في الساعات الأولى من إعلان ترشيح جوزي فليبرمان لخوض الانتخابات الأمريكية على منصب نائب رئيس الجمهورية في نوفمبر المقبل .. انتفضت, إن لم نقل اشتعلت شاشات الحواسيب ـ الكومبيوتر في طول الولايات المتحدة وعرضها بما وصفه المراقبون نهاية حملة محمومة من التعريض باليهود ومن تنفيس غضب دفين إزاء تاريخهم وسلوكياتهم ودورهم الذي يراه الكثيرون مغرضا وسلبيا في المجتمع الأمريكي. وكان من الطبيعي أن تخفي منظمات اللوبي الصهيوني ـ الإسرائيلي في الولايات المتحدة لتدفع هذه الحملة بالتهمة المكرورة والمعتادة معاداة السامية (بمعنى بغض اليهود ) ولم يسأل أحد نفسه لماذا يندلع مثل هذا السيل من الرفض والبغض فور اختيار سياسي يدين باليهودية لخوض الانتخابات مع المرشح الر ئاسي آل جور على منصب نائب الرئيس؟ فتش عن التيارات التحتية إن المرشح ليبرمان مشهور عنه موضوعيات مسكه بأهداب الأ خلاق, بل يرجع اختياره بالدر جة الأولى إلى أنه كان من أوائل منتقدي السلوك غير المسئول أخلاقيا من جانب رئيسه كلينتون في فضيحة (مونيكا ـ جيت) إياها , رغم أن السناتور ليبرمان يعد من أركان حزب كلينتون و جور الديمقراطي وأغلب الظن أن العشرين ألف رسالة التي حملتها الشبكة الإلكترونية الأمريكية (أمريكا أون لاين) فور إذاعة نبأ اختيار وترشيح ليبرمان لم تكن موجهة إلى الرجل شخصيا.. ولكن كانت معبرة بالدرجة الأولى عن تيارات تحتية يموج بها ـ إن لم يكن يغلي ويضطرم ـ المجتمع الأمريكي إزاء ما يشاهده كثرة من أفراده وخاصة فئات المفكرين والمبدعين والمثقفين ـ الانتلجنسيا ـ من تغلغل العناصر اليهودية ـ الصهيونية الموالية بالتراث لإسرائيل في مرافق ومسالك شتى من الحياة الأمريكية ولاسيما منظومات الإعلام والاتصال, ناهيك عن مهن مؤثرة ومريحة في آن في مقدمتها المحاماة والطب والمحاسبة ـ دع عنك وصول هذا التغلغل ـ كما بات معروفا ـ إلى الموانع الفائقة الحساسية في مؤسسة هندسة وصنع القرار سواء في دوائر الخارجية أو في البيت الرئاسي الأبيض. تجاهل التعديل الدستوري ورغم أن القوم في الولايات المتحدة يرفعون دوما شعار التعديل الأول للدستور للتأكيد على حرية التعبير (فري سبيتش) بمعنى أن من حق أي امرئ أن يقول ما يجول بخاطره دون وصاية أو رقابة أو مصادرة فإن الشبكة الحاسوبية الأمريكية التي ألمحنا إليها اعترفت بلسان مسئوليها أنها عمدت إلى حذف عدد لا يستهان به من الرسائل التي رأتها جارحة وماسة أو مهينة بحق اليهود وجاء هذا الحذف والوصاية والرقابة والمصادرة.. باسم التعديل الأول للدستور وليس غيره. في هذا السياق تعلق الكاتبة الأمريكية (ليزا جورنسي) قائلة (نيويورك تايمز , 9/8/2000):لم يفصح مسئولو شبكة (أمريكا أون لاين) عن عدد الرسائل أو التعليقات التي حذفوها ولكنهم ذكروا أنهم على استعداد لأن يوقفوا أو يلغوا حسابات (اشتراكات) كل من يتضح أنه خالف قواعد الشبكة المتعلقة بلغة الكراهية أو الألفاظ السوقية أو التحرش لمضايقة الآخرين. عبارات حاخام إسرائيل هنا قد نعلق من جانبنا: ترى هل تنطبق هذه القواعد من حيث لغة البغض أو ألفاظ السوقية الجارحة.. أو المساس بمشاعر الآخرين على ما ظل يكرره الحاخام الصهيوني عوفاديا عن العرب الذين ندم الخالق ـ جل وعلا ـ على أن فطرهم إلى آخر ما لا تريد تكراره من ضروب إهانة شعوب وحضارات وعقائد ورموز وثقافات فيها مساس بمقام الربوبية أصلا وفيها تعريض نترفع عن وصفه بأمة ظلت تعيش على أرضها فإذا بها منذ خمسة عقود لاغير إلى أن روعت بزرع كيان عنصري استغلالي مغتصب وبغيض في القلب من وطنها؟ غرف الثرثرة الإلكترونية ورغم أن مسئولي الشبكة الإلكترونية الأمريكية ظلوا يرصدون الرسائل التي بثها أصحابها عبر شبكة الكومبيوتر المذكورة ـ ربما خشية ابتزاز وإرهاب الجماعات اليهودية ـ الصهيونية ذاتها ـ فقد أعلن هؤلاء المسئولون عجزهم عن رصد أو مراقبة الرسائل التي عمد أصحابها إلى بثها عبر ما يوصف بأنه غرف الثرثرة أو تجاذب أطراف الحديث المرسل عبر الحواسيب.. لأنها في الأصل رسائل مباشرة آنية تبث الآراء وترد عليها في نفس اللحظة الآراء المقابلة والتعليقات المستجيبة أو المضادة ومثل أي حوار دائر فإن الكلمات والعبارات ومن ثم التعليقات (الآراء) سرعان ما تختفي من فوق شاشة الكومبيوتر لتحل محلها كلما ت وآراء وعبارات جديدة مما يجعل متابعتها ناهيك عن حذفها أو مصادرتها أقرب إلى الأمر المستحيل ثم أن هذه الرسائل الحوارية تتم بين أطراف يحتمون بدرع المجهولية ـ كما تضيف الصحفية (ليزا جورنسي) حيث لا يعرف أحد لهم أسما ولا عنوانا, بل لوحظ أن بعض هذه الرسائل يستخد م لغات أخرى بخلاف الانجليزية للتعبير عما يجول في الخواطر ويساور الضمائر ومنها بالذات اللغة الألمانية ممما قد يدفع إلى الاعتقاد بأن مستخدمي اللغة المذكورة بينهم وبين الجماعات اليهودية ثأر بايت ـ كما يقول التعبير الدارج ـ كيف لا والإدانات اليهودية لا تنقطع و لا يهدأ لها ضجيج وهي ترفع وتكرس مقولات محارق النازي ـ الهولوكوست التي تحول مؤخرا إلى (سبوبة) كما يقول تعبير دارج آخر بمعنى تحولت إلى أسباب للارتزاق والاستنفاع والتربح وخاصة لحساب الحركة الصهيونية وإسرائيل ومن يتيسر تنفيعه من اليهود وذلك خصما من حسابات مصارف سويسرا التي ابتزوا منها مؤخرا مليارات الدولارات ومن قبلها كانت خزانة الدولة الألمانية التي آثرت منذ منتصف القرن الماضي أن تدفن ماضي حقبتها النازية وتدفن معه ويلات ومرارات الصراع الدولي خلال الحرب العالمية الثانية توطئة لدخول ألمانيا في إطار المحالفة الأو روبية ـ الأمريكية وهي حلف شمال الأطلسي الناتو, وكان ذلك كما يقول درس التاريخ المعاصر لمواجهة خطر استشراء المد الشيوعي الذي كان في قمة انتعاشه منذ عقدي الخمسينات والستينيات من القرن الماضي. تماما كما اختارت البنوك السويسرية أن تدفع أموالا من منطلق السيكلوجية المصرفية التي يعرف اليهود أبعادها جيدا بحكم أنهم من أكبر المتعاملين في الأموال الربوية بالذات عبر التاريخ والممسكون بورقة الابتزاز ـ الهولوكوست كانوا يدركون جيدا ومسبقا أن بنوك سويسرا تخشى أساسا على سمعتها, وأنها مجبولة على إغلاق الباب الذي يأتي منه الريح كي تسده وتستريح وأنها لا تحب (الشوشرة) وليس لديها الوقت ولا الجهد لكي تدافع عن سمعتها.. ومن ثم فالأفضل لها أن تدفع الأموال وتغلق الملفات بسرعة حرصا على عدم إثارة أي ضجيج وهو من باب مداراة السفينة دونما أن يكون ذلك إحقاقا لحق أو إيفاء بذمة وإنما هو انصياع واع أمام تيار صناعة الهولوكوست وهو عنوان كتاب صادر مؤخرا من تأليف أكاديمي يهودي السمة نورمان فنكلستاين وهو أستاذ بجامعة نيويورك وقد اختار لكتابه نفس العنوان ـ صناعة الهولوكوست. والرجل لا ينكر حكاية المحرقة, وهذا رأيه الذي قد نحترمه ونخالفه في الوقت نفسه لأسباب موضوعية وتاريخية شتى ولا محل للإفاضة فيها ولكننا نحترم الرجل أيضا لأنه انطلق من مقولة نراها جديرة بالتأمل ومؤداها مايلي: إن الهولوكوست تجربة تاريخية مريرة ومأساة انطوت على ضروب الاضطهاد والعذاب الذي تعرضت له أفواج من البشر ولكن بدلا من نضج كارثة المحرقة ـ الهولوكوست ـ تتعلم منها الإنسانية دروسا مستفادة مصممة في ذلك ألا يتكرر من بعد أي استغلال أو أي اضطهاد من إنسان إلى إنسان إذا بالمصالح اليهودية ـ الصهيونية وهي تصب في نهاية المطاف لصالح إسرائيل ـ تحول الآلام التي عاناها ضحايا الهولوكوست إلى تجارة تتربح من ورائها وتجني من جرائها المليارات من الدولارات وهذا هو المعنى الذي توصل إليه مؤلف ذلك الكتاب من التعبير الذي عمد إلى سبكه وصياغته ـ صناعة الهولوكوست وقد قام بتصدير كتابه بعبارة صدرت عن رجل دين يهودي يعمل بجامعة ييل المرموقة في الولايات المتحدة وقال فيها: يخيل إلي أن الهولوكوست يتحول إلى سلعة تباع وتشترى بدلا من أن يكون تجربة نتعلم من دروسها. وكتابات أخرى وقد سبق أن كتب في هذا الموضوع باحث أمريكي آخر هو الأستاذ (روبرت نوفيك) وقد اشرنا إليه في مبحث نشرناه في هذه الزاوية مع بدايات العام الحالي حين أصدر كتابه الشهير بعنوان الهولوكوست في الحياة الأمريكية ولعل أهم طروحات الأستاذ نوفيك تتمثل في أنه لم يركز على جوانب الربح المادي المتحصلة من وراء استغلال محارق النازي بحق اليهود خلال سنوات الحرب الكونية الأخيرة, ولكنه ركز بالأحرى على جانب نراه أهم وأولى بالدراسة هو جانب معنوي أو منهجي كما قد نسميه وفحواه أن تركيز الأوساط اليهودية ـ الصهيونية ـ الإسرائيلية على معاناة اليهود خلال الحقبة النازية وربما خلال حقب أخرى من تاريخ أوروبا بالذات فيما تبلور بعد ذلك في التعبير الشهير (المسألة اليهودية) هذا التركيز أو التكريس أو التضخيم كان من شأنه التهوين من أي معاناة أخرى أي محارق أخرى, أي هولوكوست آخر إذا استخدمنا نفس التعبير يتعرض له شعب أو أمة في مرحلة سابقة أو لاحقة من التاريخ. والمعنى هو أن كل معاناة تهون إزاء ماعاناه اليهود في الهولوكوست, وكل عذابات لاتستحق اهتماما دوليا ولا حلا ناجزا أو شاملا.. إذا ما قورنت بعذابات الهولوكوست كل ذلك بصرف النظر عن أن معاناة الهولوكوست وإن كانت مرفوضة من ناحية المبدأ الإنساني سواء عاناها يهود أو غيرهم إلا إنها ـ الهولوكوست ـ مازالت موضع أخذ ورد من ناحية الموضوعية التاريخية سواء من حيث حجم اليهود الذين عانوها أو من حيث سلوكيات وأهداف الألمان النازيين المتهمين فيها. لكن المطلوب هو صرف النظر عن أي معاناة أخرى تكابدها أمم وشعوب وأقوام.. وتلك نظرة تصدر عن شعور الاستعلاء العنصري التي قام عليها مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين وهي نظرة الشعب المختار والأمة المصطفاة.. والحياة الإنسانية الأفضل. التي لابد وأن تكون معاناتها بالتالي هي الأخطر ومن ثم الأولى بالاهتمام والحل الملياري السعيد. من هنا تهون مثلا مذابح رواندا ودمار سيراليون, كما هانت من قبل محارق أبناء الهند الصينية التي نصبها لشعب فيتنام الفرنسيون حتى معركة ديان بيان فو عام 1954 ومن بعدهم تولى زمام الهولوكوست الفيتنامي الأمريكيون على مدى أكثر من عشرين عاما ذاق خلالها شعب فيتنام في الشمال والجنوب ويلات الحرب والدمار.. تماما كما لابد وأن تهون الجزاءات (العقوبات القاتلة أو المهكلة) والتعبير ليس من عندنا ولكنه من عند صاحب كتاب (صناعة الهولوكوست يقصد بها العقوبات المفروضة على الشعب) ونؤكد على لفظه.. (الشعب) العراقي وفي هذا السياق بالذات يقول الأستاذ نورمان فنكلستاين في صفحة 148 من كتابه: كما حدث في الهولوكوست النازي من المرجح أن يكون مليون طفل (عراقي) قد لاقوا حتفهم (على نحو ما ذكره الكاتب الأمريكي جيوف سيمونس في كتاب أصدره بدوره تحت عنوان نكبة العراق, نيويورك 1998) لكن عندما سئلت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت على قناة التليفزيون القوي الأمريكي عن ضريبة الموت الرهيبة في العراق أجابت بقولها: الأمر يستحق هذا الثمن. كاتب سياسي من مصر