ماذا لو اشتغل الخباز مهندسا أو بائع الخضار طبيبا أو الزبال معلم مدرسة؟ حتما سيكون ذلك مأساة هي في البدء مدعاة للضحك والسخرية وفي الخاتمة مدعاة للبكاء وأشد ما يكون البكاء مرا إذا سبقه ضحك هو أشبه ما يكون في النهاية بالبكاء إنه ضحك المتنبي في زمانه على مضحكات مصر حين قال: وماذا بمصر من المضحكات ولكنـه ضحـك كالبكـا ومع إجلالي واحترامي وتقديري واعترافي بالجميل لكل صاحب مهنة شريفة تصون وجهه عن السؤال وتعف يده عن الحرام ومع اعترافنا جميعا بالفضل لأصحاب المهن البسيطة علينا نحن أصحاب المهن الرفيعة ومع اقرارنا جميعا بأن الحياة تكامل والناس جسد واحد يخدم بعضه بعضا فالكل واحد والواحد كل بمعنى التعاون والتكامل الدنيوي وليس بمعنى الاتحاد والحلول الصوفي الذي يقول بأن الواحد في الكل والكل في الواحد. ومع إيماني الشديد بقول الشاعر: الناس للناس من عربٍ ومن عجم بعض لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ مع تقديري لذلك واعترافي بفضل الزبال على المجتمع إن أحسن عمله فإن الزبال المحسن هو في الحقيقة طبيب المجتمع الأول الذي يقيه من الأمراض وانتشارها قبل تفشيها بتنظيفه للأقذار والأوساخ وهو على ذلك قليل الأجر وضيع المهنة ولو علم الناس ان الزبال المحسن معين لهم محافظ على أموالهم مفقر للطبيب وان الزبال المسيئ المتهاون في عمله معين للطبيب على الكسب بتركه للأمراض فرصة تذهب بهم في النهاية إلى الطبيب وبنقودهم إلى حافظة نقوده وربما أشد من ذلك إلى الهاوية, إلى الحانوتي. مع تقديري لكل ذلك .. أقف هنا وأعود لأتساءل ماذا لو اشتغل الطبيب خبازا والخباز مهندسا والمهندس المدني مزارعا.. ماذا سيحدث؟ سينهار المجتمع لا محالة. وما مقياس ذلك؟ ان مقياس ذلك ومعياره ألا يعمل أحد عملا إلا إذا تمكن من أدواته وأتقنها فالمهندس ليس له أن يؤسس بنيانا إلا إذا كان دارسا عالما بأصول مهنته وكذلك الطبيب وكذلك الخباز والزراع فالاحسان والاتقان هو المعيار لذلك, جاء في الأثر عن رسول الأمة عليه الصلاة والسلام (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) . إذا كان الأمر كذلك فلم لا يكون ذلك شُرط في كل المهن وأشرف تلك المهن التعامل مع الكلمة الشريفة, كلمات الخالق, كلمات كتابه العزيز القرآن الكريم, ان قارئ القرآن المحسن كما جاء في الأثر في السنة الشريفة مع السفرة الكرام البررة, وإن المتصدي لقراءة القرآن على الملأ, على الناس أجمعين لابد له أن يكون متقنا مجيدا عارفا بأحكام التلاوة والنحو والصرف والعربية معرفة تمكنه من قراءة القرآن وآياته قراءة لا لبس فيها ولا تحريف ولا خطأ, ولا شك أن المقرئين من مشايخ الإسلام وفضلاء الأمة حريصون على ذلك كل الحرص إلا ان الطامة الكبرى التي هي مما يؤسف له هم مذيعو إذاعاتنا المحلية والعربية الذين يقرأون القرآن في الاذاعات وكأنهم يقرأون خبرا أو طرفة أو قصة طريفة يقرأونها كيفما اتفق بلا عناية ولا دراية ولا حتى سؤال وكنت أظن ذلك قليلا نادرا عند بعضهم حتى فوجئت مساء الأحد الماضي في الساعة ما بين التاسعة والتاسعة والنصف بمذيعة في اذاعة أم القيوين العزيزة تقرأ على أنغام الموسيقى آيات قرآنية عرفت فيما عرفت بعد انه تقرير أو مشاركة عن رحلة الرقم (7) في القرآن الكريم وكيف ان بعض سور القرآن هي سبع آيات وان السماوات سبع والأرضين سبع وان السنبلات التي حلم بها الملك في قصة يوسف عليه السلام سبع إلى غير ذلك. والأمر إلى هنا لا بأس به وان كان كشفا لا يجيب على سؤال ولا يفيد شيئا غير التعجب من ذلك ولعله كان الأولى منه تفسير آيات القرآن والتفقه في معانيه أو على الأقل, وهو حتما الأفضل, عمل تلك المذيعة على قراءة تلك الآيات التي تستدل بها قراءة سليمة فمن المخجل وهي الاذاعية العربية المسلمة في اذاعة عربية إسلامية أن تقرأ ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ (وترى الملائكة حافين من حول العرش) بتشديد الفاء في حافّين لتقرأها حافِين بكسر الفاء ليصبح الملائكة المكرمون حول العرش, كرموا عن ذلك, حافين لا نعال لهم وكأنهم بشر. أو أن تقرأ (إذا زلزلت الأرض زلزالها) فتقول:(زَلزَلت) بفتح الزاي وليس بالضم فتصبح الأرض هي الفاعل بنفسها الزلزلة في حين ان المزلزل الحق هو الخالق العظيم. أو أن تقرأ (يوسف أيها الصديق أفْتِنا) بسكون الفاء وكسر التاء فتقول بجهل (أفِتْنا) بكسر الفاء وسكون التاء) . وأن تقرأ الفاتحة وهي أم الكتاب فتقول (إياك نعبِد) بكسر الباء في نعبد وليس ضمها كما هو الصحيح. وأن تسمي صورة الحِجر سورة الحُجر بضم الحاء وليس بكسرها. وأن تسمي وسُبع القرآن سَبعا بفتح السين وهو ان القرآن فيه سبعة أسباع ومفردها سُبع بضم السين فتقول مذيعتنا المسكينة سبع بفتح السين وشتان ما بين السُبع والسَّبع الذي أرجو أن يلتهم أخطاءها التهاما ومن غرر بها لتقرأ ذلك الكلام بلا دراية. الأدهى والأمر من ذلك ان مذيعتنا المسكينة تلك كانت تقرأ الآيات وتستشهد بها على أنغام موسيقى راقصة على نظام (الوحدة ونص) وكأنها تدلع تلك الصاعدة إلى الهاوية (فيفي عبده) فبين الآية والآية صخب يصلح للمراقص والنوادي الليلية وخلف كل آية صخب موسيقي راقص, السؤال أين القائمون على الاذاعة ألا يسمعون, ألا يستمعون إلى اذاعتهم ألا يدرون؟ إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم المفاجأة أنني فتحت على الاذاعة ذاتها صباح اليوم التالي فإذا هي تذيع الأغنية الشهيرة الأرض بتتكلم عربي.