كم شروق توالى على الدنيا منذ اكتمال استدارة كوكب الأرض وانتظامه في مداره حول الشمس. كم شروق توالى على تلك الأرض التي كانت أول ما رأيت وأقدم ما تحتفظ به ذاكرتى, ذلك الأفق القاهري, كم شروق توالى عليه منذ أن كانت أرض وعرة, موحشة, حتى سريان نهر النيل اليها, وتكون الأحراش ودبيب الحيوان وسعي المخلوقات كافة وجهاد الإنسان. كم شروق توالى منذ بدأ تحديد مسار الضوء عبر اقامة الجدران والنوافذ, مستطيلة, مستديرة, مربعة, الأسقف سواء كانت لمعابد تواجه مسارات النجوم والكواكب, أو مقابر تحفظ الموجود في اللاموجود, منذ أن تشكلت ملامح أول مدينة نعرف اسمها (منف) في الزمن العتيق, موقع توارثته عدة مدن, اسهمت في ظهوره عوامل شتى منها الجغرافي والسياسي والاجتماعي, والديني والإنساني بكل مستوياته, لا تزال اطلال (منف) الى الجنوب من أهرام الجيزة, انه الموقع الرمز, القريب من انشطار نهر النيل إلى فرعين يتجهان الى البحر, يسافر فيه الماء القادم من الجنوب إلى الشمال, أما مصدر الضوء الأقوى, الذي لا تقدر العيون على التطلع اليه والتحديق فيه فيرحل من الشرق الى الغرب, عابرا الأرض, والنهر الممتد بالعرض, هكذا حدد الإنسان الجهات, وكان ذلك منطلقه إلى رصد سمات الكون وعلاماته, وعندما شرع في البناء, راعى المرجعيات الكبرى للوجود, فأضلاع الأهرام توجه الجهات الأربع, والمدخل اليها دائما الى الشرق. كذلك يتجه تمثال (أبو الهول) مواجها الابدية والحركة الكونية بابتسامته الغامضة, والتي يمكن ان نرى فيها المعاني المتناقضة, من سخرية الى شجن الى أسى على ما يمضي ويندثر. انها نفس النظرة التي نراها عبر تحديق التماثيل المصرية القديمة فينا, المتجهة الى اللامكان. الى ما يصعب تحديده. متى بدأ الشروق؟ لا أدرى. تماما كما لا أقدر على تحديد أول شروق بعد مجيئي الى العالم, بعد لقاء عيني بالضوء المسافر من الابد الى الأبد, من المصدر الكوني الى موضع التلقي الانساني: عيناي, لا يمكنني التذكر لأن الوعي لا يحتفظ باللحيظات الأولى, ربما يتردد صداها داخلنا, لكن أنى لنا أن نعي؟ كم شروق توالى علي! صعب ذلك رغم سهولة الاجابة الظاهرية, ذلك أنني قادم من أمد يصعب تحديده الى أبد يعسر تعيينه, ومابينهما أيامي تلك التي يمكنني الاشارة اليها. أن أسميها, رغم انها تنقضي دائما, لكن ما يسهل الأمر علي أن مكانها متعلق بها, بل ان زماني لا معنى له بدون هذا المكان, كل لحظة تستدعي موضعا بعينه, وكل موقع تحتويه لحظة, وقديما قيل ان الزمن مكان متجمد, والمكان زمن متجمد, مكاني المرتكز, منطلقي, ذلك المسمى بالقاهرة, القاهرة القديمة تحديدا, القاهرة التي تعتعت فيها الأزمنة المتعاقبة, التي لا أدري ولا ألم بعدد المرات التي توالى عليها الشروق, ولكنني أعي أول طلوع الشمس في ذاكرتي. كنا نسكن الطابق الأخير, الخامس, وكان بعد مرتفعا بمقاييس الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى, من هذه النقطة بدأت صلتي بالزمن القاهرى, الى الشرق هضبة المقطم الصخرية التي كانت مغمورة بمياه البحر في زمن عتيق, قبل أن تنحسر المياه شمالا مخلفة في الصخور أسماكا وأصدافا وكائنات بحرية توحدت بالحجر. الى الغرب أهرام الجيزة, ومع متانة التحديق يمكن رؤية سلسلة الأهرام الأقدم, تتوالى عند خط الغرب, جهة مغيب الشمس, سقارة, دهشور, أبوصير. في زمن طفولتي كان الأفق القاهري مفتوحا, لم تزحمه الأبراج المرتفعة التي تقوم الآن. صعب على تذكر السبب الذي جعلني أخرج بصحبة الوالد رحمه الله الى السطح فجرا, غير انني أعي تماما وقوفي متطلعا الى ذلك اللون الأحمر الذي يجيء من عتمة الليل مزيحا النجوم الأقاصى, احمرار خفيف لكنه قوي, يمهد لدرجة أقوى من الأحمر الغامق. حمرة متدفقة, مستمرة, تنبئ بمصور خفى, تتعاقب درجاتها بحيث يصعب رصدها, أو حصرها, أو تعداد درجاتها, عند لحظة معينة يتدفق الضوء, كأنه ينفجر, ومن هنا سمى الفجر فجرا في اللغة العربية. من خلف صخور المقطم يبدأ البزوغ, مجرد خط نحيل يميل الى الاستدارة يتضح شيئا فشيئا, وبمجرد اكتمال ظهور القرص يصعد بسرعة. تلك لحظة لا تغيب عني ولا تولي, اليها أنسب أي شروق أراه, استعدتها في أوضاع شتى, وفي أماكن نائية, استرجع تطلعي المبهور ودهشتي الطفولية التي ربما تشبه دهشة الإنسان القديم وهو لا يجد تفسيرا أو تبريرا, فيتخيل عبور السماء بقارب خفي, وتمتد الأذرع من قرص الشمس, خيوط الأشعة تنتهي بيداي, ذلك التطلع العميق, المبهور أفتقده الآن, ليس لأني أغيب عن شروق الشمس لكثافة البنيان, واختلاف الموقع, لكن لتوالى المظاهر وتوالى الوقائع, واتضاح أمور شتى من خلال المعرفة, المعرفة التي تحد أحيانا من انطلاق الخيال, لكن يظل الشروق الأول الذي احتفظت به ذاكرتي مهيمنا. مرجعيا, يؤطد المآذن, القباب, البيوت, أبراج الحمام, المدينة العتيقة وأهلها, أولئك الذين يعبرهم الزمن, ويعبرونه أيضا. مع الشروق يبدأ السعي, منذ الفجر تسرى الحركة, تخرج العربات التي تدفع باليد أو التي تجرها الحيوانات من مراقدها, أول مايظهر منها العربات التي يقدم عليها الطعام. خاصة الفول المدمس, يوضع في (قدرة) مستديرة كانت في الماضي القريب من الفخار أو النحاس قبل أن يسود الألمنيوم, يتم النفاذ الى داخلها بواسطة (المغرفة) , طويلة اليد, تخرج محملة بحبات الفول الذي استوى على نار هادئة, أصبحت لينة, ناعمة مثل الزبد, تدفس (القعدة) طوال الليل في المستوقد, حيث الوقود الذي يشعل النار البطيئة التي يتم بها تسخين ماء الحمامات العامة والذي يصلها عبر أنابيب من فخار, تصب في المغطس المليء بالماء الساخن ومنه يتصاعد البخار في فراغ محدود يجلس به الرجال ليلا عرايا تماما والنساء نهارا, مع اندثار الحمامات العامة التي بلغ عددها أول القرن التاسع عشر ثلاثة آلاف, لم يتبق منها الآن الا نحو عشرين, بدأ باعة الفول يستخدمون وسائل مباشرة, لكن في كل الأحوال لابد ان تكون النيران هادئة تسوي الفول على مهل. حتى تنضج الحبات على الفول (يالوز), وللباعة القاهريين تراث طويل في المناداة على بضاعاتهم في أصوات منغمة, ويصل الأمر الى تدليل البضاعة, فالطماطم لونها أحمر كخد العروس, والتين لا يشبهه شيء, أذكر في طفولتي أربعة رجال ضخام الأجسام, كانوا يدفعون أمامهم عربة صغيرة, فوقها أنواع مختلفة من الكعك, بعضه مستدير, والآخر مربع, من أشكال شتى, كانوا يجيئون الى الحارة مرتين, الأولى عند شروق الشمس, والثانية عند الغروب, وما كان يثيرنى أصواتهم القوية التي ترتفع بالغناء.. (ستين كعكة بقرش أبيض) . أصواتهم قوية وأحجامهم ضخمة, والعربة صغيرة جدا, أين هم الآن؟ كان الباعة القاهريون, وما زال بعضهم ينغمون نداءاتهم, يدللون بضاعاتهم, كان العرض منذ نصف قرن أكثر من الطلب, وجودة البضاعة ضرورية لبيعها, الآن عدد السكان في تزايد, وما يهم الكم وليس الكيف, أول صوت يسمع في المدينة: (حليب ياقشدة) . باعة اللبن. يجيئون من المناطق الريفية القريبة, مثل امبابة والقناطر ودار السلام. يتجولون في الحواري والأزقة والدروب, يحمل كل منهم (قسط اللبن) يتجولون في الحواري والأزقة والدروب, يحمل كل منهم (قسط اللبن) المصنوع من الألمنيوم, محكم الغطاء جيدا, (القسط) بيد, والمكيال المختوم من مصلحة الدمغة والموازين بيد, الرطل وأجزاؤه, ومنذ الستينيات أعتمد الكيلو كوحدة للوزن, ربما ابتعادا عن كل ما يمت الى الانجليز, الذي احتلوا مصر لمدة سبعين عاما. باعة اللبن يرتدون جلابيب بيضاء, لابد ان تكون بيضاء نظيفة, حتى منتصف القرن التاسع عشر كان المحتسب يفتش على نظافة الباعة, وجودة البضاعة, غير ان الانضباط القديم ولى الآن, فغش الأكل لم يعد من اختصاص صغار الباعة الفقراء المتجولين, وانما اصبح من مهام التجار الكبار جدا, الاثرياء الجدد, أصحاب النفوذ, الذين يستوردون الطعام الذي نفدت صلاحيته بأسعار بخسة ويطرحونه للبيع لتحقيق الأرباح الطائلة, مع تواطؤ الموظفين, صغارهم وكبارهم, يتوزع الباعة على نواصي الطرقات, عند مداخل الحارات, لكل منهم ركنه المعتاد, بالتحديد باعة الفول, الإفطار الشعبي في مصر كلها. حتى الفنادق الحديثة, ذات الخمسة نجوم تحرص على تقديمه. الفول يقدم فوق العربات اليدوية, العربة منمنمة, مزوقة, ألوان متضادة, الأحمر يقابل الأخضر, الأزرق يقابل الأصفر, عبارات مطمئنة, تؤمن البائع والمشتري معا: الأرزاق على الله توكلت على الله أو آية قرآنية (كلوا من طيبات مارزقناكم..) لكل عربة فول بروزان, الأول يوضع فوقه الخبز القاهري المعروف بالبلدي ولكل منطقة في مصر خبزها, لكن القاهري الأشهر. ومنه أنواع الطرى, اللون (الوسط) والمفقع (الناشف) والناس في مصر يطلقون على الخبز اسم (العيش) أي الحياة, انهم الوحيدون في العالم الذين يسمونه العيش, انه مقدس لديهم, فإذا رأى الواحد منا قطعة في الطريق ينحني ليقبلها ويضعها إلى جوار الجدار بعيدا عن مسار المارة, وإذا أردنا أن نضرب المثل على متانة العلاقة وحسن الصلة. نقول: (دا أنا واكل معاه عيش وملح..) وإذا أتى الصديق فعلا سيئا نقول: (دا خان العيش والملح..) لا يمكن للمصرى, ان يسرق رغيفا من الخبز, في الصباح يقف الرجال حول عربة الفول يأكلون افطارهم. بعد ان ينتهي كل منهم يخبر البائع بعدد الأرغفة التي أكلها, يستحيل أن يخطئ, فاللقمة الحرام تصيب الإنسان بالأذى, كله الا العيش. البروز الثاني يحمل أواني السلطة, خضراء أو طحينة, وزجاجات الزيت بأنواعه, الزيتون, والحار, والفرنساوي (زيت مستخرج من بذرة القطن), وحديثا زيت الذرة. معظم الزبائن الذين يتناولون افطارهم من الموظفين الصغار أو الحرفيين, الأكل في الشارع, ثم تناول الشاي أو القهوة وتدخين المعسل صباحا بمثابة اجتياز مراحل فاصلة بين البيت والعمل, نوع من التدرج, والضرورة ايضا, اذ يستيقظ معظم الرجال والأطفال يغطون في نوم عميق, فلا يرغبون في ازعاجهم, مهمة بائع الفول ان يغرف الحبات و المرق في الأطباق الصغيرة, وان يجهز الوجبة باضافة الملح والكمون والشطة اذا رغب الزبون, ثم يقوم مساعده بغسل الأطباق في جدول مليء بالماء. حركات البائع سريعة, بارعة, يقف فوق صندوق خشبى, يجعله في مستوى أعلى من العربة, لا يسأل أي زبون كم رغيفا أكل, أو كم بصلة التهم؟ الوجبة لها سعر, فإذا تناول الزبون أكثر من رغيف أخبر به, لا يمكن المغالطة في العيش, ربما كان احترام الخبز قادما من الزمن المصري العتيق, ألم يصور جثمان (أواير) على جدران المعابد والمقابر مدفونا تحت الأرض وسنابل القمح تنبت منه؟ الفول ليس طعام الإفطار القاهري الوحيد, سنرى عند مداخل الحارات, عربات أخرى, لكنها تقدم (الكسكسي) طعاما للإفطار, القاهريون يعرفونه محلى بالسكر الناعم الأبيض ويضاف اليه اللبن, لكنهم لا يأكلونه مضافا اليه الخضروات واللحم مثل شمال افريقيا. عربات أخرى تقدم الفطائر المقلية في الزيت أو السمن, فطائر صغيرة شهية, ونرى عددا منها معروضا فوق بعضه البعض, يتناول البائع احداها, وعلى طرف السكين المثلث يقلبها في الهواء ليتلقاها بمهارة, ثم يضعها في الاناء الذي يحتفظ بحرارته موقد صغير, ضعيف اللهب موضوع أسفله. المهارة في حركات البائعين قاسم مشترك, الخفة, المهارة, القدرة على تلبية طلبات الجميع في وقت واحد, ولكنها لا تهدف الى ذلك فقط, انما تعني ايضا مهارة البائع وشطارته.