريعة الماء كما تقول روايات اجدادهم, بناها النبي سليمان. هكذا كانت صورة (الذيد) البيئة التي عاش فيها بن هويشل. اما اهلها فهم سكان بسطاء, يحملون قلوبا كبيرة بالحب والكرم ومعاني الرجولة, يسكن بجانب هذه الصفات حبهم للشعر, يسري فيهم بقوة وسرعة خيال العشق والغرام لكل ما هو جميل. في هذا المحيط بدأ الشاعر (ارزفاته) , بيتين او ثلاثة من الشعر, شاعت مع الايام, لكثرة تردادها في اعراس الواحة, وتناقلتها الركايب مع حلها وترحالها من الذيد, التي هي منطقة وسطى لابد من المرور بها لأهالي الشمال والجنوب ولساكني (الحيور) , فتغنى بها الشعراء في (كبكوب) و(ام عرج) و(الساعدي) ورأس الخيمة. وايضا (سهيلة) و(فلي) و(المدام) و(السيجي) و(الحنية) وكل البقاع التي عرفت الرزفة والتي وصلها صيت الشاعر. في اعراس البدو قديما, لا تشغلهم كثيرا امور الزينة و(الزهاب) وما تحمله القدور من طعام, يهتمون بالضحى والليل, ففيهما تقام (اليولة) ويبدأ اهم برنامج في حفل العرس, انها الرزفة: يختارون افسح مكان, يقبل الناس من كل صوب نحوهم, يقف الشعراء والمؤدون في صفين متقابلين, متساويين, متشابكي الايادي, يلوح اكثرهم بعصي الخيزران التي يحملونها بين اصابعهم, وتخرج النساء يلفهن الظلام, يصغين السمع. ينتهي شوط وتبدأ اشواط, يكبر الصف, يدخل عليه افراد جدد, او يصغر بخروج بعضهم. تتسابق (النعاشات) وهن فتيات صغار, ينثرن شعورهن, يمنة ويسرة, ويجول في الوسط احدهم يلوح ببندقيته او يرمي سيفه عاليا, ويغمر المكان دخان العود ورذاذ العطر, يلف حامل (المدخن) والمرش في اكثر من دورة يعطر الحضور. تتحرك رؤوس افراد الرزفة في ركوع واستقامة, يأخذهم الهوى, وينتهي الليل, ولا تنتهي الرزفة. يعود الناس من العرس محملين قلوبهم بعض العشق وكثيرا من الكلمات والالحان والصور التي بقيت من وحي الرزفة. اذا حضر بن هويشل العرس, فالمعاريس في سعادة وزهو, فليلتهم سيكون لها ذكر وتميز. يفسحون له, يعطونه مكان الصدارة في الصف, ولا ينشدون الا عندما يبدأ, يرددون خلفه, يخفضون اصواتهم ليبقى صوته هو الاعلى, والاوضح. يقول في احدى رزفاته: يا بن خميس الدوب يابي ومرّح على اليايز ارجابه لو صرت في غي الشبابي الحق لي مفتوح بابه في اخرى يقول: لو شفتني منساح بالي ما هوب على شلات لاول عيني على ريم الشمالي يا الي من المنزل اتحول عندما تبدل الدهر, وفر الشباب مثل اشياء اخرى غالية من حياة بن هويشل, قل حضور الشاعر وقل عطاؤه: الوقت يا مصبح رماني وارخص بقدر ما يهوني من شفت براق الشمالي ونيت وامسيت مغبوني حل عليه مع تعب الحياة, المرض الطويل, فقرر ان يصمت وينسى الرزفة, إلا ان الرزفة واهلها رفضوا هذا الحكم, ظلوا اوفياء له, ولا يزال الشعراء يرددون ارزفاته واسمه في كل عرس. مسيرة حافلة بالابداع والشعر والاعمال الصالحة انتهت برحيل بن هويشل منتصف هذا الاسبوع رحلة اخيرة ابدية. يرحمه الله