أيهما يعتبر المرجعية النهائية المعتمدة لقيم السلوك البشري؟ القانون المدني ام الكتاب المقدس؟ بصورة او اخرى فرض هذا السؤال العتيق نفسه في الولايات المتحدة قبل نحو اسبوعين, وكانت النتيجة عاصفة من المجادلات العقيمة. ما المناسبة؟ المناسبة هي ان ولاية فيرمونت صارت اول ولاية امريكية تتبنى قانونا يسمح بعقد زيجات بين الرجال الشاذين جنسيا وممارسة الشذوذ الجنسي ـ سواء بين الرجال او النساء ـ ليست جريمة في نظر القانون في اي مكان في الولايات المتحدة, فالمبدأ السائد هو ان تجريم مثل هذه الممارسات يعتبر نوعا من التمييز ضد فئة معينة في المجتمع الامريكي, وتعديا على حقوق الانسان في الحرية الفردية! لكن ولاية فيرمونت تعتبر انها بالسماح بالزواج بين الشاذين ومنحهم الحقوق الكاملة التي يقرها القانون السائد للزوجين العاديين (رجل وامرأة) قد صعدت مظاهرة الشذوذ الجنسي الى درجة اعلى. ولكن ما ان صدر القانون الجديد حتى اكتشف اهالي الولاية, وغالبيتهم الساحقة مسيحيون, انهم يقفون وجها لوجه مع حالة تناقض بين التشريع البشري والتشريع السماوي, فتعريف الزواج في الانجيل هو انه رابطة مقدسة بين رجل وامرأة وليس غير ذلك, سواء كانت رابطة بين رجلين او امرأتين. وكانت النتيجة الفورية حدوث انقسام بين رجال الكنيسة في الولاية: اغلبية انحازت الى الكتاب المقدس, واقلية يقولون ان واجب المواطنة يقتضي الالتزام بالقانون, مهما كان رأيك فيه. هذا الخلاف ليس سوى وجه من وجوه القضية الاعظم, الدين والعلمانية, ليقود الى سؤال: اين تنتهي حدود الدين لتبدأ الممارسة العلمانية؟ فلاسفة العلمانية في الغرب بدأوا بمقولة (فصل الدين عن الدولة) .. لكن على الصعيد التطبيقي نجد ان المقولة اتسعت لتشمل فصل المجتمع برمته عن العقيدة الدينية وقيمها, ومنها قيمة الرابطة الزوجية وعندما ينهض احد ليقول ان القوانين المدنية, كالقانون الذي سنته ولاية فيرمونت الامريكية, واجبة الاحترام فإنه في الحقيقة يدعو الناس الى التحلل الكامل من العقيدة الدينية وهذه هي المحنة. قد لانعرف على وجه الدقة المتناهية ماهي القوى او الجهات التي تدفع المجتمعات الغربية باسم الفكر العلماني وفكرة (المجتمع المدني) . وترجمتها (المجتمع المتحلل تماما من العقيدة الدينية) ولكن نعرف ان هذه القوى والجهات هي نفسها التي تسعى لفصم المجتمع في العالم الاسلامي عن القيم السلوكية الدينية بغرض تفكيك نسيجه, ونعرف ان بيننا وكلاء مجندون لهذه المهمة. وقد بلغت الجسارة بهؤلاء الوكلاء, وبينهم مفكرون وعلماء واعلاميون وأدباء, ان بعضهم يكاد يقترح اجراء تعديلات على احكام قرآنية, تتغيير احكام الميراث من اجل (مساواة) المرأة بالرجل, ولنستذكر ان البداية كانت محصورة في التنظير السياسي باثارة جدل فلسفي حول ما اذا كان الاسلام يصلح كنظام للحكم, فتوسعت رويدا عن طريق حملة منظمة من الندوات والمقالات لتطال التشكيك في تفاصيل قيم التعامل الاجتماعي من المنظور الاسلامي. لقد كان من بين ردود الفعل في فيرمونت الامريكية على صدور القانون المشار اليه ان موظفة في مكتب الزواج المدني رفضت عقد اول زيجة بين رجلين تقدما الى المكتب, ناعتة القانون الجديد بأنه (تشجيع للانحراف الخلقي مما يؤدي الى تدمير شبابنا وعائلاتنا وسقوط مجتمعنا في نهاية المطاف) . بكلمات اخرى فإن ما أرادت قوله هذه السيدة الامريكية هو أن المرجعية النهائية هي الكتاب المقدس, بحيث ان ما يتعارض معها من قوانين وضعية يسقط تلقائيا فالقوانين السماوية تنطلق من ضرورات اخلاقية, وليست القوانين البشرية كذلك على الدوام. احمد عمرابي