نجد ظاهرة ارتباط الحب بالموت جلية واضحة عند كل الشعراء العشاق الذين كانوا يتمنون الموت في زحمة شكاتهم واناتهم ومعاناتهم. وهذه الظاهرة لا نجدها بالطبع الا في حالة الهوى عندما يسعى المحب الى الفناء في سبيل محبوبته التي يرى من خلالها كل اسباب الحياة ودواعي الوجود. لقد ثارت اسئلة كثيرة حول الموضوع, وتناول الدكتور عبدالرحمن بدوي هذا الامر في كتابه (العبقرية والموت) وعزا سبب الارتباط يبن الحب والموت كما يقول الى ( ان العاطفة هي الاقدر على الادراك, لأنها تصدر عن الذات اكثر مما تصدر عن العقل, والذات هي الحقيقة الوحيدة في الوجود الحقيقي, في مقابل الوجود الفيزيائي. فلما كان الحب من ابرز مقولات العاطفة, فإنه من اقدر العواطف على المعرفة, ان لم يكن اقدرها جميعا, وبيان ذلك ان الحب فيه احالة الى الموضوع. ولهذا كان به دائما هذا النزوع الى الادراك, لأن الادراك معناه اتجاه الذات نحو الموضوع) . هذه الظاهرة, ظاهرة الفناء بالحبيب, نجدها عند الصوفية الذين يتوقون دوما الى الاتحاد مع الذات الحقيقية التي لا تحد ولا توصف. والفلاسفة في معرض حديثهم عن العشق, يرون ان العشق الحقيقي هو الابتهاج بتصور حضرة ذات ما. والشوق هو الحركة الى تتميم هذا الابتهاج. والحب هو حالة نزوع دوما من معرفة ناقصة الى معرفة اكثر كمالا. لذلك قيل, الحب ابن الثراء والاملاق, ووليد الجهل والمعرفة. فالذين يحيطون بكل شيء والذين يجهلون كل شيء كلا الفريقين لا تنبثق فيهما عاطفة الحب. فالحب هو حالة الوسطية, والثراء والاملاق يقصد بهما المعرفة, فحركة الحب هي التي تجدد المعرفة. اذن الحب هو ظلمة موحية بالاسرار وقد لا يدرك الا بالوجدان عندما ينبع من اعماق الشعور واللاشعور, فهو فوق الادراك وفوق الوجود الطبيعي, وفوق الشطآن اللامتناهية, وموجة الموت. حقيقة فإن مسألة ارتباط الحب بالموت تبدو من المسائل الاكثر صعوبة في الحياة من حيث امكانية فهمها. ويثور دائما السؤال عن سبب هذا الارتباط.. انما قد لا يبدو الامر واضحا الا عند اصحاب الكلمة من الشعراء العشاق, لأنهم هم الاقدر على التعبير عما يجيش في الخواطر. محمد خليفة