تأمل هاتين اللقطتين: اللقطة الاولى تحكي عن مجموعة من المستوطنين اليهود في مدينة (الخليل) الفلسطينية شنوا هجوما على فلسطينيين في وسط المدينة. ودلف اليهود الى منطقة السوق وقلبوا طاولات البضائع في متاجر الفلسطينيين بعد ان اوسعوهم ضربا. لم يظهر اي اثر للشرطة الفلسطينية بينما هرعت الى المسرح قوة من الجيش الاسرائيلي وفرت حماية لمجموعة المستوطنين الى ان استطاعوا العودة الى حيهم الخاص الذي يتمتع ايضا بحراسة عسكرية اسرائيلية كاملة. اللقطة الثانية مأخوذة من غزة.. مقر السلطة الوطنية الفلسطينية. وبالاحرى من داخل احد معتقلاتها الرهيبة. هناك يقبع منذ اواخر يوليو عبدالعزيز الرنتيسي احد قادة (حماس) والجديد في الامر هو ان (محكمة امن الدولة) الفلسطينية اصدرت امرا الاسبوع الماضي بتجديد حبس هذا الزعيم لمدة خمسة عشر يوما اخرى (لاستكمال التحقيق) . الاتهام الموجه الى الرنتيسي هو انه انتقد اسلوب التفاوض الفلسطيني داعيا الشعب الفلسطيني الى ان يهب في وجه الاحتلال الاسرائيلي. اللقطتان تعكسان, كما هو واضح, ذلك التناقض الحاد بين رؤيتين لطرفين ـ رسميين يتواجهان عبر مائدة تفاوضية: الاول يعمد الى حشد القوى الشعبية وشحذ عواطفها العدوانية ضد الطرف الاخر من اجل تمتين موقفه التفاوضي. الثاني يرسم استراتيجيته التفاوضية على اساس محاولة استرضاء الطرف المناوىء عن طريق قمع القوى الوطنية الشعبية واخراس صوتها.. فلا يفلح الا في اضعاف نفسه واستدعاء عدم احترام الطرف الآخر. هذا الفارق المريع يجسد لنا لب المسألة. فالنزاع هو من زاوية الرؤية الاسرائيلية قضية مصير وطني وتاريخي بينما هو من زاوية الرؤية الفلسطينية قضية زعيم وزعامة.. زعيم مسكون بهاجس الطموح الذاتي وتحقيقه بأي ثمن. ان القضية الفلسطينية هي في جوهرها قضية تحرير ارض من قوة اجنبية فرضت عليها احتلالا وسيادة القوة العارية ولا نعرف في التاريخ البشري مثالا واحدا لأرض حررت دون نضال وطني تتشارك فيه كل القوى الشعبية دون استثناء وطالما ان القيادة الفلسطينية تعتمد لنفسها استراتيجية تستبعد نهائيا حشد القوى الجماهيرية فإن الوسائل الاخرى وحدها محكوم عليها سلفا بالفشل. ليس معنى هذا انه محرم على قيادات العمل التحرري تعاطي الوسيلة الدبلوماسية لكن الدبلوماسية لا تنطلق من فراغ فهي في حالة الدول المستقلة تعتمد على ما تملك الدولة من موارد قوة عسكرية واقتصادية وسياسية اما في حالة حركات التحرر الشعبي فانها تنطلق من الكفاح اليومي الميداني سواء أكان مسلحا ام غير مسلح, وفقا لمقتضيات كل حالة على حدة. لذا لم يكن مثار دهشه للمراقبين ان الحملة الدبلوماسية الاخيرة التي قام بها الرئيس عرفات حول العالم وشملت ما يقارب 20 دولة انتهت الى فشل. فلم يظفر عرفات بدعم لقراره المبدئي باعلان قيام الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر حتى لو دون اتفاق مع اسرائيل. ما حصل عليه الزعيم الفلسطيني هو (نصيحة) بتأجيل الاعلان. ولو كانت حملة عرفات منطلقة من معترك شعبي مشتعل على الارض الفلسطينية ينبىء بوقوع زلزال سياسي في المنطقة لتجاوب العالم مع الحق الفلسطيني. أحمد عمرابي